د. ناهد محمد الحسن

بعد السؤال عن الشارع، لا يمكن تأجيل سؤال المدنيين أنفسهم.
ليس من باب جلد الذات، ولا بحثًا عن توازنات شكلية، بل لأن أي مشروع جاد للخروج من الحرب يصطدم، عاجلًا أو آجلًا، بهذه العقدة: مدنيون كُثُر، تجارب متراكمة، أصوات عالية، وسرديات متجاورة أكثر مما هي متحاورة.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا انقسم المدنيون؟
فالانقسام مفهوم في سياق الصدمة، والانهيار، وتاريخ طويل من القمع وكسر الثقة.


السؤال الأهم هو: لماذا يتحول هذا الانقسام، في كثير من الأحيان، إلى سلوك يُعيد إنتاج منطق الحرب نفسه، لا منطق السياسة؟

ما نشهده ليس خلافًا حول البرامج وحدها، ولا حول القراءة السياسية فقط، بل صراعًا خفيًا حول الشرعية الأخلاقية:
من يملك “الرواية الأنقى”،
من هو “الأقرب للشارع”،
ومن يحق له أن يتكلم باسم الثورة أو باسم الضحايا.

وحين ينتقل الخلاف إلى هذا المستوى، لا يعود الهدف إدارة الاختلاف، بل نزع المشروعية عن الآخر.
وهنا تفقد السياسة وظيفتها، وتتحول إلى محكمة رمزية.

في علم النفس السياسي، يُفهم هذا التحول بوصفه انتقالًا من الصراع حول الأفكار إلى الصراع حول الهوية.
حين تضعف المؤسسات، ويتآكل الأفق، تبحث الجماعات عن يقين بديل.
وهذا اليقين لا يُبنى على الفعل المشترك، بل على تعريف الذات في مواجهة الآخر.
فيصبح الاختلاف تهديدًا، لا موردًا.

هذا ما يجعل تجربة انفصال كتل مدنية كانت تجمعها أرضية واحدة — مثل صمود وتأسيس — مثالًا مهمًا للفهم، لا للحكم.

فمن حيث الجوهر، هناك نقاط التقاء واسعة:
رفض الحكم العسكري،
الدعوة إلى دولة مدنية،
الاعتراف بأزمة الدولة السودانية،
والبحث عن عقد اجتماعي جديد.

لكن نقاط الاختلاف — في القراءة، في الترتيب، في تعريف الأولويات، وفي الموقف من بعض الفاعلين والسياقات الإقليمية — تحولت من خلاف سياسي قابل للإدارة إلى تمايز هويّاتي.
لم يعد السؤال: كيف نعمل مع اختلافنا؟
بل: من يمثل الخيار الصحيح للتاريخ؟

وهذا التحول ليس خاصًا بهاتين الكتلتين، ولا يعكس سوء نية، بل يعكس مأزقًا أوسع تعيشه الحركات المدنية حين تُجبر على العمل في فراغ دولة، وتحت ضغط حرب، ووسط شارع مُنهك.

التجارب المقارنة تخبرنا أن هذا النمط يتكرر.
في تشيلي، وفي كولومبيا، وفي بلدان خرجت من ثورات غير مكتملة، تحولت الخلافات داخل المعسكر المدني من نقاش حول “كيف نحكم” إلى صراع حول “من هو الأجدر أخلاقيًا”.
والنتيجة، في أغلب الأحيان، لم تكن انتصار تيار على آخر، بل إنهاك الجميع وفتح المجال لعودة القوة الخشنة.

العمل المشترك، تاريخيًا، لا يبدأ من التوافق الكامل، ولا من وحدة الخطاب، ولا من اندماج التنظيمات.
يبدأ من إدراك الخطر المشترك، ومن الاتفاق على خطوط لا يجوز كسرها، حتى في ذروة الخلاف.

في السودان، هذا الخطر واضح:
حرب مستمرة،
عسكرة متصاعدة،
تفكك اجتماعي،
وتآكل المجال العام.

لكن المفارقة أن هذا الخطر يُدار أحيانًا كخلفية، بينما يُدار الخلاف المدني كمعركة مركزية.

وهنا يظهر الفرق بين اختلاف يُغني السياسة، واختلاف يُفرغها من معناها.
الأول يقبل التعدد، ويترك الباب مواربًا، ويعترف بأن الحقيقة موزعة.
أما الثاني فيحتاج إلى خصم دائم ليبرر وجوده، حتى لو كان هذا الخصم مدنيًا مثله.

العمل معًا لا يعني الاتفاق على كل شيء.
ولا يعني الذوبان في كتلة واحدة.
ولا يعني تعليق الأسئلة الصعبة.

يعني فقط نقل العلاقة من منطق التمثيل إلى منطق الوظيفة.
من يفعل ماذا الآن؟
من يخفف الألم؟
من يحمي المدنيين؟
من يبني شبكات الحياة حيث غابت الدولة؟

حين تُبنى العلاقة على الوظيفة، لا يعود السؤال: من أنت؟
بل: ماذا نفعل معًا، هنا والآن؟

لهذا، لا تكون المبادرات المرتبطة بالحياة اليومية هامشًا للسياسة، بل قلبها.
التعليم في معسكرات النزوح،
العلاج،
الغذاء،
حماية النساء،
خفض العنف المجتمعي.

هذه ليست أعمالًا “إنسانية” خارج السياسة، بل أفعال سياسية عميقة، لأنها تعيد السياسة إلى معناها الأول: حماية الحياة.

الخطاب المدني يفقد تأثيره حين يتحدث عن الدولة بلغة لا تشبه غيابها.
ويفقد صدقيته حين يطالب الناس بالصبر دون أن يعترف بثمن هذا الصبر.
الشارع لا يطلب كمالًا، ولا وحدة مصطنعة، بل صدقًا، وقدرة على العمل رغم الخلاف.

ربما لا نحتاج إلى جبهة مدنية واحدة.
لكننا نحتاج إلى حدٍّ أدنى من الانضباط الأخلاقي:
خفض اللغة،
وقف التخوين،
الاعتراف بتعدد التجارب،
وعدم تحويل الألم إلى سلاح سياسي.

العمل المشترك في هذه اللحظة ليس مشروع خلاص شامل، بل إدارة ذكية للضعف، وتأجيل واعٍ للصراعات الكبرى، لصالح حماية ما يمكن حمايته.

حين يتعلم المدنيون كيف يختلفون دون أن يُقصوا،
وكيف يعملون دون أن يتطابقوا،
تبدأ السياسة في استعادة معناها — لا بوصفها وعدًا كبيرًا، بل ممارسة ممكنة.

الوسومناهد محمد الحسن

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

إقرأ أيضاً:

4504 فرصة عمل داخل 77 شركة بالقطاع الخاص.. تفاصيل

 

أطلقت وزارة العمل اليوم الثلاثاء نشرة التوظيف الأسبوعية الجديدة، التي توفر 4504 فرص عمل داخل 77 شركة من شركات القطاع الخاص، موزعة على 14 محافظة بالجمهورية، مع استمرار التقديم على الوظائف طوال شهر يونيو 2026.

ووأكدت العمل أن الدولة مستمرة في تنفيذ توجيهات القيادة السياسية بالتوسع في توفير فرص عمل لائقة للشباب، وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص باعتباره شريكًا رئيسيًا في دعم الاقتصاد الوطني وتوسيع قاعدة التشغيل، مشددًا على أهمية استفادة الشباب من الفرص المتاحة والإقبال على العمل الجاد في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.

 

الاستفادة من خدمات وزارة العمل

ودعا الشباب إلى الاستفادة من خدمات وزارة العمل، خاصة برامج التدريب المهني المجانية التي تنفذها الوزارة في المحافظات، بهدف صقل المهارات ورفع كفاءة الكوادر البشرية بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل المتغيرة، مؤكدًا أن التدريب والتأهيل يمثلان بوابة حقيقية للحصول على فرص عمل مستقرة ومناسبة، مشيرا إلى أن القطاع الخاص يوفر فرص تشغيل حقيقية تسهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، موجهًا مديريات العمل بالمحافظات بمتابعة الوظائف المعلنة ميدانيًا للتأكد من جديتها، ومراجعة التزام الشركات بتطبيق الحد الأدنى للأجور وكافة الحقوق للعاملين، مع ضمان الشفافية والمصداقية في الإعلان عن الوظائف حتى استلام الشباب فرص العمل فعليًا.

 

فرص عمل في عدد كبير من التخصصات والمهن

 

وأوضحت وزارة العمل، في بيان لها، أن النشرة تضم فرص عمل في عدد كبير من التخصصات والمهن، برواتب مجزية يتم تحديدها وفق طبيعة كل وظيفة ونتائج المقابلات الشخصية، مع توفير التأمينات الاجتماعية والصحية، بما يضمن بيئة عمل مستقرة وآمنة للعاملين.

 

كما تتضمن النشرة عددًا من الوظائف المخصصة لذوي الهمم، في إطار سياسة الدولة لدمجهم داخل سوق العمل، وإتاحة فرص مناسبة لقدراتهم وإمكاناتهم، وتشمل المحافظات التي تتوفر بها فرص العمل: القاهرة، والجيزة، والغربية، ودمياط، وسوهاج، والفيوم، وبورسعيد، وسوهاج، والمنيا، والسويس، ومطروح، والشرقية، وجنوب سيناء، وأسيوط.

 

وتتنوع الوظائف المطلوبة بين مجالات التسويق، والموارد البشرية، والهندسة -اتصالات وكهرباء، والميكانيكا والتحكم الكهربائي، والصيانة، والمحاسبة، والإشراف الفني والموقعي، والإنتاج، والمشتريات، والمبيعات، والجودة، والأمن، والمخازن، والقيادة برخص مختلفة، والفندقة والمطاعم، إلى جانب عدد من المهن الإنتاجية والخدمية الأخرى.

 

وأكدت أن التقديم متاح من خلال الإدارة العامة للتشغيل بمقر الوزارة القديم بمدينة نصر، أو عبر مديريات العمل بالمحافظات، أو بالتواصل المباشر مع الشركات المُعلنة بالنشرة، بالإضافة إلى التقديم من خلال الموقع الرسمي لوزارة العمل المصرية، مضيفة أن النشرة تصدر أسبوعيًا عن الإدارة العامة للتشغيل برئاسة هبة أحمد، ومن إعداد منى شوقي الباحث الأول بالإدارة، في إطار التعاون المستمر بين مديريات العمل والقطاع الخاص لتوفير فرص تشغيل حقيقية للشباب في مختلف المحافظات.

مقالات مشابهة

  • كعب العمل الإلكتروني 2026..استخراج شهادة القيد في 24 ساعة
  • الفنان صلاح الدالي: كواليس العمل مع يسرا ممتعة
  • الموزة المنهوبة للمرة الثانية
  • مشاهدة فيلم أسد لمحمد رمضان 2026 كامل
  • «مسافة بين ثورتين».. كمال القاضي يوثق معركة الوعي في مصر
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • أنت كإنسان آخر ما تحتاجه التكنولوجيا.. ثم لن تحتاجك!
  • سايحي يبحث سبل تعزيز التعاون مع مصر
  • 4504 فرصة عمل داخل 77 شركة بالقطاع الخاص.. تفاصيل
  • انطلاق القمة الروحية في دار طائفة الموحدين الدروز.. أبي المنى: لن ننقل السياسة إلى الطاولة