تعرف على مشروع قناة لغمان المائية في أفغانستان
تاريخ النشر: 7th, January 2026 GMT
في بلد يُعدّ فيه الماء المورد الأكثر حساسية وإستراتيجية، لا يمكن فصل مشاريع الريّ الكبرى عن معادلات الاستقرار الاقتصادي والأمن الغذائي.
وفي أفغانستان، حيث يسود المناخ الجاف، وتتراجع معدلات الأمطار، ويستمر الاعتماد الواسع على الزراعة التقليدية، باتت إدارة الموارد المائية شرطا أساسيا لأي رؤية تنموية قابلة للحياة.
وفي هذا السياق، عاد مشروع قناة لغمان الملكية "شاهي كانال" إلى الواجهة، باعتباره أحد أضخم مشاريع الريّ في شرق البلاد، ومؤشرا على استمرار سياسات البنية التحتية المائية رغم تغيّر الأنظمة السياسية.
وتعود جذور فكرة القناة إلى سبعينيات القرن الماضي، خلال حكم الرئيس الأفغاني الأسبق محمد داود خان، حين تبنّت الدولة الأفغانية للمرة الأولى نهجا وطنيا منظّما لإدارة المياه السطحية وربطها بالتنمية الزراعية.
وكان الهدف آنذاك استغلال مياه نهر ألينغار لتحويل مساحات واسعة من الأراضي غير المستثمرة إلى أراضٍ زراعية منتجة.
ويرى خبير شؤون المياه والري رياض بوبل في حديثه للجزيرة نت أن "جميع الحكومات الأفغانية منذ سبعينيات القرن الماضي حاولت شق هذه القناة، إلا أن الاضطرابات السياسية والحروب حالت دون تنفيذ المشروع كاملا".
ويضيف أنه خلال الحكومة السابقة لم يُنجز سوى نحو 15% من القناة، قبل أن يتوقف العمل بها مجددا عقب تغيير النظام في أغسطس/آب 2021، مشيرا إلى أنه "بإمكان الحكومة الأفغانية الحالية العمل على القناة، إذ وفّرت الأمن والتمويل اللازمين لإكمال المشروع".
وأعادت الحكومة الأفغانية الحالية إدراج المشروع ضمن أولوياتها الاقتصادية. ففي سبتمبر/أيلول 2023، قررت اللجنة الاقتصادية، برئاسة الملا عبد الغني برادر نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، إعادة تقييم المشروع فنيا، تمهيدا لاستئناف تنفيذه.
وبعد استكمال الدراسات، أُدرج المشروع في الميزانية الحكومية، وبدأ العمل رسميا في شق القناة.
أين تقع قناة لغمان في خريطة المياه الأفغانية؟تقع قناة لغمان الملكية ضمن حوض مياه كابل، الذي يضم أنهار كابل وكونر ولغمان، والتي تصب في نهاية المطاف في نهر السند داخل الأراضي الباكستانية. ويُعد هذا الحوض من أكثر الأحواض حساسية من حيث البعد الإقليمي، نظرا لتشابك قضاياه المائية مع دول الجوار.
إعلانويشير خبير الموارد المائية الأفغاني عبد القادر صديقي في حديثه للجزيرة نت إلى أن "أي مشروع في حوض مياه كابل لا يمكن النظر إليه كمشروع محلي فقط، بل يجب التعامل معه ضمن رؤية شاملة لإدارة المياه العابرة للحدود".
مواصفات مشروع قناة لغمان
تقع قناة لغمان في مديرية ألينغار بولاية لغمان شرقي أفغانستان، ويبلغ طولها وفق التصميم النهائي نحو 70 كيلومترا، وتُنفذ على مرحلتين.
ويهدف المشروع إلى ريّ قرابة 20 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، معظمها أراضٍ بكر أو منخفضة الإنتاجية.
وتشمل المرحلة الأولى 30 كيلومترا من القناة، موزعة على 4 مراحل تنفيذية، وبدأ العمل فعليا في المقطع الأول بطول 6.5 كيلومترات، بتكلفة تقديرية تبلغ نحو 8 ملايين دولار، تُموّل من الميزانية الحكومية المحلية، ويُنفذ عبر شركتين أفغانيتين خاصتين.
وبحسب بيانات وزارة المياه والطاقة، بلغ إجمالي التقدم في المشروع حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025 نحو 18%، وهو تقدم وُصف بالبطيء، لكنه مستمر.
ما الذي يمكن أن تغيّره قناة لغمان؟تُعدّ لغمان من أكثر الولايات الأفغانية خصوبة، وتُسهم بشكل كبير في تزويد العاصمة كابل والولايات المجاورة بالمنتجات الزراعية. ويقول الخبير الاقتصادي الزراعي فضل الرحمن فاضل للجزيرة نت إن "توسيع شبكة الريّ عبر قناة لغمان الملكية يمكن أن يُحدث تحولا نوعيا في نمط الزراعة، من زراعة موسمية محدودة إلى إنتاج متعدد المواسم، لتتحول ولاية لغمان بفضل هذه القناة إلى سلة غذاء في أفغانستان".
ويضيف فاضل أن المشروع:
يرفع إنتاجية الأرض بنسبة كبيرة. يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. يقلل من الهجرة الريفية نحو المدن.
وتذهب تقديرات رسمية إلى أن طاقة الريّ المحتملة للقناة قد تصل نظريا إلى نحو 100 ألف هكتار، وهو رقم يدعو إلى التعامل معه بحذر علمي، لكنه يعكس في الوقت ذاته حجم الإمكانات الكامنة، وفق خبراء.
وتعتمد الزراعة في ولاية لغمان بشكل أساسي على نهري ألينغار وأليشنغ، اللذين يلتقيان بنهر كابل. وتُزرع في الولاية محاصيل الأرز، والبقوليات، والخضراوات، إلى جانب الفواكه، ولا سيما الحمضيات.
ويرى مختصون أن تطوير شبكات الريّ عبر قناة لغمان الملكية قد يشكّل عاملا حاسما في تعزيز الأمن الغذائي المحلي، وتحسين دخل المزارعين، وتقليل الاعتماد على الأمطار في ظل تقلبات المناخ.
الأبعاد البيئية لمشروع قناة لغمانإلى جانب البعد الاقتصادي، يحمل المشروع أهمية بيئية، إذ يمكن لتنظيم تدفق المياه أن يسهم في تعزيز المياه الجوفية، والحد من تدهور الغابات والمراعي، وهي تحديات تفاقمت خلال السنوات الأخيرة.
لكن الباحث في شؤون البيئة محمد ناصر زيار يحذر في حديثه للجزيرة نت من أن "نجاح المشروع لا يتوقف على الحفر فقط، بل على الإدارة المستدامة، ومنع الهدر، وضمان عدالة التوزيع بين المجتمعات المحلية".
سياسة مائية عابرة للأنظمة؟يعكس استئناف مشروع قناة لغمان الملكية، إلى جانب مشاريع كبرى أخرى مثل قناة قوش تيبة وبناء السدود في الجنوب، توجها واضحا لدى الحكومة الأفغانية الحالية لمواصلة -وربما تسريع- مشاريع التحكم بالمياه التي وضعتها الحكومات السابقة.
ويرى محللون أن هذا النهج يعكس إدراكا متزايدا بأن المياه لم تعد ملفا تقنيا فقط، بل أداة سيادية واقتصادية في بلد يسعى إلى تقليل اعتماده على الواردات وتحقيق حد أدنى من الاكتفاء الغذائي.
إعلانوبين طموحات التنمية، والتحديات التقنية، والواقع السياسي المعقّد، تقف قناة لغمان الملكية مثالا حيّا على استمرارية المشاريع الإستراتيجية في أفغانستان رغم تغيّر الأنظمة.
وإذا ما استُكمل المشروع بإدارة علمية، ورقابة فنية، وتمويل مستدام، فقد يتحول إلى نموذج يُحتذى به في إدارة المياه، ويسهم في تحسين حياة آلاف المزارعين، وتعزيز الأمن الغذائي في شرق البلاد.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی أفغانستان للجزیرة نت
إقرأ أيضاً:
البابا تواضروس: في مصر لا تعرف الفرق بين مسلم ومسيحي.. والنيل صنع الوحدة الوطنية
أكد قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أن المجتمع المصري يتمتع بخصوصية فريدة تجعل من الصعب التفرقة بين المسلم والمسيحي، مشيرًا إلى أن نهر النيل لعب عبر التاريخ دورًا أساسيًا في تشكيل الشخصية المصرية وترسيخ قيم التعايش والوحدة الوطنية بين أبناء الوطن.
واوضح قداسته، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي أسامة كمال على قناة DMC، أن المصريين عاشوا على ضفاف النيل واستمدوا منه الحياة ومقومات المعيشة، الأمر الذي أسهم في خلق حالة من التقارب والألفة بينهم، مضيفًا أن المصريين بطبيعتهم يحبون التواجد معًا، ولذلك نشأت المدن والقرى، كما بُنيت المعابد والكنائس والمساجد بالقرب من نهر النيل.
الوحدة الوطنيةوأشار قداسته إلى أن هذا النمط من الحياة أسهم في ترسيخ مفهوم الوحدة الوطنية، مؤكدًا أن المصريين يمثلون صورة واحدة، وأنه لا يمكن التمييز بين المسلم والمسيحي من خلال الملامح أو الملابس أو أسلوب الحياة، وإنما يظهر الاختلاف فقط عند دخول أحدهما إلى المسجد أو الكنيسة.
وأكد البابا تواضروس أن مصر تمتلك هوية حضارية وإنسانية لا تشبه أي دولة أخرى، وأن هذا التعايش انعكس في العادات والتقاليد المشتركة بين المصريين، مستشهدًا بـ"كحك العيد" الذي لا يمكن معرفة إن كان صُنع في بيت مسلم أو مسيحي، إلى جانب احتفال جميع المصريين بشم النسيم، باعتبارها مظاهر تعكس الهوية المصرية الأصيلة.
التسامح والمحبةوشدد قداسته على ضرورة الحفاظ على قيم التسامح والمحبة والصدق، مؤكدًا أن التربية والتعليم يمثلان الركيزة الأساسية لبناء الإنسان، وأن المدرسة تؤدي دورًا محوريًا في غرس هذه القيم في الأجيال الجديدة.
واختتم البابا تواضروس حديثه بالتأكيد على أهمية المعلم في بناء المجتمع، قائلًا إن اختيار المعلم يجب أن يتم بعناية كبيرة، لأنه المسؤول عن تشكيل شخصية الإنسان وصناعة مستقبل الوطن.