مفهوم الرسالة والفرق بينها وبين النبوة
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
تعد الرسالة خطاب تكليفي من الله تعالى للرسول والنبي لدعوة الناس إلى الدين الحق؛ لأن الناس في حاجة إلى من يرشدهم ويوجههم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويبصرهم بأمور دينهم، ويعرفهم بأحكام الشريعة، ويتناغم الكون في ذكر ربه، وما كان هذا إلا ليقيم عليهم الحجة البالغة، والإيمان بالرسل كلهم واجب شرعي لا يصح أن يؤمن بنبي دون آخر فمن أنكر جزء فقد أنكر الكل؛ لأن الأصل واحد كلهم من مشكاة واحدة.
تعريف الرسالة
الرسالة لغة: ما يرسل، والرسالة: الخطاب، والرسالة: كتاب يشتمل على قليل من المسائل تكون في موضوع واحد، ورسالة الرسول: ما أُمِرَ بتبليغه عن الله، ودعوته الناس إلى ما أوحي إليه- كما في الوسيط [المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ١/ ٣٥٦ وما بعدها].
واصطلاحًا: هي اختصاص العبد بسماع وحي الله تعالى بحكم شرعي تكليفي، وأمر بتبليغه.
وتختلف الرسالة عن النبوة التي تعني اختصاص العبد بسماع وحي الله بحكم شرعي تكليفي سواء أمر بتبليغه أم لا.
حاجة البشر إلى الرسالة
وترجع حاجة البشر إلى الرسالة، إلى عدة أسباب، وهم:
(أ) التعريف بحقائق الدين وأحكام الشريعة، ليقوم الناس بالعدل كقوله تعالى: {لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ} [الحديد ٣٥].
(ب) قطع الحجة على الناس لقوله تعالى: {رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ} [النساء١٦٥].
(جـ) إن العقل وحده في قصور عن إدراك المعرفة المتصلة برب العالمين، كما أنه يضل تحت ضغط تأثير ودافع التقليد.
(د) حاجة الإنسان للرسل؛ لكي يتم التوفيق بينه وبين الكون المسبح لربه. قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ} [الإسراء٤٤].
ولقد دعا الإسلام إلى الإيمان بجميع الرسل دون التفريق بينهم، فمن كفر بواحد كمن كفر بالجميع على حد سواء {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا} [النساء١٥٠ - ١٥١].
وهم من الكثرة، بحيث لا يعد عددهم، ولا يحصى ولا يعلم عددهم إلا الله سبحانه وتعالى، وإن كان القرآن ذكر ما يربو على خمسة وعشرين رسولا، إلا أنه خاطب رسوله محمدا -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ} [النساء١٦٤].
وهؤلاء الرسل والأنبياء الذين ذكروا في القرآن يجب الإيمان برسالتهم ونبوتهم تفصيلا، بمعنى أن الإنسان لو عرض عليه واحد منهم، لا ينكر نبوته ولا رسالته إن كان رسولا، فمن أنكر نبوة واحد منهم، أو أنكر رسالة من بعث منهم برسالة كفر. وأما الأنبياء والرسل الذين لم يقصهم القرآن علينا، فقد أمرنا أن نؤمن بهم إجمالا، وليس لنا أن نقول برسالة أحد من البشر أو نبوته ما دام القرآن لم يذكره في عدد الأنبياء والرسل، ولم يخبرنا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
الرسالة
ومن لوازم الإيمان بالرسل وجوب الاعتقاد بعلو فطرتهم وصحة عقولهم وصدقهم في أقوالهم وأمانتهم في تبليغ ما عهد إليهم أن يبلغوه؛ ورسل الله هم القدوة للناس في زمانهم والكواكب الساطعة في الليالي المظلمة، بهم يهتدون، وبأخلاقهم يتأسون، وبأفعالهم يقتدون؛ قال تعالى: {وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ} (الأنبياء٧٣)؛ وقوله: {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} [الأحزاب ٢١].
ولقد اقتضت حكمة الله وسنته في البشرية أن يرسل إلى كل أمة رسولا بلسان قومه، قال تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ} [إبراهيم ٤]؛ وقوله: {وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ} [فاطر ٢٤].
ولقد علم الله أنبياءه ورسله أسماءه وصفاته، وحدد ذلك تحديدا دقيقا؛ أصبح على المسلم بعدها أن يتبع ولا يبتدع، صحيح يمكن أن نستخلص بعض صفات الخالق سبحانه وتعالى بعقولنا بدون رسل بعد أن نرى آثارها في أرجاء الكون، فمثلا آثار الخلق تشهد أنها من صنع الخالق، وآثار الحكمة تشهد أنها من صنع الحكيم. وهناك قاعدة تقول إن الآثار تدل على الأسماء، والأسماء تدل على الصفات، والصفات تدل على الذات، فالكون من آثار الله، وحوادثه من آثار الله كذلك، قال تعالى: {فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ} [الروم ٥٠].
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الرسالة الرسالة لغة قال تعالى
إقرأ أيضاً:
خالد الجندي: عصر التزييف الرقمي يفرض علينا حسن الظن.. وسوء الظن يهدم المجتمعات
حذر الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، من تصاعد ما وصفه بـ“عصر الفتن الرقمية” مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الواقع أصبح ممتزجًا بالمحتوى المزيّف، ما يجعل التمييز بين الحق والباطل أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
التمسك بقيم أخلاقية راسخةوأوضح الجندي، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الثلاثاء، أن هذا الواقع الجديد يفرض على المجتمعات ضرورة التمسك بقيم أخلاقية راسخة، في مقدمتها “حسن الظن” و”التماس الأعذار”، مشيرًا إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، معتبرًا أن سوء الظن المتكرر يؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وانهيار الثقة بين الناس.
ثقافة حسن الظنوأشار إلى أن المجتمعات في السابق، رغم غياب وسائل الإعلام الحديثة، كانت أكثر تماسكًا بفضل انتشار ثقافة حسن الظن، والتعامل بروح العذر والرحمة بين الناس، مؤكدًا أن هذه القيم كانت عنصرًا أساسيًا في حفظ استقرار المجتمع.
واستشهد بما نُقل عن بعض السلف الصالح، ومنهم ما رُوي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال”، في إشارة إلى ضرورة عدم الانسياق وراء الشائعات أو الروايات غير الموثوقة.
التزكية والأخلاقوأشار إلى ما ورد عن العلماء في تراث التزكية والأخلاق، ومنه قول سعيد بن المسيب رحمه الله: “ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك”، موضحًا أن الأصل في التعامل بين الناس هو حمل أفعال الآخرين على الخير ما أمكن.
وأكد أن النصوص القرآنية والسنة النبوية دعت إلى هذا المعنى، مستشهدًا بقوله تعالى في سورة الحجرات، داعيًا إلى تجنب الظنون السيئة التي تزرع القطيعة بين الناس.
التسرع في الحكم على الآخرينوشدد الجندي على أن التسرع في الحكم على الآخرين، أو الانسياق وراء محتوى مجهول المصدر عبر وسائل التواصل، يؤدي إلى فقدان الثقة وتفكك العلاقات، مؤكدًا أن “حسن الظن” ليس سذاجة، بل هو وعي أخلاقي يحمي المجتمع من الانهيار النفسي والاجتماعي.
ونبه على أن التماس الأعذار والبحث عن التفسير الإيجابي لسلوك الآخرين يخفف من التوتر الاجتماعي، ويحفظ المودة بين الناس، ويمنع تراكم الضغائن التي تهدد استقرار الأسر والمجتمعات.