مطار بورتسودان .. هدر بلا حدود
تاريخ النشر: 8th, January 2026 GMT
إذا كانت الدولة جادة حقاً في ترسيخ الشفافية ومحاربة الفساد، فإن ملف تأهيل “مطار بورتسودان الدولي” يقف في مقدمة الملفات التي تستوجب تحقيقاً عاجلاً، ليس لأنه مرفق خدمي حيوي واستراتيجي فحسب، بل لأنه مرآة فاضحة، تكشف عن كيف تُهدر الموارد العامة اثناء المعركة الوطنية.
في سبتمبر الماضي، وللمرة الأولى منذ اندلاع حرب 15/ أبريل، غادرت السودان متجهة إلى القاهرة للاطمئنان على صحة والدي بعد خضوعه لعدة عمليات جراحية.
ما رأيته كان صادماً حد القسوة. فوضى مكتملة الأركان أمام الصالة الخارجية، فناء متسخ، ومسافرون يفترشون الأرض كما لو أنهم في “سوق شعبي”. الداخل لم يكن أفضل حالاً: صالات ضيقة، تكدس بشري خانق، درجات حرارة مرتفعة، وتكييف مركزي متعطل يحوّل المكان إلى حجرة اختناق جماعي. دورات المياه طافحة، ومشاهد لا تمت بصلة إلى كرامة الإنسان، ولا إلى صورة السودان التي نعرفها أو نريدها.
عند عودتي، لم أتعامل مع المشهد باعتباره تجربة شخصية قاسية، بل بوصفه مؤشر يستدعي البحث الصحفي. أجريت تحقيق استقصائي، وتوصلت إلى معلومات موثقة تكشف واحدة من أبشع جرائم الفساد منذ اندلاع الحرب. ملايين الدولارات صُرفت تحت بند صيانة وتأهيل مطار بورتسودان. شركات مؤهلة، ذات خبرة ومعايير فنية معروفة، جرى تجاوزها، ليُفتح الباب أمام شركات تفتقر للكفاءة ولا تستوفي أبسط الشروط المهنية. وكانت النتيجة متوقعة: هدر للموارد، ومنشأة لا تؤدي الغرض الذي أُنفقت من أجله أموال دافع الضريبة.
الأمر لا يتعلق بسوء التنفيذ فقط، بل بمنظومة خلل مؤسسي. فعندما تغيب الرقابة، تُنفذ المشروعات الحكومية بعقلية الغنيمة لا بعقل التخطيط. في علم الإدارة العامة، يُعرف هذا النموذج بالفساد البنيوي، عندما تصبح التجاوزات جزء من آلية العمل نفسها، لا استثناء.
المثير للقلق، خبر رسمي صدر مؤخراً عن مجلس السيادة، يتحدث عن خطة جديدة لصيانة وتأهيل مطار بورتسودان، مع الإشارة إلى أن أعمال الصيانة السابقة تمت بعد اندلاع الحرب. معنى ذلك، ببساطة، أننا أمام بند جديد لصرف ملايين الدولارات مرة أخرى، دون محاسبة حقيقية عمّا صُرف سابقاً، ودون تقييم علمي ومؤسسي للنتائج. إنها، للأسف، فرصة ذهبية أخرى لتبديد المال العام.
إن أخطر ما في هذا الملف ليس ما ضاع من أموال، بل ما يتبدد من معنى الدولة ذاتها. فعندما تغيب المحاسبة، يتحول الإنفاق إلى طقس عبثي، وتغدو المشروعات العامة أدوات لإعادة تدوير الفساد لا لخدمة الناس. مطار بورتسودان، في هذه اللحظة، اختبار لقدرة الدولة على مراجعة نفسها، فإما أن يُفتح الملف أمام الحقيقة، أو يُغلق كما أُغلقت صالاته على الاختناق. وبين الخيارين، يتحدد إن كان ما نعيشه اوضاع عارضة فرضتها الحرب… أم نمط مستقر في إدارة ما تبقى من الوطن.
محبتي واحترامي
رشان اوشي
إنضم لقناة النيلين على واتسابPromotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2026/01/08 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة الدعم السريع تتوسع في التجنيد القسري والعنف الجنسي2026/01/08 ولاية الخرطوم تجيز موازنة العام 20262026/01/08 والي سنار يبحث مقترح إنشاء مدينة للإنتاج الحيواني بالولاية2026/01/08 وزير الداخلية يلتقي وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية ويبحثان استخراج الأرقام الوطنية للنازحين بالولاية الشمالية2026/01/08 ظهر دقلو نحيلاً وقد انخفض وزنه كثيراً، مما يشير إلى جسد أنهكه المرض2026/01/08 وزير الطاقة يتفقد سير العمل برئاسة الوزارة بالخرطوم2026/01/08شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات انتفاضة ديسمبر 2018 صناعة المخابرات الصهيوأمريكية 2026/01/08الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: مطار بورتسودان
إقرأ أيضاً:
حرائق كل 5 دقائق.. تفاصيل موجات الحر التاريخية فى تونس والجزائر
وكالات – تاق برس – موجة حر غير مسبوقة تواجهها تونس والجزائر ما أدى إلى اندلاع حرائق هائلة فى الغابات والتهمت النيران المنازل القريبة من مواقع اندلاع الحرائق؛ ما أدى إلى رفع درجة التأهب القصوى.
فى الجزائر سجلت الحماية المدنية اندلاع 138 حريقاً، وتم إخماد 107 منها خلال 24 ساعة الأخيرة فى ولايات متفرقة في الدولة.
وأوضحت الحماية المدنية إنه تم إبعاد 7 عائلات تضم 29 شخصاً ببلدية وادي العثمانية كإجراء احترازي ووقائي؛ كما تم إبعاد عائلتين ونقل شخص يعاني من ضيق التنفس ببلدية مجاز عمار.
وفى تونس لامست درجات الحرارة الـ 50 مئوية، ما أدى إلى استهلاك قياسى للطاقة الكهربائية؛ ما دفع “الشركة التونسية للكهرباء والغاز” إلى القطع الدوري للتيار الكهربائي فى مناطق متعددة وامتدت الانقطاعات لساعات طويلة.
وكشف رئيس الإدارة الفرعية للعمليات والمتابعة بالحماية المدنية التونسية ، خليل المشري، وفق إذاعة موزاييك التونسية، أن وحدات الحماية المدنية سجلت خلال الساعات الـ48 الماضية نحو 2800 تدخل في مختلف أنحاء البلاد، من بينها أكثر من 600 حريق، بمعدل يقارب حريقاً واحداً كل 5 دقائق.
كما أوضح المشري، أن الفرق تمكنت من السيطرة على 74 حريقاً، فيما تتواصل عمليات إخماد 9 حرائق موزعة بين ولايات بنزرت وباجة وجندوبة والكاف.
الجزائرتونسحرائق