خالد بن حمد الرواحي
يقضي الإنسان ما يقارب اثنتي عشرة سنة في المدرسة، ثم أربع سنوات أو أكثر في الجامعة، يتعلّم خلالها التخصص، ويُدرَّب على التفكير المنهجي، ويُقاس تفوقه بالاختبارات، ويُهيَّأ- نظريًا- ليكون موظفًا مبدعًا، منتجًا، وقادرًا على الإضافة. تُبنى هذه الرحلة على افتراض بسيط: أن المعرفة وحدها تكفي للنجاح.
هناك، يكتشف الموظف أن النجاح لا يقوم فقط على المعرفة، ولا على إتقان التخصص، بل على فهم شيءٍ لم يُدرَّس له يومًا: خوارزميات الإدارة. تلك القواعد غير المكتوبة التي تحكم الحركة داخل المؤسسة، وتُعيد تعريف ما يُقال وما يُؤجَّل، وما يُمرَّر بصمت. كيف تُدار العلاقات؟ كيف يُقرأ مزاج المدير قبل قراءة القرار؟ كيف تُقدَّم الفكرة في توقيتٍ مناسب، ومتى يكون تأجيلها أكثر حكمة؟ ومتى يصبح الصمت، لا الكلام، الخيار الأكثر أمانًا؟
لم تُعلِّمنا المدرسة كيف نكسب رضا المسؤول، ولا كيف نوازن بين الصراحة والحذر، ولا كيف نُفرّق بين المجاملة المهنية والتملّق المضر. ولم تُدرِّسنا الجامعة كيف نتحرك داخل بيئات عمل تحكمها اعتبارات غير مكتوبة، ولا كيف نتعامل مع قرارات تُصاغ أحيانًا خارج منطق الكفاءة، أو تُمرَّر باسم «الظرف» و«التوجيه» أكثر مما تُبنى على الأداء والاستحقاق.
وهنا، يبدأ الموظف- شاء أم أبى- في تعلّم خوارزميات وظيفته الخاصة. بعضهم يختار المسار الإيجابي، فيطوِّر ذكاءه العاطفي، ويفهم السياق العام، ويُحسن التواصل، ويُجيد اختيار توقيت الكلمة قبل مضمونها، دون أن يتنازل عن قناعاته أو احترامه لذاته. وآخرون- للأسف- يرون في التملّق والتطبيل طريقًا أسرع للعبور، فيُتقنون قراءة ما يُرضي أكثر مما يُصلح، ويبرعون في الحضور الشكلي على حساب الأثر الحقيقي والاستدامة المهنية.
المفارقة أن هذه الخوارزميات لا تختلف كثيرًا عمّا نعيشه يوميًا في منصات التواصل الاجتماعي. فكما أن لكل منصة خوارزمية غير معلنة؛ إن فهمتها وصلت، وإن تجاهلتها تلاشى حضورك، أصبحت بيئات العمل اليوم تحكمها خوارزميات مشابهة. إن فهمتها مبكرًا، عرفت كيف تتميز، وكيف يُشار إليك بالبنان، لا لأنك الأفضل دائمًا، بل لأنك الأقدر على التكيّف مع قواعد غير مكتوبة، وفهم الإيقاع العام للمكان.
غير أن السؤال الأهم يظل حاضرًا بإلحاح: هل نريد بيئات عمل تُكافئ من يفهم الخوارزميات أكثر ممن يُتقن العمل؟ وهل نُهيّئ موظفينا ليكونوا مبدعين يُضيفون قيمة حقيقية… أم بارعين في قراءة الأمزجة، وإدارة الانطباعات، أكثر من إدارة المهام؟
الإشكالية ليست في فهم هذه الخوارزميات بحد ذاته؛ بل في تحوّلها إلى شرطٍ غير معلن للنجاح، وفي غياب منظومات واضحة تُكافئ الأداء الحقيقي، وتُعيد الاعتبار للكفاءة، لا لمهارات الالتفاف حولها. فحين تُترك المعايير رمادية، يُعاد تعريف التفوق وفق القرب لا الإنجاز، وتضعف الثقة، ويصبح التميّز الحقيقي عبئًا بدل أن يكون قيمة مُضافة.
وربما آن الأوان أن نُراجع معادلة النجاح الوظيفي، وأن نُدرك أن أخطر خوارزمية في بيئات العمل ليست تلك التي تُدار في الخفاء، بل تلك التي تدفع الموظف- بصمت- إلى الاختيار بين أن يكون صادقًا… أو ناجحًا. وحين يُوضَع الإنسان أمام هذا المفترق، لا تخسر المؤسسة موظفًا فحسب، بل تخسر معناها، وقيمها، وقدرتها على بناء إنجاز يستحق البقاء.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.