على مدار سنوات، اعتاد زوار معرض CES في لاس فيجاس رؤية أحدث الشاشات العملاقة، وأقوى المعالجات، وأذكى الأجهزة المنزلية. لكن خلف هذه العناوين “الرسمية”، يظل للمعرض وجه آخر لا يقل حضورًا، وجه يختبر حدود المنطق أحيانًا، ويدفع التكنولوجيا إلى مناطق غريبة قد تبدو غير ضرورية، لكنها دائمًا مثيرة للفضول. وفي نسخة 2026، عاد CES ليؤكد أن الغرابة ليست استثناءً، بل جزء أصيل من هوية المعرض.

هذا العام، لم تكتفِ الشركات بعرض تحسينات تدريجية على ما نعرفه، بل طرحت أسئلة من نوع: هل يحتاج المرحاض إلى رأي؟ هل يمكن للأظافر أن تتحول إلى شاشة ألوان؟ وهل من المنطقي أن يراقب جهاز حركات الجسد في أكثر لحظاته خصوصية؟ الإجابات جاءت على أرض المعرض، وبأشكال يصعب تجاهلها.

من أكثر الابتكارات التي أثارت الجدل جهاز يُثبت على المرحاض ويعمل ككمبيوتر صغير مزود بكاميرات وميكروفونات لتحليل ما يحدث داخل الحمام. الفكرة، بحسب الشركة المطورة، تقوم على إنشاء “خط أساس” للعادات الصحية، بهدف رصد أي تغييرات قد تشير إلى مشكلات هضمية أو أيضية. ورغم الطابع العلمي المعلن، فإن مجرد وجود كاميرا في هذا السياق كان كافيًا لإثارة علامات استفهام حول الخصوصية وحدود المراقبة الصحية.

في الاتجاه نفسه، قررت شركة أخرى أن الحمام لا يزال مساحة غير مستغلة تكنولوجيًا. فقدمت فوطًا صحية ذكية تعتمد على تقنيات دقيقة لتحليل مؤشرات هرمونية مرتبطة بالخصوبة، بمجرد مسحها عبر الهاتف. الابتكار هنا لا يخلو من الجرأة، ويعكس توجهًا متناميًا نحو “قياس كل شيء”، حتى أكثر التفاصيل حميمية، وهو توجه يثير الإعجاب لدى البعض والقلق لدى آخرين.

وعلى صعيد الحواسيب، واصلت لينوفو لعب دورها المعتاد كأحد أكثر الأسماء جرأة في تقديم مفاهيم غير تقليدية. أحد نماذجها في CES 2026 كان حاسوبًا محمولًا مخصصًا للألعاب، تتحول شاشته من قياس تقليدي إلى شاشة عريضة للغاية بلمسة زر واحدة. التجربة تبدو مثالية لألعاب الطيران والسباقات، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا عمليًا حول قابلية استخدام مثل هذا الجهاز خارج بيئة العرض التجريبي.

ولم تتوقف لينوفو عند هذا الحد، بل كشفت أيضًا عن مفهوم آخر لشاشة مرنة تلتف حول غطاء الحاسوب، لتمنح من يجلس أمامك شاشة “مواجهة”. الفكرة تبدو وكأنها قادمة من فيلم خيال علمي، وقد تكون مفيدة في نقاط البيع أو الفنادق، لكنها تظل حتى الآن أقرب إلى استعراض تقني منها إلى منتج جاهز للاستخدام اليومي.

الغرابة لم تقتصر على الأجهزة الكبيرة، بل امتدت إلى الإكسسوارات الشخصية. من بين الابتكارات اللافتة أظافر صناعية ذكية قادرة على تغيير لونها فورًا باستخدام شحنة كهربائية بسيطة. مئات الألوان في ثوانٍ، دون طلاء أو إزالة. الفكرة تبدو غير عملية للبعض، لكنها تفتح بابًا جديدًا للتعامل مع الموضة باعتبارها واجهة رقمية قابلة للتخصيص.

وفي زاوية أخرى من المعرض، ظهرت شاشة ذكية مصممة لتتحرك تلقائيًا وتتابع المستخدم داخل الغرفة، بحيث تظل الصورة دائمًا في مجال الرؤية. قد لا يكون هذا طلبًا شائعًا من المستهلكين، لكنه يعكس إلى أي مدى أصبحت الشاشات “مُلحة” في محاولة جذب الانتباه وعدم ترك المستخدم يبتعد عنها.

حتى تقنيات الترفيه للكبار كان لها حضورها اللافت، مع جهاز وُصف بأنه “مُفرط القوة”، يَعِد بأداء أعلى، وبطارية أطول، ومزايا لم نعتد سماعها في هذا النوع من المنتجات. مجرد استخدام مصطلحات مستعارة من عالم كسر سرعة المعالجات كان كافيًا ليضعه ضمن قائمة أغرب ما قُدم في CES 2026.

في المحصلة، تكشف هذه الابتكارات عن الوجه الحقيقي لمعرض CES. فهو ليس فقط منصة لإطلاق منتجات جاهزة للأسواق، بل مختبر مفتوح للأفكار، بعضها سيختفي فورًا، وبعضها قد يتحول بعد سنوات إلى أمر طبيعي في حياتنا اليومية. وبين المرحاض الذكي، والشاشات المتحركة، والأظافر المتلونة، يثبت CES 2026 مرة أخرى أن التكنولوجيا لا تسير دائمًا في خط مستقيم، بل تحب أحيانًا أن تنحرف إلى مسارات غريبة… فقط لتختبر إلى أين يمكن أن تصل.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

إقرأ أيضاً:

30 ألف شتلة.. جمعية بيئة بلا حدود تقود مشروعًا لاستعادة غابات المانجروف بالبحر الأحمر

تواصل جمعية بيئة بلا حدود تنفيذ مشروعها البيئي الرائد «تخزين الكربون من خلال استزراع المانجروف في البحر الأحمر»، بالتنسيق مع جهاز شؤون البيئة، في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى مواجهة التغيرات المناخية والحفاظ على التنوع البيولوجي وتعزيز استدامة الموارد الطبيعية بالمناطق الساحلية.

نقيب الزراعيين: الروتين الإداري أبرز التحديات أمام التوسع فى استزراع المانجروف بالبحر الأحمر نقيب الزراعيين: استزراع المانجروف أحد أهم مشروعات الاقتصاد الأزرق في مصر

ويعد المشروع أحد النماذج الوطنية الرائدة للحلول القائمة على الطبيعة، حيث يجمع بين حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة من خلال استعادة غابات المانجروف وتعظيم دورها في امتصاص الكربون وحماية السواحل ودعم المجتمعات المحلية.

المانجروف.. خط الدفاع الأول للبيئات الساحلية

تمثل غابات المانجروف أحد أهم النظم البيئية الساحلية في العالم، نظرًا لقدرتها الفائقة على امتصاص وتخزين الكربون، فضلاً عن دورها الحيوي في حماية الشواطئ من التآكل والعواصف، والحفاظ على الثروة السمكية، وتوفير موائل طبيعية للعديد من الكائنات البحرية والطيور المهاجرة.

ومن هذا المنطلق، يركز المشروع على استعادة هذه النظم البيئية المهمة داخل نطاق محمية وادي الجمال بمحافظة البحر الأحمر، بما يسهم في تعزيز التوازن البيئي ورفع قدرة السواحل المصرية على التكيف مع تداعيات التغيرات المناخية.

300 هكتار مستهدف لإعادة تأهيل غابات المانجروف

ويستهدف المشروع زراعة وإعادة تأهيل نحو 300 هكتار من غابات المانجروف، وفق الخطط الموضوعة، بما يعزز من قدرة هذه الغابات على تخزين كميات كبيرة من الكربون على المدى الطويل، ويسهم في دعم الجهود الوطنية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية.

كما يهدف المشروع إلى إعادة تأهيل الموائل الطبيعية المرتبطة بالمانجروف، بما يوفر بيئة آمنة للعديد من الأنواع النباتية والحيوانية ويعزز جهود صون التنوع البيولوجي في البحر الأحمر.

إنجازات ميدانية تعكس تقدّم المشروع

وحققت فرق العمل بالمشروع خلال الفترة الماضية نتائج ميدانية مهمة، تمثلت في زراعة نحو 30 ألف شتلة مانجروف في ثلاثة مواقع مختلفة على ساحل البحر الأحمر، بما يمثل خطوة عملية نحو تحقيق مستهدفات المشروع البيئية والمناخية.

كما تم تركيب صوبتين زراعيتين جديدتين بإجمالي مساحة بلغت 153 مترًا مربعًا، بالإضافة إلى إعادة تأهيل صوبة زراعية قائمة بمساحة 200 متر مربع، بهدف زيادة القدرة الإنتاجية للشتلات ودعم برامج الإكثار النباتي.

وفي إطار تطوير البنية الفنية للمشروع، جرى تركيب أنظمة رفوف رأسية داخل البيوت المحمية بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتعظيم الاستفادة من المساحات المتاحة.

أسواق الكربون الطوعي.. بوابة للاستدامة المالية

وفي خطوة تعكس البعد الاقتصادي للمشروع، تعمل جمعية بيئة بلا حدود على دراسة فرص ربط المشروع بأسواق الكربون الطوعي، بما يتيح إمكانية توفير مصادر تمويل مستدامة لدعم جهود حماية المحميات الطبيعية واستمرار برامج استعادة النظم البيئية الساحلية.

ويمثل هذا التوجه نموذجًا متقدمًا لدمج العمل البيئي مع الاقتصاد الأخضر، من خلال تحويل مشروعات حماية الطبيعة إلى أدوات داعمة للتنمية المستدامة والاستثمار المناخي.

المجتمعات المحلية شريك رئيسي في النجاح

ولا تقتصر أهداف المشروع على الجوانب البيئية فقط، بل تمتد لتشمل تمكين المجتمعات المحلية وتحسين سبل المعيشة، حيث يشارك أبناء المناطق المستهدفة في مختلف مراحل المشروع، بدءًا من جمع البذور والإكثار والزراعة وحتى أعمال المتابعة والصيانة.

ويسهم هذا النهج في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، إلى جانب رفع الوعي البيئي لدى المواطنين بأهمية غابات المانجروف ودورها في حماية الموارد الطبيعية ودعم الاقتصاد المحلي.

كما تنفذ الجمعية حملات توعية مستمرة لتعزيز المشاركة المجتمعية في حماية البيئة ونشر ثقافة الحفاظ على النظم البيئية الساحلية.

نموذج مصري للحلول القائمة على الطبيعة

ويؤكد مشروع «تخزين الكربون من خلال استزراع المانجروف في البحر الأحمر» أهمية الحلول القائمة على الطبيعة كأحد المسارات الفعالة لمواجهة التحديات المناخية والبيئية، حيث يجمع بين استعادة النظم البيئية، وحماية التنوع البيولوجي، وتحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية للمجتمعات المحلية.

وتؤكد جمعية بيئة بلا حدود استمرارها في دعم هذا التوجه، بما يسهم في تعزيز العمل البيئي والمناخي في مصر، والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، وبناء مستقبل أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحديات البيئية.

مقالات مشابهة

  • فرق توقيت!!
  • اليوم.. أحمد سعد يطرح ألبومه "الفرفوش"
  • “إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
  • خارج حدود المادة 140.. القيمة الجديدة للأرض المتنازع عليها
  • هل تتحول تهديدات ترامب إلى عمل عسكري ضد إيران؟
  • 30 ألف شتلة.. جمعية بيئة بلا حدود تقود مشروعًا لاستعادة غابات المانجروف بالبحر الأحمر
  • حسني بي: الثروة يجب أن تصل إلى المواطن نقدا لا إلى المهرب سعرًا
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • العلويون بين الداخل والخارج!!