الأسبوع:
2026-06-02@23:15:16 GMT

ما حدث في فنزويلا وهندسة النظام العالمي الجديد

تاريخ النشر: 7th, January 2026 GMT

ما حدث في فنزويلا وهندسة النظام العالمي الجديد

ما يجري في فنزويلا لا يمكن فهمه بوصفه أزمة داخلية أو صراعًا سياسيًا محليًا، بل باعتباره تجليًا واضحًا لمرحلة تاريخية يُعاد فيها تشكيل النظام الدولي، فالتاريخ يعلّمنا أن الأنظمة العالمية لا تنهار بضربة واحدة، وإنما تدخل أولًا في طور تآكل بطيء، تتكاثر خلاله الصراعات المحدودة، والحروب بالوكالة، والمقايضات الصامتة بين القوى الكبرى، إلى أن تتبلور معادلة جديدة للقوة.

وما نعيشه اليوم ليس سوى هذه المرحلة الانتقالية بكل ما تحمله من غموض وعنف واضطراب.

منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، بدأ الخلل البنيوي في النظام أحادي القطبية يتكشف تدريجيًا. لم تكن تلك الأزمة اقتصادية فحسب، بل كشفت عن حدود القدرة الأمريكية على إدارة العالم منفردة دون كلفة متصاعدة. ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتعلن عمليًا نهاية الالتزام الروسي بقواعد ما بعد الحرب الباردة.

موسكو لم تنظر إلى أوكرانيا باعتبارها نزاع حدود، بل باعتبارها معركة تاريخية على الجغرافيا والعمق الاستراتيجي، ومحاولة لاستعادة مجال نفوذ جرى اقتطاعه قسرًا عقب تفكك الاتحاد السوفيتي. ضمّ الأراضي لم يكن هدفًا تكتيكيًا، بل جزءًا من مشروع أوسع لإعادة ترسيم المجال الحيوي الروسي.

في المقابل، لم يكن الرد الأمريكي قائمًا على منع روسيا بقدر ما كان قائمًا على إدارة الصدام. واشنطن أدركت أن المواجهة المباشرة تحمل كلفة استراتيجية باهظة، وأن استنزاف موسكو في الساحة الأوروبية يمكن موازنته بمكاسب في ساحات أخرى.

في هذا الإطار، تبرز فنزويلا كحلقة مركزية في معادلة المقايضة الكبرى، فغضّ الطرف النسبي عن إعادة التموضع الروسي شرق أوروبا ترافق مع تحرك أمريكي لاستعادة السيطرة على أحد أكبر مخزونات الطاقة في العالم، وتأمين بدائل استراتيجية للبترول تحسبًا لانفجار أوسع في الشرق الأوسط قد يهدد إمدادات الطاقة التقليدية.

هذا النمط يعيد إلى الأذهان ما جرى عقب الحرب العالمية الثانية، حين جرى تقسيم العالم على أساس مناطق النفوذ لا على أساس القيم أو الشعارات. الفارق أن المشهد الراهن أكثر تعقيدًا، فعدد اللاعبين ازداد، وتداخل المصالح بات أشد كثافة. الصين، التي تابعت المشهد الأوكراني بدقة، استوعبت أن مسألة تايوان لم تعد سؤال «هل»، بل سؤال «متى»، وأن إدارة التوقيت ستكون مرهونة بحجم التفاهم الضمني مع واشنطن. فكما جرى تطبيع تغيير الحدود بالقوة في أوروبا، يجري اليوم تهيئة الوعي الدولي لقبول سيناريوهات مشابهة حين تتوفر موازين الردع المناسبة.

في هذا السياق، لا يمكن فصل إعادة فتح الملف الفنزويلي عن التصريحات المتكررة بشأن جزيرة جرينلاند الدنماركية، نحن أمام مرحلة تعود فيها الجغرافيا إلى الواجهة بوصفها أصل الصراع. جرينلاند ليست أرضًا جليدية هامشية، بل عقدة استراتيجية تتحكم في طرق الملاحة القطبية الجديدة، وموارد نادرة تدخل في صلب الصناعات العسكرية والتكنولوجية. حين تبدأ القوى الكبرى الحديث العلني عن تغيير الخرائط، فهذا مؤشر على أن قدسية النظام الدولي القديم قد تآكلت، وأن القوة الصلبة عادت لتكون المرجعية النهائية.

وسط هذه التحولات، يقف الشرق الأوسط في قلب المعادلة لا على هامشها. ما شهدته المنطقة خلال العقدين الماضيين، من غزو العراق إلى مشاريع الفوضى المنظمة، لم يكن سوى محاولات فاشلة لإعادة هندستها دون تفاهم دولي شامل. الفشل لم يكن في الأدوات، بل في تجاهل ثقل الجغرافيا، وعمق الدول ذات التاريخ والحضارة. لذلك نشهد اليوم انتقالًا من مرحلة الفوضى غير المنضبطة إلى مرحلة إعادة الهندسة المباشرة، ولكن بعد ترتيب ملفات الطاقة وخطوط الإمداد والممرات البحرية.

من هنا يطرح السؤال نفسه: هل ما نشهده هو تمهيد لحرب كبرى في الشرق الأوسط تستهدف إنهاء النظام الحاكم في إيران؟ الواقع يشير إلى أن إيران تؤدي منذ سنوات دورًا وظيفيًا طويل الأمد، يُستخدم لضبط الإيقاع الإقليمي ورفع أو خفض منسوب التوتر وفق الحاجة الدولية. هذا النوع من الأدوار، كما يخبرنا التاريخ، لا يستمر إلى ما لا نهاية، بل ينتهي حين تكتمل ملامح النظام الجديد وتنتفي الحاجة إلى أدوات الفوضى. وإذا وقعت مواجهة كبرى، فلن تكون حربًا تقليدية معزولة، بل جزءًا من إعادة ضبط شاملة للإقليم، قد تمتد تداعياتها إلى أكثر من دولة، لا بهدف التدمير الشامل، بل لإعادة التموضع داخل خريطة نفوذ جديدة.

غير أن الصراع الأعمق لا يدور حول الشرق الأوسط وحده، بل حول طريق الحرير الصيني. هذا المشروع ليس اقتصاديًا فحسب، بل يمثل محاولة لإعادة صياغة مركز الثقل العالمي. فهو يهدد هيمنة الدولار، ويكسر احتكار الممرات البحرية الخاضعة للسيطرة الأمريكية، وينقل مركز الإنتاج والتوزيع إلى قلب آسيا، محولًا أوروبا والشرق الأوسط إلى عقد لوجستية لا مراكز قرار. بالنسبة لواشنطن، يمثل هذا الطريق تهديدًا وجوديًا لمنظومة الهيمنة التي تشكلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وليس مجرد منافسة تجارية.

في هذا الإطار، يصبح الضغط المتصاعد على مجموعة بريكس مفهومًا. الهدف ليس المواجهة المباشرة، بل تفكيك التماسك الداخلي، وإضعاف القدرة على التحول إلى بديل مؤسسي للنظام الاقتصادي الغربي. العقوبات، والضغوط المالية، وإشعال النزاعات على حدود الدول الأعضاء، كلها أدوات في معركة تُدار بهدوء، ولكن بفاعلية.

نحن، إذن، لا نتجه إلى نظام متعدد الأقطاب بالمعنى التقليدي، بل إلى نظام مقايضات كبرى، تُدار فيه القوة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، مع توزيع النفوذ إقليميًا عبر تفاهمات صامتة ووكلاء محليين. هو عالم تُرسم خرائطه بالقوة لا بالمواثيق، وتُدار صراعاته تحت سقف يمنع الانفجار الشامل، لكنه يسمح بحروب محدودة تعيد ضبط التوازنات.

وسط هذا المشهد، تبرز مصر كحالة مختلفة، دولة خرجت من منطق الكسر إلى منطق التوازن، تمتلك قوة عسكرية صلبة، ومؤسسات استعادت تماسكها، وقدرة على المناورة بين المحاور دون ارتهان كامل لأي منها. ومن هنا يمكن فهم محاولات إدماجها، وربما بالشراكة مع تركيا، في صيغة إقليمية جديدة تُكلف بإدارة حركة التجارة والطاقة وأمن الممرات، بدل ترك المنطقة رهينة للفوضى.

ما نشهده اليوم ليس فوضى عشوائية، بل إعادة ترتيب قاسية للنظام الدولي. روسيا تثبّت جغرافيتها، الولايات المتحدة تؤمّن طاقتها وهيمنتها، الصين تترقب لحظة الحسم، والشرق الأوسط يُعاد تحضيره لدور أكثر مركزية وخطورة. إنها لحظة تُكتب فيها الخرائط بتوازن القوة لا بالخطابات، وتعود فيها الجغرافيا، مرة أخرى، لتكون الحكم الأخير في لعبة الأمم.

اقرأ أيضاًترامب: تدخلي منع روسيا من السيطرة الكاملة على أوكرانيا

ذهب فنزويلا في سويسرا.. تقرير يكشف مسار مليارات الدولارات خلال حكم مادورو

النفط يتراجع مع تصاعد عدم اليقين حول أزمة فنزويلا

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: الشرق الأوسط شرق أوروبا فنزويلا الأنظمة العالمية النظام الدولي الشرق الأوسط لم یکن

إقرأ أيضاً:

مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وجهود تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد

عقدت يوم الأول من يونيو جولة مشاورات سياسية بين مصر وفرنسا بمقر وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، حيث ترأسها السفير نزيه النجاري، مساعد وزير الخارجية للتخطيط السياسي وإدارة الأزمات ونظيره الفرنسي "تريستان أورو".

وزير الخارجية يتوجه إلى طوكيو في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدينخلال لقائه مع قناة كورية.. وزير الخارجية يستعرض تطورات غزة والسودان ولبنان وجهود الإصلاح الاقتصاديوزير خارجية فرنسا: "لا شيء يبرر" استمرار الاحتلال الإسرائيلي للبنانوزير الخارجية لأعضاء الجالية المصرية بكوريا الجنوبية: نعتز بدوركم

تناولت المشاورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، حيث ركزت على تطورات المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب في المنطقة والتطورات الخطيرة في لبنان، وجهود مصر والرباعية في تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد لتجنب الانزلاق إلى الحرب مجدداً، كما تناول الجانبان الآثار الاقتصادية للحرب على دول المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بإمدادات الطاقة، وحركة الملاحة، وتدفق الاستثمارات، حيث أكدا ضرورة بذل الأطراف المعنية كافة الجهود الممكنة للتوصل إلى حل.

من جانبه، شدد السفير نزيه النجاري على محورية حل القضية الفلسطينية في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، باعتبارها القضية المركزية لدى شعوبها، والتي ترتبط بمجمل قضايا المنطقة، مشيراً إلى ضرورة تضافر جهود المجتمع الدولي في الزام الجانب الاسرائيلى بالوفاء بمقتضيات خطة السلام فى غزة والتى تم اقرارها فى قمة شرم الشيخ للسلام العام الماضى، وكذلك لوقف الانتهاكات بحق الفلسطينين في الضفة الغربية.

وقد ثمن الجانب الفرنسي جهود مصر الرامية لإرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة، من خلال سياساتها المتزنة، وأعرب عن تقديره للتشاور الدائم بين البلدين حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، في إطار العلاقات المتميزة التي تجمعهما، وخاصة بعد ترفيعها لمستوى الشراكة الاستراتيجية، حيث تبادل الجانبان التقديرات بشأن مستقبل المنطقة، ومستقبل النظام الدولي في ظل الصراعات والتطورات المتسارعة على الساحتين الإقليمية والدولية.

طباعة شارك جولة مشاورات سياسية مصر فرنسا مساعد وزير الخارجية السفير نزيه النجاري

مقالات مشابهة

  • مباحثات مصرية روسية موسعة حول أزمات الشرق الأوسط وتعاون "بريكس"
  • مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وتعززان التنسيق الاستراتيجي بشأن قضايا المنطقة
  • محلل سياسي: تعيين توم براك يعكس الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط
  • الطفولة الملغومة.. قنابل بشرية مؤجلة تهدد الأمن القومي في الشرق الأوسط
  • هند الضاوي: ترامب ينتقد الإدارات السابقة لكنه يسير على نهجها في الشرق الأوسط
  • انعقاد جولة مشاورات سياسية بين مصر وفرنسا الأوضاع في الشرق الأوسط
  • مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وجهود تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد
  • الذهب يصعد مع التركيز على التطورات في الشرق الأوسط
  • باراك: ترامب حقق إنجازات «غير مسبوقة» في الشرق الأوسط
  • تراجع نيكي الياباني من قمته القياسية وسط حذر المستثمرين وتوترات الشرق الأوسط