محافظة الضالع.. منتجع طبيعي وبوابة جنوبية إستراتيجية لليمن
تاريخ النشر: 8th, January 2026 GMT
محافظة الضالع إحدى محافظات جنوب اليمن، وهي من المحافظات الصغيرة نسبيا من حيث المساحة وعدد السكان. تقع على بُعد نحو 250 كيلومترا جنوب العاصمة صنعاء، وتتمركز جغرافيا فوق هضبة جبلية ذات موقع إستراتيجي يربط وسط البلاد بجنوبها عبر الطرق التاريخية المؤدية إلى لحج وعدن جنوبا.
ومدينة الضالع هي مركز المحافظة الإداري وأبرز مدنها، وقد عُرفت تاريخيا محطة استراحة على طرق الحج والتجارة، إلى جانب شهرتها بينابيع المياه الطبيعية وخصوصية طابعها العمراني المتأثر بطبيعتها الجبلية.
تتمتع محافظة الضالع بموقع جغرافي يتوسط 4 محافظات يمنية، إذ تبعد نحو 245 كيلومترا جنوب العاصمة، ونحو 140 كيلومترا شمال العاصمة الاقتصادية عدن.
تحد محافظة الضالع من الشمال محافظتا إب والبيضاء، ومن الجنوب محافظة لحج وأبين، ومن الغرب محافظتا إب وتعز، فيما تحدها من الشرق محافظتا لحج والبيضاء.
وتبلغ مساحة المحافظة نحو 4099 كيلومترا مربعا، وتنقسم إداريا إلى 9 مديريات، أكبرها مديرية جبن بمساحة تقارب 1186 كيلومترا مربعا، وأصغرها مديرية جحاف بمساحة نحو 87 كيلومترا مربعا.
وتشمل المحافظة المديريات التالية: جبن (أكبرها) ودمت وقعطبة والشعيب والحصين والضالع وجحاف (أصغرها) والأزارق والحشاء.
الجغرافياتتسم محافظة الضالع بتنوع جغرافي لافت، إذ تجمع بين الجبال والهضاب والوديان والسهول الخصبة، مما أكسبها أهمية بيئية وزراعية، ومن أبرز جبالها جحاف والمعفاري وحرير والند والضبيات والشاعري.
وتنتشر في أنحاء المحافظة أودية رئيسية تسهم في ري الأراضي الزراعية، من أبرزها: وادي معابر ووادي الغشة ووادي عمامة ووادي رحبان ووادي الظاهر ووادي حبان ووادي اللسج، إضافة إلى وادي الشعب ووادي حران.
ومناخيا يسود المحافظة مناخ معتدل صيفا وبارد شتاء، مع انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة ليلا، وتباين حراري واضح بين المناطق الجبلية وشبه الجبلية.
إعلانففي المديريات الجبلية مثل دمت وقعطبة وجبن والشعيب، تتراوح درجات الحرارة شتاء بين 3 و5 درجات مئوية، وترتفع صيفا إلى نحو 25 درجة، بينما تسجل المناطق شبه الجبلية درجات حرارة تتراوح شتاء بين 10 و12 درجة، وتصل صيفا إلى نحو 32 درجة مئوية.
تشير بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) لعام 2021 إلى أن عدد السكان في المحافظة بلغ 818 ألف نسمة، ويشملون السكان الأصليين والنازحين والمقيمين داخل المحافظة.
التاريخمثلت مدينة الضالع تاريخيا مركزا حيويا على طرق القوافل التجارية بين عدن وصنعاء، قبل أن يُعلن عن المحافظة رسميا عقب الوحدة اليمنية في مايو/أيار 1990.
والضالع من أقدم الحواضر اليمنية، إذ ارتبط تاريخها القديم بمملكة قتبان، ثم برزت في مراحل لاحقة مركزا لإمارة الأميري، التي بسطت نفوذها على مساحات واسعة، وشكّلت كيانا سياسيا واجتماعيا مؤثرا جنوب اليمن.
وفي النصف الثاني من القرن الـ19، تحولت الضالع إلى ساحة صراع إقليمي بين العثمانيين والبريطانيين في محمية عدن، ففي عام 1868 اعترفت بريطانيا بالأمير علي مقبل بن عبد الهادي الحالمي حاكما مستقلا على الضالع، كما أكد له العثمانيون لاحقا عدم رغبتهم في التدخل في شؤون إمارته.
وشهدت المنطقة ابتداء من عام 1873 سلسلة من الحملات العسكرية العثمانية، أسفرت عن اجتياح أجزاء من الإمارة وأسر أميرها وتعيين غيره، واندلاع معارك بارزة شاركت فيها قبائل الضالع وحلفاؤها، لا سيما قبائل يافع، وانتهت بهزائم عدة للعثمانيين.
وفي سياق التنافس الدولي، سعت بريطانيا إلى تثبيت نفوذها عبر اتفاقيات حماية مع قبائل المنطقة، أبرزها معاهدة الحماية الموقعة في 2 أكتوبر/تشرين الأول 1880 مع الأمير علي مقبل بعد إطلاق سراحه، ونصت على تأمين الطرق مقابل دعم مالي سنوي.
ورغم ذلك استمر الصراع بين الطرفين العثماني والبريطاني على النفوذ، وتخللته محاولات لترسيم الحدود وبناء مراكز عسكرية للطرفين، من بينها إنشاء العثمانيين ثكنات ومراكز شرطة في منطقة الجليلة.
وانتهت هذه المرحلة بوفاة الأمير علي مقبل الحالمي في سبتمبر/أيلول 1886، لتدخل الضالع بعدها مرحلة جديدة من التحولات السياسية والإدارية.
وبرزت المحافظة مرة أخرى أثناء توسع الاستعمار البريطاني باعتبارها مركزا للمقاومة، واشتهر أبناؤها بتكتيكياتهم الحربية إذ شنوا كمائن وتحالفوا مع القبائل المجاورة لضحد القوات من المنطقة الجنوبية.
وفي الستينيات من القرن العشرين أسهمت الضالع في تعطيل خطوط الإمداد وشن هجمات على الحواجز البريطانية، مما أكسبها سمعة قوية وقاد في النهاية إلى انسحاب القوات البريطانية من المنطقة.
استقرت الضالع لاحقا ضمن الكيان اليمني الحديث، وأعلنت محافظة مستقلة بعد قيام الوحدة اليمنية، وقبلها كانت مديريات محافظة الضالع التسع موزعة إداريا بين محافظات تعز ولحج وإب والبيضاء.
وشكّلت المحافظة عقب حرب 1994 منطلقا لحركات مسلحة، مثل حركتي موج وحتم (حق تقرير المصير)، تعبيرا عن رفضها استمرار الوحدة اليمنية بصيغتها القائمة آنذاك.
إعلان الدور السياسي والعسكريوبرزت الضالع منذ الحرب اليمنية عام 2014 بوصفها أول محافظة تُلحق هزيمة بجماعة الحوثيين والرئيس الراحل علي عبد الله صالح عام 2015، مستفيدة من طبيعتها الجبلية المعقدة وترابطها القبلي مع يافع وردفان.
وحظيت جبهات محافظة الضالع باهتمام بالغ من السلطة الشرعية والتحالف العربي عام 2016، اللذين عملا على إعادة ترتيب الخطوط الأمامية ومراكز السيطرة الميدانية فيها بعد خروقات سمحت للحوثيين بالتمدد في بعض المناطق.
وصارت المحافظة لاحقا إحدى أبرز مناطق الثقل السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي، إذ باتت تمثل حاضنته الأولى على المستويات القبلية والاجتماعية والعسكرية، وينتمي إليها رئيسه عيدروس الزُبيدي، كما تضم عددا من المديريات الجنوبية التي تُشكّل رافدا رئيسيا لقوات المجلس، ويُعتمد عليها في أوقات الأزمات والتوترات.
ويُنظر إلى الضالع على أنها مخزن إستراتيجي للمعدات والأسلحة والآليات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي، مما يجعلها محور رهان قيادته، إلى جانب يافع وردفان، في معادلات القوة جنوب اليمن.
وفي سياق التطورات العسكرية للحرب اليمنية، شهدت المحافظة غارات جوية نفذها التحالف العربي في السابع من يناير/كانون الثاني 2026 واستهدفت مواقع تابعة للمجلس الانتقالي، من بينها معسكر الزند في منطقة زُبيد، مسقط رأس الزُبيدي، وهو أحد أهم معسكرات المجلس.
وجاءت الغارات عقب معلومات عن نقل كميات من الأسلحة إلى المنطقة، في تطور عكس حساسية موقع الضالع ودورها المحوري في المشهد العسكري والسياسي الجنوبي.
الاقتصادالزراعة هي النشاط الاقتصادي الرئيس لمعظم سكان محافظة الضالع، وتسهم بنحو 1.7% من إجمالي الإنتاج الزراعي في اليمن.
وتتنوع المحاصيل المزروعة بين الذرة والدخن والسمسم والعدس والقمح، إلى جانب القات وكميات محدودة من البن، فضلا عن بعض الفواكه، فيما تنتشر زراعة العنب في الأودية، ما يدعم نشاط تربية النحل.
وتمتد الرقعة الزراعية عبر الوديان وحقول المدرجات الجبلية، مع اعتماد المزارعين على السدود الريفية والمضخات المائية في الري.
وإلى جانب الزراعة، يشكل الرعي وتربية المواشي نشاطا اقتصاديا مهما، إلا أن الحرب والتغيرات المناخية أسهما في تقلص الثروة الحيوانية.
وتنتشر في عدد من المديريات تربية النحل والطيور ومزارع الدواجن، إلى جانب بعض الصناعات الحرفية التقليدية، مثل المنسوجات اليدوية وصناعة الزجاج المزخرف.
وتتميز المحافظة بوجود معادن محدودة، أبرزها معدن التلك، المستخدم في صناعات الورق والطلاء ومستحضرات التجميل والمبيدات الحشرية، إضافة إلى أنشطة محلية في إنتاج مواد الزينة ومساحيق التجميل.
أبرز المعالم
تجمع معالم الضالع بين الطبيعة الجبلية الخلابة والإرث التاريخي العريق، مما يجعلها من المحافظات ذات المقومات السياحية المتنوعة في اليمن، خصوصا في مجالي السياحة العلاجية والتراثية.
وتتميز المحافظة بتنوع معالمها الطبيعية والأثرية، التي تعكس عمقها التاريخي ومكانتها الثقافية، وتبرز فيها مديريتا دمت وجبن بوصفهما أبرز المراكز السياحية والتراثية في المحافظة.
وتُعد مدينة دمت من أشهر الوجهات العلاجية في اليمن، بفضل ينابيعها الحارة الغنية بالمعادن ذات الأصل البركاني، والتي يقصدها الزوار للاستشفاء.
وتضم المدينة عددا من المعالم التاريخية، من أبرزها قلعة دمت الأثرية التي يعود تاريخها إلى ما قبل العصر الإسلامي، وفيها بقايا مبانٍ وصهاريج مياه منحوتة في الصخور، فضلا عن إشرافها على طرق التجارة القديمة التي ربطت عدن بصنعاء.
كما تضم المنطقة سد وجسر عامر بن عبد الوهاب، اللذين يجسدان تطور الهندسة المائية في العصور الإسلامية. ويُقدَّر عدد العيون المعدنية في دمت بنحو 48 عينا، وأسهم موقعها على الطريق الإسفلتي وفي وادي بنا في تنشيط الحركة السياحية، لا سيما بعد قيام الوحدة اليمنية.
إعلانأما مدينة جبن، فتُعد من أقدم المدن الأثرية في اليمن، وعُرفت تاريخيا باسم مدينة الملوك، لارتباطها بملوك الدولة الطاهرية التي اتخذتها عاصمة ومسقط رأس.
وتضم المدينة معالم تاريخية بارزة، من بينها مدرسة المنصورية التي شيدها الطاهريون، وكانت مركزا علميا لتدريس العلوم الدينية والأدبية، إضافة إلى المدينة الأثرية، وقصر هرّان على سفح جبل هرّان، وخزانات المياه التاريخية التي تعود إلى العصور السبئية والحميرية والطاهرية، فضلا عن الأضرحة الملكية المنتشرة في وسط المدينة.
ويبرز كذلك جبل الحُشاء، أحد أهم المعالم الطبيعية في المحافظة، إذ يقع في جنوبها الغربي بارتفاع يقارب ألفي متر فوق سطح البحر، ويتميّز بمناظره الجبلية والأودية والشلالات الموسمية، ويقصده الزوار خاصة في موسم الأمطار.
ويكتسب الجبل أهمية إضافية لموقعه الذي يربط بين محافظات تعز وإب والضالع ولحج، إلى جانب احتوائه على تراث معماري قديم، رغم محدودية الخدمات ووعورة الطرق المؤدية إليه.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الوحدة الیمنیة محافظة الضالع إلى جانب فی الیمن
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.