الشائعات.. خطر داهم تروج لها المنصات التفاعلية!
تاريخ النشر: 8th, January 2026 GMT
منذ أن غزت التكنولوجيا الحديثة كوكب الأرض، وهي تُحدث الكثير من التغيرات، سواء في سلوك البشر أو أنماط حياتهم اليومية، فهي أيضًا التي أخرجتهم من النطاق التقليدي إلى عصر الحداثة، وفتحت لهم آفاقًا جديدة أسهمت في توفير الوقت والجهد.
فلم تعد التعاملات بين المؤسسات والقطاعات والأفراد تتم على النهج السابق القديم، بل اتجهت نحو التسهيل والإنجاز من خلال اتخاذ القنوات الرقمية طريقًا للعبور نحو تجاوز حدود القارات، وأصبحت المنصات تشكّل أهمية قصوى في تبادل المعلومات وإرسال البيانات وإنجاز المعاملات.
ومنذ فترة زمنية طويلة ونحن لا نكف عن الحديث عما يُثار من حقائق، أو ما يتم تداوله وتبادله بين الناس، خاصة فيما يتعلق بالمعلومات المغلوطة التي جعلت من ذاكرة هواتفنا معبّأة بكمٍّ كبير من المقاطع المرئية والصور الفوتوغرافية التي تُرسل لحظيًا عبر المنصات التفاعلية التي بات يغلب عليها طابع «الإثارة المصطنعة»، وأشغلت أذهان الناس في مشارق الأرض ومغاربها وجميع اتجاهاتها، وعملت كذلك على توجيه أنظار أفراد المجتمع نحو أشياء لا يعرفون حقيقتها ومضمونها الكامل. وأمام تسارعات الزمن وانشغالات الناس، لم يهتم كثيرون بالتيقن من حقيقة ما يصلهم على مدار اليوم، بل يصبّون جلّ اهتماماتهم في نقاط محددة تُشبع رغباتهم واهتماماتهم في الحديث عن هذا وذاك، حتى وإن لم تكن في اتجاهها الصواب.
بعض المتحمسين، أو لنقل «الشغوفين» ببث الإشاعات والأخبار الكاذبة، كمن يُقال عنه: «يكذب الكذبة ثم يصدقها»، مثل هؤلاء الناس لديهم فراغ وقتي يحفّز لديهم حسّ إثارة الأمور وتضخيم الأحداث وإظهارها بشكل غير متوازن أو غير صحيح.
وما إن تكتمل «الإشاعة» حتى يسارعوا في نشرها دون مراعاة لمشاعر الناس، أو التفكير بأن ما يقومون به قد يكون جريمة يُعاقب عليها القانون، كونها تمس بأمن وسلامة الناس، وربما تكون مؤذية للآخرين وانتهاكًا صارخًا لكرامة الإنسان وعزته.
لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي في الوقت الراهن «مجرد أبواق مفتوحة على مصراعيها»، في خضمها ينعق الجهلاء على رؤوس الأشهاد، ومن خلالها يتم تسليط الضوء على أمور تزعج أفراد المجتمع وتُحدث نوعًا من السخط لدى الناس تجاه بعضهم البعض، وربما يتحول الأمر من كونه حالة شخصية إلى حالة عامة تضر بأمن الوطن وسلامته.
ومن المؤسف في كل الأمور أن الاستمرار في ارتكاب الخطأ هو خطأ آخر، بمعنى أن البعض يتحدث عن شيء ما تحت مصطلح «يقال»، وما إن يثبت العكس لا يتراجع الواهمون عن أوهامهم أو يعتذرون عن أقوالهم الماضية، ولا يراجعون أنفسهم أو يتوقفون عن تكرار مثل هذا الخطأ، بل ينتظرون موضوعًا آخر ليشغلوا أنفسهم ومن حولهم به من جديد.
إن التقنيات الحديثة «أداة بناء للأمم» إذا ما تم استغلالها بشكل طبيعي، فقد سهّلت كثيرًا على الناس إنجاز أعمالهم، وقرّبت المسافات في عملية التواصل بين الأفراد في أماكن مختلفة من العالم، وهذا أمر طيب للغاية، لكن أن تصبح مواقع التواصل الاجتماعي «أداة تجريح أو نيل من الآخرين أو زحزحة لاستقرار الأوطان»، فهذا أمر مرفوض تمامًا.
ندرك بأن وسائل التواصل الاجتماعي «سلاح ذو حدين»، فالمنصات التفاعلية تعج يوميًا بالكثير من الرسائل النصية والمقاطع المصورة التي لا تمت إلى الواقع بصلة، وأحيانًا تأتي بشيء مفبرك يجمع ما بين «الواقع والخيال»، خاصة بعد أن شاع بين الناس استخدام أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
في السابق كان الناس يتداولون المقاطع على أنها تحدث في مكانها الصحيح، أما اليوم فلا يهم المتلقي التدقيق في المحتوى ومكان وزمان حدوثه، بل يسارع إلى نشر المعلومة دون تريث، ولهذا عمد البعض إلى إعادة نشر مقاطع قديمة على أنها تحدث في الوقت الراهن.
لقد لعب الذكاء الاصطناعي دورًا آخر غير الذي من أجله كان ظهوره، فبعض الناس استغله في عمليات «التضليل الفكري»، وأصبح الناس في «هرج ومرج» نتيجة الاستخدام السيئ لهذه التقنية الحديثة، وباتت الحقائق غائبة بعض الشيء وتحتاج إلى عناء طويل لمعرفة الخطأ من الصواب.
لقد أصبحت الإشاعة في نظر البعض «مادة دسمة» يمكنه تشكيلها وفق ما يريد، أو الحديث عنها والترويج لها ونشرها في المنصات، لكن المسؤولية الوطنية والأخلاقية ترفض أن يتم التغرير بالآخرين وإدخالهم في مناطق من الضعف الإنساني، ولهذا نقول إن المشاركة في نشر الإشاعات عمل ذميم يقف له القانون بحزم وصرامة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..