هل يمثل بيان باريس انتقالا في نمط إدارة الصراع السوري الإسرائيلي؟
تاريخ النشر: 7th, January 2026 GMT
يطرح البيان الأمريكي الإسرائيلي السوري الصادر في باريس تساؤلا تتعلق بطبيعة التحول الذي يشهده نمط إدارة العلاقة بين دمشق وتل أبيب. فبعيدا عن اعتباره اتفاقا سياسيا شاملا أو ترتيبا عابرا لخفض التصعيد، يبدو أن مضمونه الأقرب هو الانتقال من إدارة الصراع عبر مواجهات متقطعة وردع مرن، إلى إدارة مؤطرة بقنوات اتصال مؤسسية تحت إشراف أمريكي، دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى تسوية نهائية للملفات السيادية العالقة.
لا يتضمن البيان ما يشير إلى حسم موضوعات الحدود أو السيادة أو وضع الجولان، كما لا ينص على ترتيبات دبلوماسية مباشرة، لكنه يؤسس لآلية اتصال وتنسيق أمني مستمرة، بما يتيح تبادل المعلومات بصورة منظمة ومعالجة الاحتكاك قبل تحوله إلى تصعيد واسع. وبهذا المعنى، لا يغير الإطار الجديد جوهر الصراع، بقدر ما يضعه ضمن هندسة مؤسسية تضبط آليات التعامل معه وتحد من عنصر المفاجأة.
بالنسبة لإسرائيل، يتيح هذا النمط قدرا أعلى من القدرة على إدارة المخاطر عبر قواعد اتصال ثابتة، بدل الاعتماد الحصري على الضربات الوقائية كأداة رئيسة للردع. فوجود قناة مؤطرة للتواصل يوفر وسيلة لتحويل جزء من الضغوط الميدانية إلى مسار قابل للمتابعة ضمن جدول تفاوضي وأمني، مع الاحتفاظ بهوامش التحرك التي تعتبرها المؤسسة الأمنية ضرورية في سياق التوازنات القائمة.
أما على الجانب السوري، فإن الانخراط في هذه الآلية يرتبط بالسعي إلى تقليص كلفة الاستنزاف الأمني، وإدخال العلاقة مع الطرف المقابل في إطار تواصلي منظم يتيح تثبيت الحضور الرسمي في إدارة الملفات الحدودية والأمنية. غير أن هذا المسار يظل مرتبطا بعدة محددات واقعية، من بينها استمرار الإشراف الدولي عليه، وإرجاء الموضوعات السيادية الكبرى إلى مراحل تفاوض لاحقة، الأمر الذي يضعه ضمن ترتيبات انتقالية أكثر مما يضعه ضمن حلول نهائية.
ويبرز في هذا السياق دور الولايات المتحدة بوصفها الطرف الذي يرعى آلية الاتصال ويؤطر بنيتها العامة. فإلى جانب وظيفة الوساطة، يشير البيان إلى شكل من أشكال الحكامة الأمنية التي تدار من خلالها العلاقة الحدودية بين الطرفين ضمن قناة ثلاثية، بما يعيد توزيع أدوار عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، ويحد من الطابع الارتجالي الذي طبع مراحل سابقة من إدارة التوتر.
ومع أن هذا النمط التنظيمي يسهم في تقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة، فإنه يظل محكوما بتوازن دقيق بين اعتبارات متباينة: حاجة إسرائيل إلى المحافظة على قدر من حرية العمل ضمن منطق الردع، وحاجة دمشق إلى ضمان أن التنسيق الأمني لا يُقرأ بوصفه مساسا بالسيادة، وحاجة الطرف الراعي إلى الحفاظ على استمرارية المسار دون الالتزام مسبقا بصيغة سياسية نهائية. وأي اختلال في هذا التوازن قد ينعكس على فعالية الآلية وعلى قدرتها على الاستمرار.
وعند مقارنته بترتيبات فك الاشتباك لعام 1974، يتضح أن المسار الحالي لا يقتصر على فكرة الفصل الجغرافي أو إنشاء مناطق فاصلة، بل يتجه إلى مأسسة قنوات اتصال دائمة تعنى بإدارة التماس وضبط مخاطره، مع اختلاف جوهري في طبيعة المرجعية الحاضنة للآلية. وهو ما يفتح أسئلة تتعلق بحدود السيادة من جهة، وبكيفية إعادة تشكيل أنماط الحكامة الأمنية في الإقليم من جهة أخرى.
بناء على ذلك، يمكن النظر إلى بيان باريس بوصفه خطوة تنقل إدارة الصراع إلى مستوى أكثر تنظيما، من دون أن تنقله بالضرورة إلى مستوى التسوية السياسية الشاملة. فهو يساهم في تقليل الهشاشة الناجمة عن غياب قنوات تواصل مباشرة، لكنه لا يقترب بعد من القضايا الجوهرية المرتبطة بإعادة تعريف العلاقة وحدودها القانونية والسيادية. ويظل مدى تطور هذا المسار رهينا بقدرته على الانتقال لاحقا من الضبط الأمني إلى أفق تفاوضي أوسع، أو استقراره ضمن صيغة طويلة الأمد لإدارة صراع منظم تحكمه قواعد اتصال مؤسسية دون حسم نهائي لموضوعاته الأساسية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الإسرائيلي سوريا إسرائيل امن قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.