هيثم المجد و6 أعوام من الحكم الرشيد
تاريخ النشر: 7th, January 2026 GMT
د. محمد بن عوض المشيخي **
إدارة الناس بحكمةٍ واقتدار في شؤون الحكم ليست بالأمر السهل أو البسيط؛ بل هي من أصعب التحديات التي تواجه الأنظمة والحكومات في عالمنا المترامي الأطراف على الإطلاق، فعملية كسب قلوب الجماهير وعقولهم تمثل غايةً مُثلَى لكل زعيمٍ وازنٍ وطَمُوح، يريد تخليد اسمه في سجلات التاريخ؛ كي يترك بصمةً لا تُمحَى، ولا تغيب عن أعين المؤرخين الأفذاذ؛ بلهَ المجتمعَ الذي ينتمي إليه.
وفي هذا البلد المبارك الذي يتولى فيه مقاليد الحكم الرشيد واحِدٌ من أعظم القيادات التاريخية المعاصرة في المنطقة العربية قاطبةً، وهو حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- نشهد نهضةً رائدة غير مسبوقة؛ إذ تمكَّن هذا القائد الهُمام من ترسيخ صرح النهضة المُتجددة، بفضل نظرته الثاقبة المُستشرِفة للمستقبل، وإمكانياته العلمية المتفردة- حيث تخرج من أعرق جامعات العالم، وهي جامعة أكسفورد البريطانية- والأكثر أهمية هو امتدادُ إرثه الإمبراطوري الخالد الذي سجَّله التاريخ بماءٍ من ذهب؛ إذ ينحِدرُ جلالة السلطان المُفدَّى من أسرة سلاطين البوسعيدي الميامين، والذين سجلوا للغُبَيراء أمجادًا مضيئة، يشهد بنصاعتها وعُلُوِّ شأنها العالمُ أجمع في شرقه وغربه، ناهيك عن رحابة صدره، ودماثة خُلُقِه، وعمق إخلاصه وتفانِيه، وحبه النابض المنقطع النظير للشعب العُماني الذي يُبادله مشاعر الإخلاص والوفاء.. أقول تمكن هذا القائد الفذَّ من أن يُسطِّر صفحاتٍ مُشرقة، تفيضُ من بين فصولها إنجازاتٌ تعانق عنان السماء في مختلف الميادين، وعلى كل المستويات.
فإذا وجَّهنا أنظارنا اليوم فيما حولنا إلى حصاد الأعوام الستة من حكم هيثم المجد، نرى في واقعنا المُعاش ما يُثلج صدورنا جميعًا، ويُعمِّق نظرتنا بثباتٍ واطمئنان إلى الحاضر بما يحمله من خيراتٍ مباركة، وإلى المستقبل الواعد بما يحويه من إشراقاتٍ تُنِيرُ لنا دروب الحياة ومسالكها، وآفاق تنموية في مختلف المجالات، فقد كان هذا الزعيم الوطني مهندس رؤية "عُمان 2040" قبل أن يتولى مقاليد الحكم في البلاد؛ حيث كلفه السلطان الراحل قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- بترؤس هذا المشروع الوطني العملاق، وإعداد الاستراتيجية الوطنية اللازمة له، والإشراف عليها عن قُرْب، حتى تظهر بأجمل صورةٍ مُمكنة في مجالَيْ التخطيط والتنفيذ، والتي يتطلع إليها اليوم كلُّ عُمانيٍّ، آمِلًا في أن تنقل سلطتنا الحبيبة إلى مصاف الدول المتقدمة على مشارف نهاية الرؤية، وأن تكون سلطنة عُمان ضمن أفضل عشرين دولة على مستوى الدول الصناعية الكبرى، وبالفعل فقد بدأنا نجني ثمار تلك الرؤية الطموحة، والتي تمثلت في تنفيد أكثر من 100 مشروع ومُنجَز في محاور الرؤية الأربعة منذ انطلاقتها المباركة قبل أكثر من خمس سنواتٍ مضت.
ومن أجمل روائع سلطان الفكر، اتباعه سياسة الأبواب المفتوحة مع المواطنين؛ بهدف ترسيخ مبادئ الشفافية والصراحة والموضوعية والعدل بين الحاكم والمحكوم، وكانت البداية عام 2020 بإجراء حوارٍ جاد وصريح مع الشيوخ والأعيان في محافظة ظفار، تحت سقفٍ واحدٍ في قصر الحصن، ثم امتدت تلك المنصات التي هي عبارة عن برلمان مفتوح لعُمان وشعبها العظيم، إلى مختلف محافظات السلطنة، وتبع ذلك إصدار توجيهٍ سامٍ لافتٍ للمسؤولين من الوزراء والمحافظين والولاة بزيارة المواطنين في مدنهم وقراهم مباشرةً؛ للتعرف عن قرب على احتياجاتهم دون تأخير، وذلك انطلاقًا من مبدأ أن "الوظيفة تكليف لا تشريف"، فالوزير وُجِد لخدمة المواطن، وليس للتعالي عليه، والتموضع في المكاتب الفاخرة، أو منع المراجعين من التواصل المباشر مع صُنَّاع القرار. ولعل فيما تابعناه- قبل أسابيع قليلة- أثناء استقبال جلالته في قصر البركة لرئيس وأعضاء مكتب مجلس الدولة، تعبيرًا صادقًا عن نجاعة هذا النهج القويم؛ إذ تم التأكيد مجددًا على أهمية التفاعل مع قضايا المجتمع والتحديات القائمة، وإيصال الرسائل الصحيحة والمناسبة بشأن القضايا المطروحة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وتقديم الحلول والمقترحات النافعة في مواجهة لتلك التحديات التي تواجه المجتمع العُماني.
وفي الختام.. لا شك أن حرص واهتمام جلالة السلطان بالمتابعة اليومية لوسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، يُمثِّل مَيْزةً ينفرد بها القائد المُفدّى عن غيره من الحكام الذين يعتمدون على التقارير والمُلخَّصات والنشرات الخاصة التي يتم إعدادها من الأجهزة المختصة، والتي عادةً ما تخضع للتنقيح والتعديل من "حُراس البوابات الإعلامية" في وطننا العربي الكبير من المحيط إلى الخليج دون استثناء؛ لكي يتم تصوير أحوال المجتمع على أن "كل شيء على ما يرام"، في الوقت الذي يتم فيه حجب القضايا الكبرى للمواطنين ومعاناتهم، والحيلولة دون وصولها إلى ولي الأمر.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..