لجريدة عمان:
2026-06-03@06:44:20 GMT

الوضع العربي الراهن بين السياسي والمثقف

تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT

استطاعت أوروبا ـ في جملتها ـ بعد الحرب العالمية الثانية أن تفرض لمحيطها استقرارًا طال عهده؛ لا لأن السياسي أراد ذلك، لكن بسبب أن المثقف فرض كلمته، وانفصل رأيه عن (صبيانية) تصرف بعض السياسيين، من إشعال الحروب، وغزو المجتمعات، فهناك رأي ثقافي واضح له تأثيره على العقل الجمعي، مما يؤثر الأخير على أصحاب القرار، فتجربة هتلر لا زالت حاضرة في الذاكرة الجمعية الأوروبية عموما، والألمانية خصوصا.

مثلا في 14 (سبتمبر) 1952م نشر الكاتب العماني حسين حيدر درويش (ت: 1999م) في جريدة الأهالي العراقية مقالة بعنوان: «الوضع السياسي في أوروبا الغربية»، ذكر فيها: «إن الشعوب الأوروبية قد ذاقت الكثير من مرارة الحرب، فأشباح الحرب الماضية ما زالت ماثلة أمامها، عالقة في أذهانها، فهي لا تكره شيئا بقدر ما تكره الحروب، وغايتها دائما أن تتجنب الحرب مهما كلفها الأمر، إن معظم طبقات الشعوب لا تحابي أي معسكر من المعسكرين، فهي تنادي بالحياد والابتعاد عن الانتماء إلى أية كتلة دولية» تدعو إلى إشعال الحروب.

وهذا لا يتأتى إذا انعزل المثقف بشكل خاص، والمجتمع بشكل عام عن السياق السياسي، وإلا سيتكرر الحدث ذاته، لهذا عملت هذه الشعوب على تمكين حرية الرأي، والمشاركة في القرار السياسي، «إن الشعوب الأوروبية قد نشأت على حب حرية الرأي، فهي تفصح وتعبر عن رأيها مهما كان مخالفا لسياسة حكوماتها، أو مناقضًا للمعاهدات التي تبرمها، والزائر للأقطار الأوروبية يستطيع الوقوف على آراء شعوبها واتجاهاتها بالاختلاط بها، والتحدث مع أفرادها على اختلاف مهنهم وطبقاتهم».

اللافت في هذه المقالة ما ختم به الكاتب مقالته: «وقد صارحني الكثير من شعوب تلك الأقطار بأن الولايات المتحدة بعد أن بدأ الشك يساورها في تحقيق غايتها في أوروبا الغربية بدأت الآن تتجه نحو الشرق الأوسط لاعتقادها بأن شعوب تلك الأقطار وعلى رأسها الشعوب العربية ما زالت في سبات عميق، ومن السهل إقناعها أو بالأحرى خداعها لتجعل من أراضيها ميدانا للمعركة القادمة، وتجلب إليها الموت والدمار، لتجنب بذلك أراضيها تلك الكوارث والويلات، إن على الشعوب العربية وحدها أن تقرر مصيرها في هذه الآونة الدقيقة، فإما أن تنقذ نفسها من ذلك الشبح المخيف الذي بدأ يقترب منها، وأما أن ترضخ للإرادة الأمريكية فتستعد للقنابل الملتهبة والنار المشتعلة والخراب والدمار، وغير ذلك مما تجره الحرب وراءها من ويلات وكوارث».

ونحن اليوم بعد ثلاثة وسبعين عامًا من نشر هذه المقالة هل «صدق الخبر الخبر»، ومع أن الدول العربية عموما في ظاهرها استقلت عن الاستعمار، لكننا اليوم نخرب واقعنا بأيدينا، فما أن يسكن قطر من أقطارها إلا وتشتعل الحرب في أقطار أخرى، إما من داخلها، أو من أبناء عروبتها، حتى أصبح عالمنا العربي اليوم من أسوأ العوالم، وساحة حرب يعبث فيها، وتُجرب الأسلحة الحديثة في ديارها، والسؤال: أين المثقف العربي في واقعه الحالي؟

إذا عذرنا جامعة الدول العربية في ضعف وحدتها السياسية؛ لأنه لم يعد هناك وحدة جامعة بينها، فقد كانت القومية العربية شعارًا جامعًا بينها، على الأقل كان دافعا معنويا قويا لها، فحورب هذا الدافع بما يسمى الصحوة الإسلامية، هذه الصحوة أدخلت الواقع العربي في صراعات لاهوتية وكأننا في العصر العباسي ولسنا في العصر الحديث، ومنهم من اعتبر الدعوة إلى القومية العربية كفرًا وزندقة وبعثًا لدين جديد، فكان الأمل في جمعيات وأسر الكتاب العرب، وهي جمعيات عمومية مستقلة، كانت تحت اتحاد واحد، هذا الاتحاد لم يكن أفضل من جامعة الدول العربية بسبب تسييس بعض مواقعه، ليصبح لسان السلطة وليس المجتمع المدني، هو ذاته تشرذم إلى موقعين بسبب حرب اليمن خصوصًا، ثم لم يعد له وجود يذكر منذ 2022م وحتى اليوم.

في واقعنا العربي خطان من الثقافة في الجملة، خط المؤسسات الثقافية التي في ظاهرها خدمة المعرفة، وفي باطنها تسييس لمن يدفع لها، لتبرر فعله اليوم، وتؤيد فعله غدا، وخط المثقف الفرد المستقل بذاته، وهؤلاء ثلاثة، فريق يبرر لأخطاء السياسات لكونه منتميًا إلى قطرها، أو مستفيدًا من غلاتها، أو مهددًا من قبل أجهزتها الاستخبارية، وهؤلاء يعيشون التناقض بين مبادئ الثقافة الجامعة والنهضوية، وبين تبريرات طيش السياسيين، وتارة ينقضون في نهارهم ما نشروه في ليلهم؛ لأن المدار هي حركة السياسي وليس المبادئ والقيم الإنسانية الثابتة، وفريق آخر من المثقفين مال إلى السكوت والانزواء، والاشتغال بذاته بعيدًا عن الصخب، حتى لا يُلوث قلمه، ولا يستغل فكره ولسانه، وبقي فريق ثالث يتحدث باسم قيم الإنسان الجامعة، غير مرهون بسياسات قطره المنتمي إليه أو غيره، إن أحسنوا كان داعمًا، وإن أساءوا كان راصدًا ناقدًا، وهؤلاء أقل الكفتين.

إن ما يحدث في واقعنا العربي الراهن يحتاج إلى أقلام تؤمن بالإنسان العربي كفرد مستقل بذاته، له كرامته الإنسانية في تحقيق المساواة والعدالة، ثم توسيع مساحة حرية الرأي، ومواجهة الاستبداد، ومواجهة ما يؤدي إلى تكميم الأفواه، وشراء الأقلام، وتوجيهها لغايات السياسيين، وليس لقيم الإنسان الكبرى، ثم لا بد أن يكون المثقف مشاركا في الوضع السياسي، بمعنى أن يكون له دور فاعل إذا انطلق من إنسانية الإنسان، وليس من عسكرة السياسة، أو أدلجتها دينيا، أو لإشباع رغبات البعض في التوسع الموهوم، أو أكل خيرات شعوب أخرى، أو بناء عظمة ساذجة مقابل خراب ديار أمم آمنة؛ حينها، إن ترك المثقف دوره الحقيقي سيملأ الساحة غيره ليقودها إلى الدمار؛ كما في واقعنا اليوم.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”

صراحة نيوز – قال وزير الشؤون السياسية والبرلمانية عبد المنعم العودات: إن الشباب يشكلون محور مشروع التحديث السياسي وغايته في آن واحد، فهم القوة الأكثر قدرة على تجديد الحياة العامة وإثرائها بالأفكار والمبادرات الخلاقة، مؤكداً أن نجاح مسار التحديث يقاس بمدى انخراط الشباب في العمل الحزبي والسياسي وتحولهم إلى شركاء فاعلين في رسم السياسات العامة وصناعة المستقبل.

جاء ذلك؛ خلال رعايته اليوم الثلاثاء إطلاق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية بعنوان “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”، الذي تنفذه الوزارة لشباب وشابات الأحزاب السياسية في محافظات المملكة كافة، جاء ذلك بحضور عدد من أمناء عامي الأحزاب السياسية وممثلي عن فئة الشباب المنتسبين لها.

وأكد العودات أن مشروع التحديث السياسي الذي أطلقه الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم يمثل مشروعاً وطنياً إصلاحياً متكاملاً، يؤسس لمرحلة جديدة في الحياة السياسية الأردنية تقوم على المشاركة الواسعة، والعمل الحزبي البرامجي، وتعزيز حضور الشباب في مواقع التأثير وصنع القرار.

وأضاف أن التحديث السياسي لا يقتصر على تطوير المنظومة التشريعية والمؤسسية، بل يستهدف ترسيخ ثقافة سياسية جديدة قوامها المشاركة والمسؤولية والالتزام الوطني، وتعزيز الثقة بالعمل العام، وتمكين المواطنين من الإسهام الفاعل في صناعة القرار من خلال الأطر الديمقراطية والحزبية.

وبين الوزير أن المواطنة الفاعلة تمثل أحد أبرز المرتكزات التي يقوم عليها مشروع التحديث السياسي، مشيراً إلى أن المواطنة في مفهومها الحديث تتجسد في المشاركة الإيجابية، وتحمل المسؤولية، والإسهام في خدمة المجتمع والدولة، وترسيخ قيم الحوار والتعددية واحترام الرأي الآخر.
ولفت الوزير أن ترسيخ قيم سيادة القانون وتعزيز المواطنة الفاعلة يعدان من أهم الاهداف الاستراتيجية لمنظومة التحديث السياسي، باعتبارهما الأساس الذي تقوم عليه الدولة المدنية الحديثة، والقادرة على توسيع المشاركة السياسية وتعزيز الاستقرار الوطني وترسيخ نهج الإصلاح والتطوير.

واختتم العودات بالتأكيد أن الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، ماضٍ بثقة في مسيرة التحديث والتطوير، مستنداً إلى وعي أبنائه وإيمانهم بدولتهم ومؤسساتهم، وإلى دور الشباب بوصفهم الشريك الأبرز في بناء المستقبل وصون المنجزات الوطنية وتعزيز مكانة المملكة على مختلف الأصعدة.

ويهدف المشروع إلى تعزيز قيم المواطنة الفاعلة وسيادة القانون لدى الشباب وزيادة المشاركة السياسية الواعية والمسؤولة لديهم، وتعزيز انخراطهم الايجابي في الحياة الحزبية والعامة ضمن إطار ديمقراطي قائم على الحوار واحترام التنوع، وذلك من خلال عدد من الجلسات النقاشية والانشطة التفاعلية المخصصة للشباب من الاحزاب السياسية في محافظات المملكة كافة.
كما تم خلال حفل الاطلاق عرض فيديو بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين.

مقالات مشابهة

  • باحث سياسي: الإدارة الأمريكية تواجه تحديات كبيرة في تقييم طبيعة القرار السياسي داخل إيران
  • أبرز المباريات العربية والعالمية اليوم الأربعاء
  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • طريق الخروج (2)
  • “الأحرار”: ربط إيران المباحثات مع واشنطن بوقف العدوان على غزة ولبنان موقف مسؤول وانتصار لحقوق الشعوب
  • "حماس" ترحب باعتماد نقابات العمال الأيرلندي وفورسا سياسة شراء الأخلاقية
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • "العربية للمسرح": نمد جسور التعاون مع الصين لتبادل المعرفة وتطوير معارف المسرح العربي
  • بيسكوف يطرح طريقة لإنهاء العملية العسكرية الروسية بحلول نهاية اليوم
  • سعر الريال مقابل الجنيه المصري والعملات العربية اليوم الثلاثاء 16-12-1447