غياب الوعى وإجراءات السلامة والصحة المهنية أهم الأسباب أول أكسيد الكربون يقتل المصريين فى صمتخبراء: التهوية الجيدة واتباع ووجود طفاية حريق فى كل منزل ضرورة
لم تعد حوادث الغاز فى مصر مجرد أخبار عابرة تتصدر الصفحات ساعات ثم تختفى، بل أصبحت مشهداً متكرراً ينتهى دائماً بنفس الخاتمة بضحايا، وتحقيقات، ووعود لا تمنع الكارثة التالية، وانفجار هنا، واختناق هناك، وألسنة لهب تلتهم شققاً سكنية أو مطاعم أسفل عقارات، بينما يبقى السؤال معلقاً لماذا تتكرر الحوادث بنفس السيناريو، وبنفس الأخطاء، دون أن يتغير شىء.
وفى أغلب الوقائع، لا يكون الغاز وحده هو الجانى، بل سلسلة طويلة من الإهمال تبدأ بسلوكيات خاطئة داخل المنازل، وتمتد إلى غياب الالتزام بقواعد السلامة والصحة المهنية، وتنتهى عند ضعف الرقابة والمحاسبة، فكم من أسرة فقدت أحد أفرادها بسبب تشغيل سخان فى حمام مغلق بلا تهوية، وكم من شقة تحولت إلى كتلة لهب لأن صاحبها فتح مفتاح الكهرباء فور شم رائحة الغاز، وكم من انفجار سببه خرطوم تالف أو أسطوانة لم تفحص منذ سنوات، بينما كان يمكن تفادى الكارثة بإجراء بسيط أو وعى غائب.
ورغم تكرار التحذيرات، لا تزال بعض العادات الخطرة حاضرة بقوة فى الشارع المصرى، من اختبار تسريب الغاز بإشعال النار، إلى تجاهل تنظيف البوتاجاز والشفاطات، وترك السخانات تعمل داخل أماكن مغلقة، سلوكيات تحولت مع الوقت إلى أمر طبيعى فى مجتمع لم يتلقَّ حملات توعية حقيقية تشرح مخاطر الغاز وكيفية التعامل الآمن معه، ولم يتعلم أن الوقاية هى خط الدفاع الأول قبل سيارات الإسعاف والحماية المدنية.
ولا يقف الإهمال عند حدود المنازل، بل يمتد إلى المطاعم والمخابز والورش أسفل العقارات السكنية، حيث تتحول اشتراطات السلامة إلى أوراق تستوفى عند استخراج الترخيص، ثم تنسى تماماً على أرض الواقع، طفايات حريق غير صالحة، شفاطات مكدسة بالدهون، عمال لم يتلقوا تدريباً واحداً على كيفية التصرف وقت الطوارئ، وكل ذلك يحدث فى ظل وجود سكان يعيشون فوق هذه القنابل الموقوتة.
الأخطر من ذلك أن الجهات الرقابية، المنوط بها التفتيش والمتابعة، لا تزال تتهم بالعجز أو التراخى فى أداء دورها، فالحملات غالباً ما تأتى بعد وقوع الكارثة، لا قبلها، وتسجل المخالفات دون رادع حقيقى يمنع تكرارها، وفى ظل غياب المحاسبة الصارمة، يصبح الإهمال هو القاعدة لا الاستثناء.
هذا التحقيق يرصد الحوادث ويحاول الوصول للأسباب التى جعلت الغاز الذى تحول من كونه وسيلة أمان وراحة، إلى خطر دائم يهدد حياة الملايين.
وقائع متكررة
فى محافظة الجيزة شهدت منطقة إمبابة انفجاراً داخل عقار سكنى نتيجة تسرب غاز من ماسورة داخلية، أسفر عن إصابة عدد من السكان بحروق واختناقات، قبل أن يفارق أحدهم الحياة متأثراً بإصابته، وسط روايات أهالى المنطقة عن انتشار رائحة الغاز قبل الانفجار بدقائق دون تدخل أو إنذار مبكر.
وفى مدينة 6 أكتوبر، لقى زوجان مصرعهما اختناقاً داخل شقتهما بسبب تسرب الغاز أثناء النوم، حيث تبين أن الشقة كانت مغلقة تماماً دون تهوية، فيما لم يتمكن الجيران من إنقاذهما إلا بعد فوات الأوان، لتسجل الواقعة واحدة من أخطر حوادث «غاز السخان» التى تتكرر سنوياً.
كما لقيت الفنانة نيفين مندور مصرعها بسبب تسرب غاز فى منزلها ما أدى إلى وفاتها.
وشهد طريق الواحات واحدة من أعنف حوادث الغاز، بعدما أدى تسرب فى خط غاز رئيسى إلى انفجار هائل واشتعال النيران فى سيارات المارة، ما أسفر عن مصرع عدد من المواطنين وإصابة آخرين بحروق بالغة، فى حادث أعاد فتح ملف تأمين خطوط الغاز القريبة من الطرق والمناطق السكنية.
وفى المنيا، أصيب عدد من المواطنين بحالات اختناق داخل عقار سكنى بسبب تسرب غاز داخل إحدى الشقق، وتم نقلهم إلى مستشفى الصدر لتلقى العلاج، بينما كشفت التحقيقات الأولية عن غياب التهوية وعدم وجود وسائل أمان داخل المسكن.
ولم تتوقف الحوادث عند هذا الحد، إذ سجلت مناطق متفرقة فى إمبابة والقاهرة الكبرى وقائع مشابهة، شملت مصرع مواطنين وإصابة آخرين نتيجة تسرب الغاز داخل المنازل، سواء بسبب تلف الخراطيم، أو سوء تركيب السخانات، أو التعامل الخاطئ مع رائحة الغاز، مثل تشغيل الكهرباء أو إشعال النيران.
إجراءات السلامة
وتكشف هذه الوقائع المتكررة عن نمط واحد يتكرر فى أغلب الحوادث غياب التوعية، وضعف إجراءات السلامة، وعدم الالتزام بالصيانة الدورية، وتراخى الرقابة، فى انتظار تحرك جاد يضع السلامة المهنية فى مقدمة الأولويات قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.
التقت «الوفد» الدكتور حسام عرفات، أستاذ البترول والتعدين بكلية الهندسة، ورئيس شعبة المواد البترولية بالغرفة التجارية سابقاً، وأكد أن الحديث عن حوادث الغاز يجب ألا يبدأ من لحظة وقوع الكارثة، بل من الأساس، وهو إجراءات السلامة والصحة المهنية، معتبراً أن غياب الوعى هو السبب الرئيسى وراء معظم الحوادث، قبل أى حديث عن جودة المواسير أو كفاءة البنية التحتية.
وأوضح عرفات أن التوعية المجتمعية تمثل الخطوة الأولى والأهم قائلاً، يجب تدريب المواطن أو صاحب المنشأة وتوعيته بكيفية الاستخدام الآمن، وضرب مثلاً بعادة خطيرة منتشرة عند تغيير أسطوانة الغاز، حيث يقوم العامل أو ربة المنزل بإشعال النار حول الأسطوانة أو الخرطوم للتأكد من عدم وجود تسريب، وهى طريقة كارثية قد تؤدى إلى انفجار الأسطوانة فوراً حال وجود أى تسريب، وأكد أن الأسلوب الصحيح هو استخدام إسفنجة مبللة بالماء والصابون وتمريرها على الخرطوم والوصلات، فإذا ظهرت فقاعات دل ذلك على وجود تسريب يجب التعامل معه فوراً دون إشعال أى مصدر للحرارة.
وأشار إلى مثال آخر شائع داخل المنازل، وهو اشتعال النيران أثناء استخدام طاسة الزيت، موضحاً أن السبب غالباً لا يكون الزيت نفسه، بل تراكم الدهون والأوساخ على البوتاجاز أو المقلاة نتيجة عدم التنظيف المستمر، ما يؤدى إلى اشتعال مفاجئ للنيران، وشدد على أن التعامل الصحيح فى هذه الحالة يكون بخنق النار ومنع وصول الأكسجين إليها، عبر إلقاء فوطة مبللة بالماء فوق مصدر الاشتعال، وليس محاولة إطفائها بالماء مباشرة، لما قد يسببه ذلك من تفاقم الحريق.
سوء الاستخدام وغياب الوعى
وأكد عرفات أن تغيير ثقافة المجتمع يجب أن يسبق أى نقاش حول مدى تحمل مواسير الغاز أو كفاءتها المسئولية، موضحاً أن هذه المواسير مصممة وفق معايير فنية سليمة منذ البداية، ولو لم تكن كذلك لما صمدت من الأساس، ولكن المشكلة الحقيقية– بحسب قوله- تكمن فى سوء الاستخدام وغياب الوعى بإجراءات الأمان.
وضرب مثالاً آخر بالغ الخطورة، وهو تسريب الغاز داخل الشقة، حيث يلجأ كثيرون فوراً إلى تشغيل مفتاح الكهرباء، ما يؤدى إلى حدوث انفجار نتيجة الشرارة الكهربائية غير المرئية للعين، لكنها كافية لإشعال الغاز المتسرب، وأوضح أن التصرف السليم فى هذه الحالة هو غلق محبس الغاز فوراً، ثم فتح النوافذ والأبواب للتهوية، دون تشغيل أى مصدر كهربائى، حتى يزول الخطر تماماً.
وشدد على أهمية وجود طفاية حريق فى كل منزل باعتبارها عنصراً أساسياً من عناصر السلامة، مع ضرورة تدريب ربات البيوت وأفراد الأسرة على استخدامها بسرعة وكفاءة، لأن الثوانى الأولى فى الحريق تكون حاسمة فى منع تحوله إلى كارثة.
وبالنسبة لوجود الأفران والمخابز والمطاعم أسفل المنازل، أوضح عرفات أن المسئولية تقع على عاتق الجهات الرقابية والسيادية والحماية المدنية، المفترض بها المتابعة والتفتيش الدورى.
وأشار إلى أن أصحاب هذه المنشآت يحصلون عند استخراج التراخيص على اشتراطات واضحة للسلامة، تشمل توفير الطفايات، وتدريب العاملين، وضمان التهوية الجيدة، إلا أن هذه الشروط غالباً ما تستوفى على الورق فقط.
وأكد أن كثيراً من أصحاب المطاعم والمخابز يهملون تدريب العمال على إجراءات السلامة، كما لا يتم تنظيف الشفاطات وفتحات التهوية، فتتراكم الدهون بمرور الوقت حتى تصبح شرارة صغيرة كفيلة بإحداث كارثة.
وأضاف أن عدد طفايات الحريق يكون محدداً بوضوح، لكن البعض يكتفى بعدد رمزى توفيراً للنفقات، ثم يتساءل الجميع لاحقاً عن سبب الكوارث.
وأشار عرفات إلى أن الجميع مسئول بدءاً من المواطن، وصاحب المنشأة، وحتى الجهات الرقابية، مؤكداً أن الالتزام الجماعى بإجراءات السلامة والتدريب والتوعية أمور من شأنها الحد بشكل كبير من الحوادث.
وانتقد ما وصفه بتهاون بعض الحملات التفتيشية، التى ترصد المخالفات ثم تغادر دون إجراءات حاسمة، ما يشجع على الاستمرار فى الإهمال.
واختتم حديثه بتأكيد أن العنصر البشرى هو الأساس، وأن غياب التوعية وتفعيل القانون يؤديان إلى الاستهانة بالأرواح، مستشهداً بالمقولة «من أمن العقاب أساء الأدب» وأوضح أن العامل المصرى حين يسافر للخارج يلتزم بالقواعد لأنه يعلم أن القانون سيطبق بلا تهاون، بينما فى الداخل يسود شعور بالإفلات من العقاب، مطالباً بضرورة تفعيل القانون وفرض عقوبات رادعة على المهملين، لأن إتقان العمل والالتزام بالسلامة ليس خياراً، إنما واجب دينى ومجتمعى.
غازات سامة
من جانبه أكد الدكتور أمجد جمال، رئيس قسم العلاج بالأكسجين بمعهد ناصر، أن الأكسجين يعد العلاج الحاسم فى حالات الطوارئ الطبية الناتجة عن التسمم بالغازات، وعلى رأسها التسمم بغاز سيانيد الهيدروجين، وكذلك التسمم بغاز أول أكسيد الكربون، الذى يعد من أخطر أنواع التسمم وأكثرها شيوعاً داخل المنازل، خاصة خلال فصل الشتاء.
وأوضح أن غاز أول أكسيد الكربون يعرف بـ«القاتل الصامت» كونه غاز عديم اللون والرائحة، وينتج عن الاحتراق غير الكامل للوقود، ويزداد خطره مع تشغيل سخانات الغاز أو المدافئ داخل أماكن مغلقة سيئة التهوية.
وأشار إلى أن حالات كثيرة من التسمم تحدث أثناء الاستحمام بسبب سخانات الغاز، مؤكداً ضرورة توخى الحذر، وألا يكون الشخص بمفرده داخل المنزل، حتى يتم إنقاذه سريعاً فى حال حدوث تسرب، لأن تأخر وصول المصاب إلى المستشفى قد يؤدى إلى مضاعفات خطيرة تصل إلى إعاقات دائمة مثل التخلف العقلى.
وأضاف أن التسمم لا يقتصر على سخانات الغاز فقط، بل يحدث أيضاً نتيجة إشعال النار للتدفئة باستخدام الفحم أو الحطب، وهو أمر شائع فى بعض المناطق الريفية، ويتسبب سنوياً فى حالات وفاة عديدة.
كما تشمل مصادر الخطر تشغيل مولدات الكهرباء داخل المنازل أو الأماكن المغلقة، وترك محركات السيارات تعمل داخل الجراجات الضيقة، فضلاً عن الأفران والبوتاجازات القديمة التى تعانى سوء صيانة وانسداد المداخن.
وكشف جمال أن وزارة الصحة سجلت نحو 1200 حالة تسمم بأول أكسيد الكربون خلال العام الماضى، منها 30% تقريبًا حالات شديدة احتاجت للعلاج بالأكسجين عالى الضغط (HBOT)، بينما تراوحت نسبة الوفيات بين 5 و10% من الحالات التى وصلت المستشفى فى وقت متأخر، وتزداد هذه الحالات بشكل ملحوظ خلال الفترة من نوفمبر حتى فبراير، مع ارتفاع معدلات استخدام السخانات والمدافئ.
وأوضح أن شدة التسمم تعتمد على مدة التعرض للغاز، حيث يزداد تراكم أول أكسيد الكربون فى الهيموجلوبين، لافتاً إلى أن تركيزاً يصل إلى 35 جزءاً فى المليون (ppm) يعد شديد الخطورة عند التعرض لفترات طويلة.
وأكد أن الفئات الأكثر عرضة للخطر هم مرضى القلب والرئة، والحوامل، والأطفال، وكبار السن، خاصة فى الأماكن المغلقة ضعيفة التهوية.
وأشار إلى أن أعراض التسمم تبدأ بالصداع والدوخة والضعف العام والغثيان، وقد تتطور إلى آلام فى الصدر، وضيق تنفس، وتشوش وفقدان الوعى فى الحالات الشديدة.
وشدد على أهمية الالتزام بإجراءات الوقاية، من خلال تركيب وصيانة سخانات الغاز بواسطة فنيين معتمدين، وضمان التهوية الجيدة، وعدم تشغيل السيارات أو المولدات داخل أماكن مغلقة، مع ضرورة تركيب كواشف أول أكسيد الكربون فى المنازل والمحلات التجارية، وتغيير بطارياتها دورياً.
وأوضح أن التصرف السليم عند الاشتباه فى التسمم، هو ضرورة إخراج المصاب فوراً إلى الهواء الطلق، والاتصال بالإسعاف، وإعطاوه الأكسجين النقى بنسبة 100%، مع اللجوء إلى العلاج بالأكسجين عالى الضغط فى الحالات المتوسطة والشديدة.
واختتم بتأكيد أن التسمم بأول أكيد الكربون مشكلة صحية خطيرة يمكن تفاديها بسهولة عبر التهوية الجيدة، والصيانة الدورية للأجهزة، والالتزام بإرشادات السلامة، والتوجه الفورى لأقرب مستشفى عند ظهور الأعراض.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: سيارات الإسعاف الحماية المدنية محافظة الجيزة أول أکسید الکربون إجراءات السلامة داخل المنازل سخانات الغاز وأشار إلى وأوضح أن وأکد أن إلى أن
إقرأ أيضاً: