فنزويلا وسقوط المسلّمات الدولية: تآكل الهيمنة وسؤال العرب في النظام العالمي الجديد
تاريخ النشر: 8th, January 2026 GMT
لم يعد الجدل حول مستقبل النظام الدولي شأنا أكاديميا صرفا، بل تحوّل إلى خطاب عام يرافقه قلق متزايد بشأن استمرارية القواعد التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب الباردة. في هذا السياق، ينتشر توصيف يُعلن "انهيار الإمبراطورية الأمريكية"، مستندا إلى تراجع الهيمنة النقدية، وصعود قوى منافسة، وتزايد استخدام الاقتصاد والتكنولوجيا كأدوات ضغط.
منذ التسعينيات، تمتّعت الولايات المتحدة بوضع استثنائي جمع بين التفوق العسكري، والقيادة الاقتصادية، والهيمنة النقدية عبر الدولار، إلا أنّ هذا الوضع بدأ يتآكل تدريجيا بفعل صعود قوى قادرة على المنافسة، وارتفاع كلفة التدخلات العسكرية، وتراجع القبول الدولي باستخدام القوة خارج الأطر القانونية(2). تشير تحليلات مراكز التفكير الغربية إلى أن ما يحدث هو انتقال من أحادية قطبية مريحة إلى تعددية تنافسية مُرهِقة، حيث تظل الولايات المتحدة القوة الأبرز، ولكن دون قدرة مطلقة على الإملاء(3).
اكتسبت الأزمة الفنزويلية دلالة تتجاوز حدودها الوطنية، إذ أعادت طرح سؤال السيادة وحدود استخدام القوة
يُعدّ الجدل حول الدولار عنوانا مركزيا لهذا التحوّل. فالرواية القائلة إن العالم "لم يعد بحاجة إلى الدولار"، خاصة في تجارة الطاقة، تعبّر عن جزء من الواقع لكنها لا تختزله. صحيح أن دولا كبرى، وفي مقدمتها الصين، تعمل على تنويع احتياطاتها وتقليص تعرّضها للعقوبات، وأن استخدام العملات المحلية والمقايضات الثنائية ازداد نسبيا(4)، غير أن الدولار ما يزال يشكّل العمود الفقري للنظام المالي العالمي من حيث السيولة وعمق الأسواق والثقة المؤسسية، ولا يوجد في الأمد المنظور بديل قادر على أداء وظائف العملة العالمية مجتمعة(5). الأدق إذن هو الحديث عن تراجع نسبي في احتكار الدولار نتيجة تسييسه، لا عن نهايته(6).
في هذا السياق، اكتسبت الأزمة الفنزويلية دلالة تتجاوز حدودها الوطنية، إذ أعادت طرح سؤال السيادة وحدود استخدام القوة. فالتحذيرات الأوروبية من تطبيع كسر قواعد القانون الدولي لا تنطلق من الدفاع عن أنظمة بعينها، بل من الخشية من تحويل "الاستثناء" إلى سابقة قابلة للتعميم، بما يهدد استقرار النظام الدولي(7).
في المقابل، لا تتبنى الصين خطاب الانهيار ولا تسعى إلى مواجهة مباشرة مع النظام القائم. تُظهر الأدبيات القريبة من دوائر القرار في بكين استراتيجية تقوم على تقليل المخاطر داخل النظام بدل هدمه، من خلال تأمين الطاقة، والتحكم في سلاسل الإمداد، وبناء بدائل جزئية تحصّن الاقتصاد من الصدمات والعقوبات(8).
ضمن هذا المشهد المتحوّل، يغدو التساؤل حول موقع الدول العربية داخل النظام الدولي الجديد سؤالا مشروعا وملحّا. ورغم اختلاف الأوضاع الداخلية وتباين المواقع الجغرافية وما يفرضه كلّ ذلك من استراتيجيات متباينة في التعاطي مع التحولات الجارية، تبرز تونس بوصفها حالة دالّة لدولة متوسطة الحجم تواجه، بوضوح، تحدّي التموقع الاستراتيجي في عالم يتّجه نحو تعددية معقّدة.
العالم لا يشهد انهيارا فجائيا لنظام دولي، بل مخاض انتقال نحو توازنات معقّدة. وفي عالم متعدد المراكز، لا تُقاس مكانة الدول بحجمها، بل بقدرتها على الفهم الاستراتيجي وصناعة الخيارات
فموقعها الجغرافي يمنحها أهمية كامنة، لكنه لا يضمن دورا فاعلا. الخطر يكمن في التموقع الوظيفي السلبي أو الارتهان الأحادي، فيما تكمن الفرصة في الاستفادة من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والتحول الطاقي، وهامش المناورة الذي يتيحه التنافس بين القوى الكبرى (9).
خلاصة القول أن العالم لا يشهد انهيارا فجائيا لنظام دولي، بل مخاض انتقال نحو توازنات معقّدة. وفي عالم متعدد المراكز، لا تُقاس مكانة الدول بحجمها، بل بقدرتها على الفهم الاستراتيجي وصناعة الخيارات. بالنسبة لتونس، يصبح بناء رؤية تموضع واعية شرطا لتحويل التحولات الجيوسياسية من مصدر تهديد إلى رافعة سيادية وتنموية(10).
__________
المراجع
[1] John Ikenberry, After Victory: Institutions, Strategic Restraint, and the Rebuilding of Order, Princeton University Press. [2] Council on Foreign Relations, The End of the American Era? [3] Brookings Institution, The Changing Nature of American Power. [4] IMF, Currency Composition of Official Foreign Exchange Reserves (COFER). [5] Federal Reserve, The Dollar’s International Role, Annual Report. [6] Barry Eichengreen, Exorbitant Privilege: The Rise and Fall of the Dollar, Oxford University Press. [7] Dominique de Villepin, tribunes et interventions sur la crise vénézuélienne et l’ordre international. [8] Chinese Academy of Social Sciences, reports on financial security and de-risking strategies. [9] OECD, Global Value Chains and Small Open Economies. [10] UNDP, Strategic Foresight and Development in a Multipolar World.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الهيمنة امريكا فنزويلا هيمنة النظام العالمي قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
خبير اقتصادي: إغلاق باب المندب وهرمز يضع الاقتصاد العالمي على حافة الانهيار
حذّر الخبير في الاقتصاد الدولي وأستاذ الاقتصاد السياسي، الدكتور كامل وزنة، من التداعيات الكارثية للتصعيد العسكري الجاري في منطقة الشرق الأوسط وإغلاق الممرات المائية الحيوية، وعلى رأسها مضيقا "باب المندب" و"هرمز"، مؤكداً أن الاستمرار في هذه الحرب يضع العالم أمام خطورة حقيقية تمس كل فرد وتدفع بالأسواق نحو موجة تضخم غير مسبوقة.
وأوضح وزنة أن دخول مضيق "باب المندب" كمدخل ثانٍ للتصعيد العسكري أدى إلى إجهاض حالة استرجاع العافية التي كانت تشهدها الأسواق العالمية، مشيراً إلى أن أسعار النفط شهدت ارتفاعاً تدريجياً متجاوِزةً حاجز الـ 100 دولار للبرميل، مع وجود مخاطر فعلية باستمرار هذا التصعيد.
وأكد أن إغلاق الممرات المائية المؤدية لنقل التجارة والطاقة يولد التضخم ويزيد من معاناة كافة الدول دون استثناء، مشدداً على أن المسألة لم تعد تقتصر على مضيق بعينه، بل أصبحت دول بأكملها مغلقة أمام التجارة والموارد الأساسية التي تعجز عن العبور إلى العالم.
تفاقم الفجوة
وفي تحليله لأثر ارتفاع الأسعار، بيّن وزنة أن هناك فارقاً جوهرياً بين أرباح شركات النفط وبين صحة الاقتصاد العالمي المتردية، حيث تتأثر كافة القطاعات التشغيلية من غاز وأسمدة وسياحة وتأمين وزراعة وصناعة.
ورغم تحقيق بعض الشركات ودول مثل روسيا ودول أمريكا الشمالية ككندا والولايات المتحدة أرباحاً أو مكاسب نسبية من قفزات الأسعار، إلا أن دولاً أوروبية وآسيوية عديدة تتكبد خسائر فادحة، إلى جانب تضرر جميع المواطنين على مستوى العالم.
وضرب وزنة مثالاً بالداخل اللبناني، حيث تضاعف سعر طن "المازوت" من 600 دولار قبل الأزمة إلى 1200 دولار، مما فرض تكلفة إضافية تتراوح بين 200 إلى 300 دولار على كاهل كل عائلة.
وأضاف في هذا الصدد أن الدول الكبرى قد تمتلك القدرة على تقديم الدعم لمواطنيها لتخفيف المعاناة، بينما تعجز الدول النامية واقتصادات شرق آسيا عن تحمل هذه التكاليف الباهظة في ظل التحديات التي تواجهها أساساً.
الخليج والسعودية
وحول تأثر دول المنطقة والمملكة العربية السعودية، أكد الدكتور وزنة أن إعاقة الحركة في "باب المندب" ومضيق "هرمز" تنعكس سلباً على صادرات المنطقة وصناعاتها، على الرغم من قوة ومتانة الاقتصاد السعودي.
وأشار إلى أن الأزمة أحدثت حالة من الجمود الاقتصادي الشامل في المنطقة، طالت قطاعات العقارات والوظائف والفرص الاستثمارية، إضافة إلى تراجع تحويلات المغتربين، مؤكداً أنه لا يوجد أي طرف ينتفع من حرب تقام على أرضه، مما يتطلب البحث عن مخرج سياسي سريع لإنقاذ الوضع.
غياب البدائل
نفى خبير الاقتصاد السياسي وجود بدائل جاهزة أو سريعة يستطيع الاقتصاد العالمي الاعتماد عليها في حال استمرار إغلاق المضايق، لافتاً إلى أن ما بين 20 بالمئة إلى 25 بالمئة من الموارد الأساسية والطاقة للعالم تعبر عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وهو ما يجعل العالم أمام معضلة أساسية حذرت منها البورسات العالمية.
وفيما يتعلق بالمشاريع والخطوط البرية البديلة لتمرير الطاقة، سواء عبر دول الخليج أو سوريا أو تركيا، أوضح وزنة أنها استثمارات طويلة الأمد تتطلب عشرات السنين لإنجازها ولن تحل المشكلة في المدى القريب، فضلاً عن ارتهانها بالاستقرار السياسي، مستشهداً بخط الغاز بين روسيا وألمانيا الذي تم تفجيره جراء الحرب الأوكرانية رغم اكتمال بنائه.
كما أشار إلى أن التحول نحو الطاقة النظيفة لا يمكن أن يتم بسرعة كافية لتغطية هذه الأزمة، نظرًا لتباين السياسات الدولية وتغير التوجهات الحكومية.
السيناريو الكارثي
وعن مستقبل أسعار النفط، أوضح وزنة أن المسار يعتمد كلياً على قرارات صناع القرار وحجم التفاوض السياسي الجاد لإيقاف الحرب بشكل نهائي وليس مؤقت، محذراً من أن الأسعار قد تقفز إلى 150 دولاراً أو أعلى من ذلك في ظل تزامن ضغوط الحرب الأوكرانية وتأثيرها على ممرات الطاقة مع أزمة الشرق الأوسط.
وختم الدكتور كامل وزنة بالتحذير من السيناريو الأكثر خشية والخط الأحمر الذي قد يغير خارطة الاقتصاد العالمي جذرياً، والمتمثل في تعرض البنية التحتية لمنشآت النفط والغاز في المنطقة لضربات مباشرة، لا سيما داخل إيران وما قد يتبعه من ردود أفعال، مؤكداً أن ذلك سيمثل أمراً كارثياً يقطع شريان الطاقة ويقود الأسواق العالمية نحو انهيار اقتصادي حقيقي.