دخلت الاحتجاجات الشعبية في إيران مرحلة أكثر تعقيدًا مع استمرارها لأكثر من عشرة أيام، واتساع رقعتها الجغرافية لتشمل قلب العاصمة طهران وعشرات المدن في مختلف المحافظات. ويأتي هذا التصعيد في ظل أزمة اقتصادية خانقة وتوتر سياسي داخلي وخارجي، ما يعكس حجم التحدي الذي يواجهه النظام الإيراني في واحدة من أكثر الفترات حساسية منذ سنوات، خاصة بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل وتداعيات العقوبات الدولية المتجددة.

وشهدت العاصمة طهران تحركات لافتة في بازارها الرئيسي، حيث أظهرت مقاطع مصورة استخدام قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، بالتزامن مع إضرابات واسعة وإغلاق متاجر في مناطق تجارية حيوية. وامتدت الاحتجاجات إلى مدن عدة خلال ساعات الليل، وسط اشتباكات متفرقة مع قوات الأمن، وفق ما أفاد به ناشطون.

وبحسب منظمة هرانا الحقوقية، قُتل ما لا يقل عن 35 شخصًا منذ اندلاع الاحتجاجات، بينهم 29 متظاهرًا وأربعة أطفال، إضافة إلى اعتقال أكثر من 1200 شخص. كما أكدت المنظمة أن الاحتجاجات طالت 27 محافظة من أصل 31، في مؤشر على اتساع غير مسبوق للتحركات. وفي تطور أمني خطير، قُتل شرطي إيراني طعنًا قرب العاصمة أثناء محاولته السيطرة على الاضطرابات، ما يعكس تصاعد حدة المواجهات ودخولها منحنى أكثر عنفًا.

وتعود الشرارة الأولى للاحتجاجات إلى التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية، حيث تجاوز معدل التضخم 36%، فيما فقد الريال الإيراني نحو نصف قيمته أمام الدولار خلال عام واحد. كما ارتفعت أسعار الغذاء بأكثر من 70%، وسجلت بعض السلع الأساسية زيادات تجاوزت 110%، ما أثقل كاهل المواطنين، خاصة الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

وأقر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بمسؤولية الحكومة والبرلمان عن الأزمة الاقتصادية، مؤكدًا أن السياسات المتبعة أوصلت البلاد إلى هذا الوضع، في اعتراف نادر من رأس السلطة التنفيذية. كما فاقمت العقوبات الدولية المرتبطة بالبرنامج النووي، إلى جانب الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل، من حدة الأزمة، وسط توقعات مؤسسات مالية دولية بدخول الاقتصاد الإيراني مرحلة ركود خلال عام 2026.

وفي محاولة لاحتواء التحركات، فرضت السلطات الإيرانية قيودًا واسعة على الإنترنت، حيث انخفضت حركة البيانات بنحو 35%، وفق بيانات شركة كلاودفلير. وتحدثت تقارير عن مخاوف من انقطاع شبه كامل للإنترنت الدولي، في خطوة تهدف إلى منع تنسيق الاحتجاجات التي يتم تنظيم معظمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الحد من تداول الصور ومقاطع الفيديو.

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تعكس قلق النظام من تحول الاحتجاجات إلى حركة منظمة واسعة، خاصة مع انتشارها في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، بالتزامن مع نشر أمني مكثف في محيط الساحات والمنشآت الحيوية، واستخدام القوة لفرض السيطرة الميدانية.

وتزامن التصعيد الداخلي مع توتر في الخطاب السياسي الخارجي، عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب لوّح فيها بإمكانية التدخل لحماية المحتجين إذا لجأت السلطات إلى إطلاق النار. وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة من طهران، حيث حذّر المجلس الأعلى للأمن القومي من اتخاذ “إجراءات استباقية” ضد أي محاولة لاستغلال الاحتجاجات.

ويرى محللون في معهد تشاتام هاوس أن هذه الاحتجاجات، رغم أنها لم تصل بعد إلى مستوى موجة 2022 أو احتجاجات 2019، إلا أنها تعكس أزمة شرعية عميقة وتآكل الثقة بين الشارع والنظام. كما أن شخصية ترامب غير المتوقعة، وسوابق التدخل الأميركي، تزيد من قلق القيادة الإيرانية، خاصة في ظل بيئة إقليمية مضطربة وضغوط اقتصادية غير مسبوقة.


المصدر

المصدر: نيوزيمن

إقرأ أيضاً:

منتخب تونس يستعد لكأس العالم 2026 بطموحات تاريخية.. النسور تبحث عن إنجاز غير مسبوق

يستعد منتخب تونس لخوض منافسات كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك خلال الفترة من 11 يونيو إلى 19 يوليو المقبل، في مشاركته السابعة بتاريخ البطولة والثالثة على التوالي، ضمن النسخة الأولى التي تشهد مشاركة 48 منتخبًا.

ويدخل "نسور قرطاج" المنافسات بطموحات كبيرة لتحقيق إنجاز تاريخي يتمثل في بلوغ الأدوار الإقصائية للمرة الأولى، مستفيدين من حالة الاستقرار الفني والتجديد الذي يشهده المنتخب خلال السنوات الأخيرة.

مجموعة متوازنة وتحديات قوية

أسفرت قرعة البطولة عن وقوع المنتخب التونسي في المجموعة السادسة إلى جانب منتخبات هولندا واليابان والسويد، في مجموعة تعد من بين الأكثر تنافسًا في الدور الأول.

ويفتتح المنتخب التونسي مشواره بمواجهة السويد يوم 15 يونيو على ملعب "بي بي في إيه" بمدينة مونتيري المكسيكية، قبل أن يلتقي اليابان في 20 يونيو على الملعب ذاته، فيما يختتم مبارياته في دور المجموعات بمواجهة قوية أمام هولندا يوم 26 يونيو على ملعب "أروهيد" بمدينة كانساس سيتي الأمريكية.

وتحمل مواجهة تونس واليابان أهمية تاريخية خاصة، إذ ستسجل باعتبارها المباراة رقم 1000 في تاريخ نهائيات كأس العالم، لتصبح واحدة من المحطات البارزة في سجل البطولة العالمية.

تاريخ عريق في المونديال لمنتخب تونس

يملك المنتخب التونسي تاريخًا مميزًا في كأس العالم، حيث كانت مشاركته الأولى في نسخة الأرجنتين عام 1978، عندما صنع حدثًا تاريخيًا بفوزه على المكسيك بنتيجة 3-1، ليصبح أول منتخب عربي وإفريقي يحقق انتصارًا في تاريخ البطولة.

ومنذ ذلك الحين، شارك المنتخب التونسي في نسخ 1998 بفرنسا، و2002 في كوريا الجنوبية واليابان، و2006 بألمانيا، و2018 في روسيا، و2022 في قطر، قبل أن يسجل حضوره السابع في نسخة 2026.

وخاض "نسور قرطاج" خلال مشاركاتهم السابقة 18 مباراة في النهائيات، حققوا خلالها ثلاثة انتصارات وخمسة تعادلات مقابل عشر هزائم، وسجلوا 17 هدفًا واستقبلوا 27 هدفًا.

انتصارات خالدة وطموحات أكبر

ويبقى الفوز على المنتخب الفرنسي في مونديال قطر 2022 من أبرز المحطات في تاريخ المنتخب التونسي، إلى جانب الانتصار التاريخي على المكسيك في نسخة 1978 والفوز على بنما خلال كأس العالم 2018.

وتسعى تونس في النسخة المقبلة إلى تجاوز أفضل إنجازاتها السابقة وتحقيق حلم التأهل إلى الأدوار الإقصائية، وهو الهدف الذي لم يسبق لأي جيل تونسي تحقيقه في تاريخ المشاركات المونديالية.

تصفيات استثنائية وأرقام قياسية

بلغ المنتخب التونسي نهائيات كأس العالم 2026 بعد مشوار مميز في التصفيات الإفريقية، تصدر خلاله مجموعته برصيد 28 نقطة، وهو أعلى رصيد بين جميع المنتخبات المشاركة في التصفيات.

وحقق المنتخب تسعة انتصارات وتعادلًا واحدًا دون أي خسارة، كما سجل لاعبوه 22 هدفًا، بينما حافظ الفريق على نظافة شباكه طوال عشر مباريات متتالية، ليصبح المنتخب الوحيد الذي لم يستقبل أي هدف خلال مشوار التصفيات.

وجاء هذا الإنجاز تحت قيادة المدرب سامي الطرابلسي، الذي قاد المنتخب لتحقيق أفضل حصيلة نقاط في تاريخ التصفيات الإفريقية بنظام المجموعات، قبل أن يتولى المدرب الفرنسي صبري اللموشي المسؤولية الفنية استعدادًا لخوض منافسات كأس العالم.

وكان المنتخب التونسي قد ضمن تأهله رسميًا إلى النهائيات مبكرًا منذ الجولة الثامنة من التصفيات خلال فترة التوقف الدولي في سبتمبر الماضي، ليؤكد حضوره للمرة الثالثة تواليًا في أكبر محفل كروي عالمي.

مكانة إفريقية راسخة

على المستوى القاري، يعد المنتخب التونسي أحد أبرز المنتخبات الإفريقية، حيث شارك في 22 نسخة من كأس الأمم الإفريقية، وتوج باللقب القاري عام 2004.

كما حل وصيفًا في نسختي 1965 و1996، واحتل المركز الرابع في أعوام 1978 و2000 و2019، إلى جانب حضوره المتكرر في الأدوار المتقدمة من البطولة، ما عزز مكانته بين كبار منتخبات القارة السمراء.

جيل جديد على خطى النجوم

شهد تاريخ الكرة التونسية بروز العديد من الأسماء اللامعة التي تركت بصمة كبيرة مع المنتخب، من بينهم طارق ذياب وحمادي العقربي وعبد المجيد الشتالي وحاتم الطرابلسي وزبير بية، إضافة إلى راضي الجعايدي الذي يتصدر قائمة أكثر اللاعبين تمثيلًا للمنتخب برصيد 105 مباريات دولية.

وفي الوقت الحالي، يعتمد المدرب صبري اللموشي على مشروع فني جديد يقوم على ضخ عناصر شابة قادرة على المنافسة مستقبلاً، مع الحفاظ على عدد محدود من أصحاب الخبرات.

وضمت القائمة الحالية ستة لاعبين فقط من المشاركين في مونديال قطر 2022، وهم منتصر الطالبي وديلان برون وحنبعل المجبري وإلياس السخيري وعلي العابدي وأنيس بن سليمان، في إطار عملية إحلال وتجديد تستهدف بناء منتخب قادر على المنافسة بقوة في المستقبل.

ومع اقتراب صافرة البداية، تتطلع الجماهير التونسية إلى مشاركة استثنائية تعزز مكانة الكرة التونسية على الساحة العالمية، وتحقق الحلم المنتظر بعبور الدور الأول للمرة الأولى في تاريخ "نسور قرطاج".

مقالات مشابهة

  • تصعيد غير مسبوق.. الحرس الثوري الإيراني يستهدف الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين
  • باحث بالشأن الأمريكي: الولايات المتحدة وضعت نفسها في مأزق بسبب حرب إيران
  • “إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
  • قتيلان خلال احتجاجات في كينيا رفضاً لمركز أمريكي لعلاج إيبولا
  • وفرة في المنتجات الزراعية بسناو وسط حراك اقتصادي متزايد
  • فوائد غسل الوجه بالسدر.. وصفة طبيعية متوارثة لبشرة أكثر نقاءً وإشراقًا
  • الأمم المتحدة تحذر من تداعيات «إل نينيو» وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة عالميًا
  • منتخب تونس يستعد لكأس العالم 2026 بطموحات تاريخية.. النسور تبحث عن إنجاز غير مسبوق
  • ‎وزير الصحة: الاستثمار في القطاع الصحي يحقق نموًا اقتصاديًا أكثر استدامة
  • لماذا يتراجع الدولار في مصر؟.. خبير اقتصادي يكشف 7 عوامل تدعم قوة الجنيه