الثورة نت:
2026-06-02@20:18:41 GMT

لماذا لا تغادر أمريكا الشرق الأوسط؟

تاريخ النشر: 7th, January 2026 GMT

لماذا لا تغادر أمريكا الشرق الأوسط؟

 

الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط ليس حدثًا عابرًا أو استجابة ظرفية لأزمات مؤقتة، بل هو نتاج عقيدة استراتيجية متجذرة منذ منتصف القرن العشرين، وما زالت تتكرر بأدوات وأساليب مختلفة. مبدأ أيزنهاور، الذي أعلن عام 1957م لحماية المنطقة من “الخطر الشيوعي”، شكّل أول تجسيد لهذه العقيدة، وما زال جوهرها قائمًا اليوم، حتى مع تغيّر المسميات والأساليب، وصولًا إلى سياسة ترامب في العصر الحالي.

حين أُعلن مبدأ أيزنهاور، كانت المنطقة تعيش فراغًا سياسيًا بعد العدوان الثلاثي على مصر، وتراجع النفوذ البريطاني والفرنسي، فتقدمت الولايات المتحدة لتقدّم نفسها “حامية للاستقرار”، لكنها في الواقع دشّنت مرحلة الهيمنة المباشرة. فقد ربطت واشنطن أمن المنطقة بأمنها القومي، وحوّلت السيادة الوطنية إلى ملف قابل للتأجيل باسم حماية الدول من نفوذ الشيوعية، متخذة من الدعم الاقتصادي والعسكري أداة أساسية لفرض نفوذها.

ومع انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، لم يُسدل الستار عن الحضور الأمريكي في المنطقة، بل استبدلت الروايات: الإرهاب، أسلحة الدمار الشامل، حماية الملاحة الدولية، مواجهة نفوذ قوى إقليمية صاعدة… بينما بقي جوهر العقيدة الأمريكية واحدًا: ضمان الهيمنة والسيطرة على موارد المنطقة وممراتها الاستراتيجية، وخلق توازنات دولية تصب في مصلحتها. وكان جزء من هذه الاستراتيجية دائمًا مرتبطًا بالحفاظ على الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة كحليف رئيسي للنفوذ الأمريكي، وداعم لمصالحها السياسية والأمنية في المنطقة.

التحوّل الأبرز لم يكن في الهدف، بل في أدوات التنفيذ. بعد عقود من التدخل العسكري المباشر الذي أثبت تكلفته السياسية والبشرية، لجأت واشنطن إلى استراتيجية أكثر دهاءً: حروب الوكالة. لم تعد الحاجة ملحة لتكون في الواجهة دائمًا؛ يكفي أن تُدار الصراعات من الخلف، بتمويل ودعم أطراف محلية، وتركها تستنزف بعضها البعض، فيما تمسك هي بخيوط اللعبة وتتحكم بالنتائج الكبرى، بما في ذلك دعم الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة لتعزيز نفوذها الإقليمي وحماية مصالحها.

في هذا الإطار، أصبح الاستقرار هدفًا ثانويًا، أو مجرد غطاء؛ فقد أصبح إدارة الفوضى أفضل وسيلة للحفاظ على النفوذ. شرق أوسط مستقر، مستقل القرار، موحّد الإرادة، لا يخدم العقيدة الأمريكية، بينما منطقة منقسمة، متصارعة داخليًا، تعيش صراعات إقليمية متشابكة، تظل بحاجة دائمة إلى “الوسيط الأمريكي” و”الضامن الأمني”، مع استمرار دور الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة كعنصر رئيسي في استراتيجيات الضغط والتحكم.

ترامب، بصفته الرئيس الأمريكي الحالي، ورث هذه العقيدة ولم يحاول التخلي عنها، بل أعاد صياغتها بطريقة عملية وواقعية. فقد ركّز على استراتيجيات القوة الذكية: دعم حلفاء مختارين، تحفيز حروب الوكالة، وفرض عقوبات اقتصادية صارمة، مع الاحتفاظ بالخيارات العسكرية المباشرة عند الضرورة القصوى. السياسة تحت قيادة ترامب تظهر أن واشنطن ما زالت تعتبر أي غياب من المنطقة بمثابة تراجع استراتيجي، يعكس ضعفًا في نفوذها العالمي، بينما يبقى الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة شريكًا أساسيًا في الحفاظ على هذه الهيمنة.

ورغم أن بعض الأنظمة في المنطقة رضخت طوعًا أو قسرًا لهذا الدور، إلا أن التحولات الأخيرة كشفت حدود هذه المعادلة. فحروب الوكالة، مهما طال أمدها، لا تنتج طاعة دائمة، بل تولّد مقاومة محلية وإقليمية تكيفت مع الواقع، وطورت أدواتها، وكسرت احتكار القوة. وهنا بدأت واشنطن تشعر أن شرق أوسط اليوم لم يعد الساحة المضمونة كما كانت في عقود سابقة.

الوجود الأمريكي اليوم، إذاً، ليس علامة على النجاح، بل على الخوف من الفراغ. فالانسحاب يعني الاعتراف بتآكل النفوذ، وصعود قوى إقليمية لا تقبل الإملاءات التقليدية، وانهيار سردية “القيادة العالمية”. ولذلك، يتمسك الاستراتيجيون الأمريكيون بعقلية أيزنهاور: البقاء بأي ثمن، والتدخل تحت أي عنوان، من دعم حكومات ضعيفة، إلى التحالف مع جماعات مسلحة، إلى فرض حصار اقتصادي، وصولًا إلى حروب مباشرة عند الضرورة القصوى، مع ضمان استمرار الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة كأداة أساسية للضغط الإقليمي.

والسؤال الأكثر أهمية هو “لماذا لا تغادر أمريكا الشرق الأوسط؟”، بل: هل يمكن لهذه العقيدة أن تستمر بلا تكلفة؟ التاريخ يعلمنا أن العقائد التي لا تتكيف مع تحولات الواقع تتحول من أدوات قوة إلى أسباب سقوط. مبدأ أيزنهاور بدأ بوعد الحماية، وتحول إلى سلسلة من الحروب والانتدابات غير المنتهية، وربما يكون اليوم شاهدًا على أن زمن الهيمنة المطلقة يقترب من نهايته، حتى وإن تأخر الإعلان الرسمي.

الشرق الأوسط، رغم كل الأزمات والجراح، لم يعد مسرحًا ساكنًا تُدار منه القرارات من الخارج، بل أصبح ساحة صراع على السيادة والمعنى والمستقبل. الحاضر يكشف أن حروب الوكالة، التي طالما اعتُبرت أداة ذكاء أمريكية، لم تعد تضمن الاستقرار أو الولاء، بل أنتجت مقاومة متصاعدة وقوى إقليمية جديدة قادرة على تحدي النفوذ الأمريكي بشكل متزايد، رغم الدعم المستمر للكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة.

في النهاية، يظل الدرس الرئيسي: العقائد، مهما كانت قوية، لا تبقى قائمة إلا إذا تكيّفت مع الواقع المتغير. وشرق أوسط اليوم، بمقاومته وصراعاته ووعيه المتزايد، يختبر هذه العقيدة بحدة. مبدأ أيزنهاور الذي وُلد في خمسينيات القرن الماضي، قد يظل حيًا في عقل السياسة الأمريكية، لكن عمليًا، المنطقة تتغير، ومعها تتغير قواعد اللعبة.

لن تغادر أمريكا الشرق الأوسط إلا بتكاتف أحرار العرب مع محور المقاومة، الذي أثبت قدرته على تحدي النفوذ الأمريكي وفضح أدواته، وحماية السيادة الوطنية ضد الهيمنة الخارجية. فالمعادلة واضحة: استمرار السيطرة الأمريكية مرتبط بالضعف والانقسام، بينما الوحدة والمقاومة تصنع مستقبلًا جديدًا يفرض معادلات القوة الإقليمية ويحد من قدرة أي قوة خارجية على فرض إرادتها.

 

 

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

“الطيران المدني” يستكمل متطلبات تشغيل أول طائرة إيرباص A321XLR في الشرق الأوسط وأفريقيا

 

البلاد (الرياض) استكملت الهيئة العامة للطيران المدني المتطلبات التنظيمية اللازمة لتشغيل طائرة Airbus A321XLR الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، والتي دخلت الخدمة التشغيلية في المملكة، وذلك ضمن دور الهيئة في تمكين نمو قطاع الطيران المدني ودعم إدخال أحدث الطرازات الجوية، بما يعزز الربط الجوي ويرفع كفاءة التشغيل ويدعم مستهدفات برنامج الطيران المنبثق عن الإستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية.
وتُعد الطائرة الأولى من هذا الطراز تدخل الخدمة التشغيلية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، كما تُصنف ضمن أحدث الطائرات ذات المدى البعيد من فئة الطائرات ذات الممر الواحد، إذ تتميز بقدرتها على تشغيل رحلات مباشرة لمسافات أطول بمدى يصل إلى (8,700 كيلومتر) أو ما يعادل (4,700 ميل بحري)، إلى جانب خفض استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 30% وتقليل مستويات الضوضاء بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالطرازات الأخرى، بما يتيح تشغيل وجهات جديدة بكفاءة تشغيلية أعلى ويعزز الربط الجوي للمملكة مع مختلف الوجهات الدولية.
وأكدت الهيئة أن إجراءات إدخال وتشغيل الطرازات الجديدة في المملكة تتم عبر منظومة رقابية متكاملة تبدأ بقبول شهادة الطراز الصادرة من دولة التصميم، والتي تتضمن مراجعة وتقييم الأساس الفني والتنظيمي للطراز والتحقق من استيفائه لمتطلبات الهيئة، تليها مرحلة إصدار شهادة صلاحية الطيران لكل طائرة على حدة للتأكد من مطابقتها للتصميم المعتمد وجاهزية أنظمتها ومعداتها وتوافقها مع أنظمة ولوائح الهيئة، إضافة إلى اعتماد برامج الصيانة والتشغيل ذات الصلة والتحقق من جاهزية محطات الإصلاح المعتمدة للقيام بأعمال الصيانة المطلوبة للطراز الجديد وفق اللوائح التنفيذية لسلامة الطيران.
وأوضحت أن عملية الإشراف لا تقتصر على مراحل الاعتماد الأولية، بل تمتد إلى الرقابة المستمرة على المشغلين الجويين ومحطات الإصلاح المعتمدة، بما يضمن الالتزام الدائم بالمعايير الوطنية والدولية المطبقة في مجال سلامة الطيران وفق نظام الطيران المدني ولوائحه التنفيذية.
ويأتي تشغيل الطائرة في إطار جهود الهيئة العامة للطيران المدني لتعزيز منظومة طيران آمنة ومستدامة، وتمكين الناقلات الجوية من الاستفادة من أحدث التقنيات والحلول التشغيلية، بما يسهم في رفع كفاءة القطاع وتعزيز تنافسيته ودعم مستهدفات برنامج الطيران المنبثق عن الإستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، وبما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.

مقالات مشابهة

  • مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وتعززان التنسيق الاستراتيجي بشأن قضايا المنطقة
  • محلل سياسي: تعيين توم براك يعكس الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط
  • الطفولة الملغومة.. قنابل بشرية مؤجلة تهدد الأمن القومي في الشرق الأوسط
  • هند الضاوي: ترامب ينتقد الإدارات السابقة لكنه يسير على نهجها في الشرق الأوسط
  • انعقاد جولة مشاورات سياسية بين مصر وفرنسا الأوضاع في الشرق الأوسط
  • مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وجهود تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد
  • “الطيران المدني” يستكمل متطلبات تشغيل أول طائرة إيرباص A321XLR في الشرق الأوسط وأفريقيا
  • الذهب يصعد مع التركيز على التطورات في الشرق الأوسط
  • باراك: ترامب حقق إنجازات «غير مسبوقة» في الشرق الأوسط
  • تراجع نيكي الياباني من قمته القياسية وسط حذر المستثمرين وتوترات الشرق الأوسط