ما تداعيات إغلاق السوق الموازية للعملات في ليبيا؟
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
عندما أقدم مصرف ليبيا المركزي على خطوة تنظيم مكاتب وأسواق الصرافة وإغلاق غير المرخص منها في بنغازي وطرابلس، برر الخطوة بالحد من النشاط غير المنظم للسوق الموازية وتقليص تداول النقد الأجنبي خارج النظام المصرفي الرسمي، والسيطرة على الأسعار.
إلا أن مآلات الخطوة جاءت دون ما كان يُرجى منها. إذ سجلت سلة العملات الأجنبية أمام الدينار الليبي ارتفاعا أكبر مما كانت عليه قبل اتخاذ الخطوة، ووصل سعر صرف الدولار إلى عتبة 9 دنانير.
ومع بلوغ سعر صرف الدولار في السوق الموازية نحو 8.86 دينارات مقابل متوسط رسمي قدره 5.4 دينارات للدولار، رأى مصرف ليبيا المركزي أن هذه السوق هي التي صنعت أزمة الدولار.
ومع انقضاء كل هذا الوقت واستمرار التجار في تداول العملات الأجنبية بعيدا عن الأطر الرسمية -بحسب مصادر خاصة للجزيرة نت- وتفاقم أزمة السيولة النقدية في المصارف ومواصلة الدولار مساره التصاعدي، تتعاظم الأسئلة حول جديد الخطوة وتوقيتها وتداعياتها على السوق والعملة.
قرار متأخرالمحلل الاقتصادي محمد درميش -في قراءته للخطوة وتوقيتها- رأى أن خطوة المركزي جاءت متخبطة ومتأخرة، مشيرا إلى إخفاقه منذ عام 2015 في القيام بدوره كسلطة نقدية فاعلة.
ودعا في حديث للجزيرة نت إلى تبني خطة متكاملة وواضحة بعيدا عن البيانات المنقوصة والمقتضبة والتنسيق مع وزارة المالية.
صلاحيات أوسعمصدر خاص من داخل مصرف ليبيا المركزي -فضل عدم الكشف عن هويته- رجح أن تشهد سياسات المركزي تحولا جذريا خلال المرحلة المقبلة، لا سيما بعد استدعائه من مجلس النواب لاستيضاح آخر المستجدات الاقتصادية في اجتماع مقرر عقده الاثنين المقبل، وتنصل الأخير من مراجعة قرار الضريبة المفروضة على مبيعات النقد الأجنبي.
وحول جديد شركات الصرافة المرخصة أكد المصدر -للجزيرة نت- توجه المركزي لمنح المزيد من أذونات المزاولة لشركات ومكاتب الصرافة التي تقدمت بطلباتها حتى نهاية أغسطس/آب الماضي، مشيرا إلى أن المركزي سيمنحها صلاحيات أوسع لتنفيذ عمليات بيع النقد الأجنبي للمواطنين الخاصة بالأغراض الشخصية بحد أقصى 2000 دولار سنويا لأغراض مثل السفر والعلاج والدراسة، وتنفيذ بعض الحوالات الخارجية.
إعلانوتوقع أن يكون شهر أبريل/نيسان المقبل موعدا لعقد اجتماع يجمع محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى مع شركات الصرافة المرخصة لمناقشة المستجدات.
وللبحث في جذور الأزمة، يرى أستاذ الاقتصاد يوسف يخلف مسعود أن جذور أزمة السوق الموازية تعود إلى العام 2011 في ظل سوء إدارة السياسات النقدية لدى مصرف ليبيا المركزي، الذي ضخ آنذاك كتلا نقدية ضخمة خارج الأطر النظامية لتحقيق إيرادات سريعة، وفق ما وثقه تقرير ديوان المحاسبة في العام 2012.
ووقع الخطر الأكثر كلفة -بحسب مسعود- في آخر 2014، حين فرض المركزي قيودا انتقائية على تداول الدولار على خلفية اندلاع الحرب في طرابلس، وبرر الخطوة بأنها محاولة لاستعادة السيطرة النقدية.
بيد أن هذه الخطوة عززت من احتكار العملة الأجنبية عبر منحها لفئات محدودة، ما دفع السوق الموازية لرأب هذه الفجوة وتولي إدارة النقد الأجنبي.
طبع النقود لتمويل العجزأوضح الخبير الاقتصادي محمد المنفي أن أحد أهم أسباب تدهور قيمة الدينار هو اللجوء إلى ما يعرف بالتمويل النقدي لسد العجز في الموازنة العامة، فالحكومات المتعاقبة منذ العام 2014 ضغطت على المركزي لطباعة نقود جديدة لتغطية العجز الناتج عن انخفاض الإيرادات النفطية.
وأشار إلى أن هذا النوع من التمويل يرفع مستويات التضخم، إذ يؤدي إلى طرح المزيد من العملة المحلية في الأسواق دون زيادة مقابلة بالعملات الأجنبية، الأمر الذي يزيد الضغوط على سعر الصرف.
واعتبر المنفي أن قرار إغلاق الأسواق الموازية خطأ، ورأى أنه خطوة سياسية بامتياز بغية تشتيت انتباه الرأي العام عن جذر المشكلة، وهو الإنفاق الحكومي الكبير مقابل ضعف الإيرادات.
المستوردون يفضلون السوق الموازيةمن سوق فينيسيا في مدينة بنغازي، وهو أكبر أسواق تداول العملات الأجنبية، نفى مصدر خاص يعمل في السوق الموازية ويمتلك شركة صرافة أن تكون السوق الموازية هي سبب ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية أمام الدينار، عازيا السبب إلى سوء سياسات المركزي في ملف النقد الأجنبي.
وأضاف في حديث للجزيرة نت أن شريحة واسعة من المستوردين تفضل التعامل مع السوق الموازية، لضمان سرعة إنجاز التحويلات الخارجية رغم فارق السعر، في حين أن إجراءات مصرف ليبيا المركزي قد تمتد 3 أشهر.
من جهته رأى مصدر يعمل في سوق المشير بطرابلس -وهو أكبر سوق شعبي لتداول وبيع العملات الأجنبية ويبعد بضع خطوات عن مقر مصرف ليبيا المركزي- أن السوق تمكنت من توفير العملات الأجنبية للمواطنين وللشركات الخاصة بسرعة ومرونة، في ظل تعثر توفيرها من قبل المركزي.
وأوضح المصدر -الذي فضل عدم ذكر اسمه- أن المركزي يفرض شروطا إجرائية معقدة للحصول على الاعتمادات المستندية، لافتا في حديثه للجزيرة نت إلى أن المواطنين وتجار العملة فقدوا ثقتهم في سياسات المركزي نتيجة تخبط قراراته.
بعد توجه المركزي لإغلاق عدد من مكاتب الصرافة في السوق الموازية، أكد الخبير الاقتصادي علي الصلح للجزيرة نت امتلاك المركزي لبدائل تغطية الطلب على النقد الأجنبي، باعتباره المصدر الرئيسي للعملة الصعبة من عوائد النفط.
إعلانبيد أن امتلاك القدرة يختلف عن امتلاك الآلية، وفق ما قاله الصلح، معتبرا أن الحل يتجسد في انسيابية فتح الاعتمادات المستندية وتقليص الفجوة الزمنية بين طلب العملة والحصول عليها.
واقترح الخبير الاقتصادي علي الصلح الخطوات التالية لتحقيق الإصلاح المنشود:
تنظيم السوق عبر دمج كبار الفاعلين في السوق الموازية ضمن إطار قانوني خاضع لرقابة المركزي يسمح ببيع وشراء العملة بهامش ربح محدد فوق السعر الرسمي. تعديل سعر الصرف، إذ إن اعتماد سعر بعيد عن واقع العرض والطلب يؤدي إلى خلق سوق موازية للعملات الأجنبية. أهمية التعويم المُدار؛ حيث يتدخل المركزي لضمان وفرة العملة عند السعر الجديد.وأضاف الصلح أن نجاح هذا التوجه يتوقف على حجم الإنفاق المقترح في الميزانية والمقدر بنحو 155 مليار دينار (28.5 مليار دولار)، إضافة إلى حجم الاحتياطات النقدية وتوقعات إنتاج النفط 2026.
ويرى الصلح أن "سعر التوازن" القادر على تقليص الفجوة والقضاء على السوق الموازية يتراوح بين 6.50 و7.50 دنانير للدولار الواحد، شريطة صرف علاوة تضخم نقدية فورية للمواطن لتعويض فرق السعر.
وبحسب الصلح، فإن هذا السعر يحقق 3 أهداف رئيسة:
توليد سيولة بالدينار لتغطية بنود المرتبات والباب الأول من الموازنة دون عجز. كبح الطلب الوهمي، إذ يقلل السعر المرتفع نسبيا من استنزاف النقد الأجنبي. تحقيق قدر من العدالة في التوزيع عبر تقليص الفجوة بين السعرين؛ بما ينهي ثراء تجار الاعتمادات المستندية على حساب المواطن ويجعل السلع في السوق أكثر انسجاما مع مستويات الدخل.منصة إلكترونية موحدة
بدوره يرى رئيس الغرفة الاقتصادية والتجارية الليبية المصرية إبراهيم الجراري، أن المشاريع الصغرى والمتوسطة هي الحلقة الأضعف في ظل ما تعانيه من صعوبات كبيرة في الوصول إلى الاعتمادات المستندية.
وأرجع ذلك إلى التعقيدات الإجرائية والتأخير في توفير النقد الأجنبي.
وقال للجزيرة نت إن هذه التحديات مجتمعة تؤدي إلى تآكل سريع في رؤوس أموال المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتهددها بالإغلاق، ما يزيد من معدلات البطالة.
وطالب الجراري بتفعيل منصة إلكترونية موحدة وشفافة لتوزيع النقد الأجنبي وتكريس عدالة تحد من الاحتكار، بالإضافة إلى تخصيص حصة واضحة من العملات الأجنبية للمشاريع الصغرى والمتوسطة، فضلا عن تبسيط شروط فتح الاعتمادات للسلع الأساسية.
أي سيناريو ينتظر الدينار؟وحول مستقبل الدينار أمام العملات الأجنبية، رجح أستاذ الاقتصاد يوسف يخلف مسعود استمرار الضغوط على الدينار وعزا ذلك إلى عاملين رئيسيين:
ضعف كفاءة صناع القرار الاقتصادي. الانخراط في وصفات اقتصادية جاهزة مفروضة من مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي.وشدد مسعود على ضرورة:
وقف التمويل بالعجز وضبط نمو عرض النقد. توحيد أدوات السياسة النقدية. إصلاح المصارف تجاريا وماليا. ضبط منظومة الاعتمادات المستندية ومنع الاحتكار والتهريب. الالتزام بالشفافية الكاملة في سعر الصرف والرسوم وربط أي إجراء بخطة معلنة ومؤقتة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الاعتمادات المستندیة مصرف لیبیا المرکزی فی السوق الموازیة العملات الأجنبیة النقد الأجنبی للجزیرة نت سعر صرف
إقرأ أيضاً:
تداعيات حرب إيران والجفاف يُقلصان حصاد القمح الأسترالي.. ومخاوف من نقص المعروض
حذرت الحكومة الأسترالية من أن موسم حصاد القمح القادم سيكون الأضعف منذ ثلاث سنوات، في ظل ارتفاع تكاليف الأسمدة وموجة الجفاف التي تعاني منها مناطق واسعة من البلاد.
تعد أستراليا من كبرى الدول المصدرة للقمح وغيره من المحاصيل، ما يثير مخاوف تراجع إنتاجها إلى تقلص المعروض العالمي، ما سيولد ضغطا على الأسعار التي بلغت أعلى مستوياتها في عامين خلال شهر مايو الماضي، على خلفية خسائر المحاصيل في الولايات المتحدة.
وكشف المكتب الأسترالي للاقتصاد الزراعي وعلوم الموارد(ABARES) ، في تقريره الفصلي ، أن الحصاد المنتظر في أواخر عام 2026 لن يتجاوز 26.7 مليون طن من القمح، وهو ما يعد أقل بنحو تسعة ملايين طن عن الموسم المنصرم، وثمانية ملايين طن دون المتوسط المسجَّل في المواسم الخمسة الأخيرة.
ولقد تضررت سلاسل إمداد الأسمدة بشكل لافت منذ أن أسفرت الحرب في إيران عن تضييق الخناق على شحنات دول الخليج، مما أشعل فتيل ارتفاع غير مسبوق في أسعارها.
ويرى المكتب أن هذا الواقع سيضطر المزارعين إلى تقليص كميات الأسمدة المستخدمة، مما ينعكس مباشرة على إنتاجية المحاصيل.
وعلى الصعيد المناخي، عانت مناطق واسعة من شرق أستراليا من شُح في الأمطار لأشهرٍ متتالية، وعلى الرغم من أن اتساع نطاق هطول الأمطار في مايو الماضي أسهم في تحسن جزئي في ظروف نمو المحاصيل، فلا يزال مكتب الأرصاد الجوية يتوقع وقوع ظاهرة النينيو وهطول أمطار دون المستويات الطبيعية في الأشهر المقبلة.
وفي هذا الإطار، أكد المكتب أن "الوفاء بالتوقعات الإنتاجية الحالية مرهونٌ بتوافر الأسمدة بكميات كافية وفي الوقت المناسب، إلى جانب تساقط الأمطار بكميات وافية".
وقدَّر المكتب الأسترالي للاقتصاد الزراعي وعلوم الموارد أن المساحة المزروعة بالقمح ستنخفض بنسبة 12 بالمئة مقارنةً بالموسم الماضي، لتبلغ 10.9 مليون هكتار، وهو أدنى مستوى منذ موسم 2019-2020.
في المقابل، من المرتقب أن ترتفع مساحة زراعة الشعير - الذي يستلزم كميات أسمدة أقل مقارنةً بالقمح - بنسبة 4 بالمئة عن الموسم الماضي لتصل إلى خمسة ملايين هكتار، غير أن الإنتاج سيظل يشهد تراجعًا بنسبة 15 بالمئة ليستقر عند 14.1 مليون طن، أما مساحة زراعة الكانولا - التي تحتاج إلى كميات وفيرة من الأسمدة وإن كانت أعلى قيمة من القمح - فمن المتوقع أن تتقلص بنسبة 6 بالمئة لتصل إلى 3.5 مليون هكتار، فيما سيكون الحصاد أصغر بنسبة 20 بالمئة ليبلغ 6.2 مليون طن.
وأظهرت بيانات حكومية أن أستراليا أوشكت على إتمام فترة زراعة البذور، فيما يُرتقب انطلاق موسم الحصاد مع اقتراب نهاية العام الجاري.