الأسبوع:
2026-07-23@21:58:06 GMT

في محبة الدكتور محمد عبد المطلب

تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT

في محبة الدكتور محمد عبد المطلب

أبى العام المنصرم أن يفارقنا إلا بفقد شاجٍ حزين، برحيل الناقد الدكتور محمد عبد المطلب في 26 نوفمبر 2025 الذي أثرى ساحة النقد العربيّ بإسهاماته الرصينة، قرابة خمسين عامًا، منذ حصل على الدكتوراه في البلاغة والنقد عام 1978.

ما زلت أذكر له إلى الآن موقفه الحاسم وغيرته على الشعر العربيّ، عندما عارض بصلابة الناقد السعودي الرائد الدكتور عبد الله الغذامي، في المؤتمر الدولي الأول للنقد الأدبي الذي أقيمت فعالياته بدار الدفاع الجوي بالقاهرة عام 2000، عندما أثار «الغذامي» آنذاك عاصفة النقد الثقافي، متحمسا له ومبشرًا به، وطارحا مدخله القرائي الثقافي الصادم للشعر العربيّ، وهو المدخل الذي يفترض وجود أنساق ثقافية «قبحية» مضمرة، تختبئ خلف جماليات الشعر المعروفة من بناء وموسيقى وتصوير.

. .إلخ. بل ذهب إلى أن هذه الأنساق المضمرة تتوسل بل لا تمر إلا عبر هذه الجماليات الأدبية. وتأسيسًا على مدخله ذاك، اتهم «الغذامي» الشعر العربيّ بـ«شعرنة» الحياة العربية، وصناعة الطغاة، وتدشين الفحل الأوحد من خلال الإغراق في المديح التملقيّ المتكسب، وعليه تساءل «الغذامي»: المتنبي مبدع عظيم أم شحاذ عظيم.. .؟ ومحملا الشعر العربي المسئولية عن بروز «الأنا» المتضخمة لصدام حسين.. .وهنا سأله الدكتور محمد عبد المطلب سؤالا جوهريا: إذا كان الشعر العربيّ فعلا هو المسئول عن صناعة الطغاة، فمن الذي صنع طغاة الغرب الأوروبي مثل: «أدولف هتلر»، زعيم ألمانيا النازية، و«بنيتو موسوليني» مؤسس الفاشية الذي حكم إيطاليا حكمًا ديكتاتوريا، و«جوزيف ستالين» الذي قتل ما يقرب من عشرين مليونا؟

لم يكن بيني وبين الدكتور محمد عبد المطلب ارتباط شخصيّ، والارتباط الشخصيّ هو أضعف أنواع الارتباط، كما قال نجيب محفوظ، في أحد لقاءاته المتلفزة. وإنما كان الارتباط بمشروعه النقديّ والفكريّ، وموقفه المتوازن من التراث والحداثة، فلا انغلاق مطلقا ولا انفتاح مطلقا. وكثيرًا ما رأينا انحيازًا متعصبا لأحد طرفيْ هذه الثنائية، التي يريد لها البعض أن تكون ثنائية متعارضة، وما ينبغي لها. فالبلاغة العربية والنقد العربيّ لم يكونا يوما حلقة منفصلة أو منعزلة لا تؤثر ولا تتأثر بالتيارات الثقافية الوافدة في عصرها أو العصور التالية لها، كما أن الحداثة ليست نهاية التاريخ وذروة تجليه، وليست حكرًا على عصر دون سواه، وهي - أخيرًا - ليست غربية أوروبية فقط. فظواهر الحداثة - كما يرى الدكتور محمد عبد المطلب - لها طابع مطلق، لا يمكن أن نربطه بمكان أو زمان معين، ومن هنا صحّ أن نوازن بينها وبين موروثنا القديم، على الرغم من محدوديته الزمانية والمكانية.

وبناءً على هذه الرؤية، أقام الدكتور محمد عبد المطلب، جسرًا بين الموروث البلاغيّ القديم والحداثة، فربط بين البلاغة القديمة والأسلوبية الحديثة في كتابه "البلاغة والأسلوبية"، مكتشفا المنبهات الأسلوبية في المباحث البلاغية المعروفة: كالعدول، والتكرار النمطي، والسياق، وسياق الذكر والحذف، وسياق التقديم والتأخير، وسياقات التعريف والتنكير..

وفي قطاع طوليّ عميق، أصّل الدكتور محمد عبد المطلب لقضايا الحداثة عند الإمام عبد القاهر الجرجاني، الذي يمثل ذروة تطور البلاغة العربية، فقد تحولت البلاغة على يديه إلى علم راسخ الأركان، بعد أن كانت مجرد شذرات ونظرات متناثرة. ومن القضايا الحداثية التي أصّل لها الدكتور عبد المطلب في تراث عبد القاهر من خلال سفريه الجليلين: «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»: الأسلوب، والشعرية، والتناص، والمبدع، والمتلقي.

وبهذا الإسهام احتل الدكتور محمد عبد المطلب مكانة بارزة بين زملائه الذين قرءوا التراث البلاغيّ واصلينه بالأسلوبية الحديثة، وفي مقدمتهم الدكتور شكري محمد عياد، ود.لطفي عبد البديع، ود.عبد السلام المسدّي، ود.عز الدين إسماعيل، ود.صلاح فضل، ود.عبد الحكيم راضي، وكل هؤلاء - باستثناءات طفيفة - يمثلون التلمذة الوفيّة، والإضافة المجتهدة للمنهج الذي أرساه شيخ الأمناء الشيخ أمين الخولي (1895م - 1966م) الذي راد هذا الاتجاه، وطبقه في كتابه «فن القول»، الذي بناه على المقارنة بين البلاغة العربية التقليدية، وبلاغة المحدثين، ممثلين - في عصره - في المؤلف الإيطالي «لباريني» في كتابه «الأسلوب الإيطالي».

ولم يقتصر الدكتور محمد عبد المطلب على هذه المقاربات البحثية التي تنقب عن القيم الجمالية الخالدة في كنوز التراث البلاغيّ، ووصلها - توفيقا خلاقا، لا تلفيقا بثوبيْ زور - بقيم الحداثة الغربية الوافدة، وإنما كان متابعًا نشطا دءوبا، وحاضرا حضورا فعالا في قلب المعترك الإبداعي والنقديّ المعاصر: رصدا وفرزًا وتحليلا، بكتبه، التي ستبقى كالصوى الهاديات في مسيرة النقد الأدبي الحديث، مثل: «بناء الأسلوب في شعر الحداثة»، و«قراءات أسلوبية في الشعر الحديث»، و«هكذا تكلم النص»، و«بلاغة السرد النسوي»، و«القراءة الثقافية»، و«اللغة والهوية»، و«العلامة والعلامية» ( السيميولوجيا). وقد احتفى الدكتور محمد عبد المطلب، حفاوة خاصة، بشعراء السبعينيات، فرعى حداثتهم، واحتضن تمردهم الشعريّ، وخصهم بكتابين هما: «تقابلات الحداثة في شعر السبعينيات» و«شعراء السبعينيات وفوضاهم الخلاقة».

تُوجت جهود الدكتور محمد عبد المطلب في البلاغة تأصيلا وتحديثا، وفي النقد الأدبي والثقافي تنظيرًا وتطبيقًا، بتكريمات مستحقة فقد نال جائزة البحوث الممتازة، من جامعة عين شمس 1986، وجائزة مؤسسة البابطين في النقد الأدبي1991، وجائزة مؤسسة يماني في نقد الشعر1994، ووسام فارس من الحكومة الفرنسية1997، والجائزة التقديرية في الفنون والآداب من جامعة عين شمس2006، وجائزة رجاء النقاش (اتحاد الكتاب) 2009. رحم الله الدكتور محمد عبد المطلب.

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: نجيب محفوظ البلاغة والنقد البلاغة د صلاح عبادة النقد العربي البلاغة العربية الشعر العربی

إقرأ أيضاً:

افتتاح ملتقى السرد العربي السابع ضمن فعاليات جرش

صراحة نيوز – افتتح أمين عام وزارة الثقافة الدكتور نضال الأحمد اليوم الخميس في قاعة الاحتفالات بدائرة المكتبة الوطنية بعمان “ملتقى السرد العربي” بدورته الـ7 (دورة الروائي هاشم غرايبة)، ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لرابطة الكتاب الأردنيين في مهرجان جرش للثقافة والفنون بدورته الــ40 التي تأتي تحت شعار “إرث يمتد.. أجيال تلتقي”.

وفي حفل افتتاح “الملتقى” الذي حضره رئيس الوزراء الأسبق العين الدكتور عمر الرزاز والعين المؤرخة الدكتور هند أبو الشعر وضيوف الملتقى من أدباء ونقاد عرب وكتاب ومثقفون أردنيون، قال الأحمد في كلمته؛ إن هذا الملتقى الذي يحمل عنوان “ملتقى السرد العربي في دورته السابعة ويعاين تحولات الألفية الثالثة”ضمن البرنامج الثقافي لمهرجان جرش الذي يتواصل منذ أربعة عقود يؤكد مكانة الأردن في المشهد الثقافي العربي والثقة التي يحوزها من المبدع العربي، وهي ثقة تحمل الكاتب والمثقف الأردني والمؤسسات والهيئات الثقافية الأردنية مسؤولية كبيرة بوصفها بيوت للخبرة وفضاءات للحوار النقدي والفكري للارتقاء بآفاق السرد العربي.

ولفت في حفل افتتاح الملتقى الذي أدارته عضو الهيئة الإدارية للرابطة القاصة سامية العطعوط، الى أهمية توافر منهجية البحث لمن يتصدى لمسؤولية تطوير السرد، وتغذية السرد كعلم بالمراجع النقدية والأدوات والتقنيات الحديثة التي تواكب تحولات السرد وتطوره، مشيرا الى ان موضوع السرد الأدبي يتقاطع مع السرد الثقافي والتاريخي الذي يتصل بـ”السردية الأردنية .. حكاية الأرض والإنسان” في الآلية التي تتم فيها توثيق القصص وفي تداخل وظيفتي الكتابة الأدبية والتوثيق الثقافي والتاريخي لجهة التداخل المعرفي العميق.

وأكد، أن هذه الدورة تمثل محطة مهمة في مسيرة المهرجان فنيا وتنظيميا وإداريا وبرامجيا لأنها تشكل انطلاقة جديدة تعكس المكانة التي وصل إليها المهرجان، وتسعى لترسيخ الحضور الثقافي الأردني وتعزيز مكانة الأردن على خريطة المهرجانات الثقافية والفنية عربيا ودوليا، كما تمثل محطة مهمة في اهتمام الدولة بالسردية الأردنية التي تتجلى في كل صنوف الإبداع.

وقال رئيس الرابطة الدكتور رياض ياسين بكلمة ألقاها في الافتتاح إن انعقاد هذا الملتقى يأتي في لحظة تاريخية تتسارع فيها التحولات الثقافية والمعرفية على نحو غير مسبوق، إذ أعادت الثورة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الى جانب التحولات السياسية والاقتصادية العالمية، تشكيل المشهد الثقافي، وأثرت في طرائق إنتاج النصوص السردية وتلقيها، وفي طبيعة العلاقة بين الكاتب والقاريء وبين الواقع والمتخيل .

ولفت الى انه في ظل ما اصطلح عليه بـ”السيولة” في عالمنا المعاصر، بات السرد العربي مطالبا بإعادة النظر في أدواته وأسئلته وتقنياته، ليستوعب هذه المتغيرات ويقرأ آثارها العميقة في الانسان والمجتمع، مبينا أن الملتقى ينعقد هذا العام ليتناول تحولات السرد العربي ليس بوصفها تحولات فنية وحسب وإنما باعتبارها انعكاسا لتحولات ثقافية واجتماعية وسياسية ومعرفية كبرى، غدت تؤثر في بنية الخطاب السردي وموضوعاته ولغته وآليات اشتغاله.

وقال في كلمة اللجنة التنفيذية للملتقى، الروائي جلال برجس “يلتئم شملنا اليوم لنشرع باب الدورة السابعة من ملتقى السرد العربي في فضاء المملكة الأردنية الهاشمية، هذا الفضاء الذي طالما كان موطنا للحكاية ومستقرا للثقافات وملتقى للأصوات التي تبحث عن معنى الإنسان في هذا العالم المتحول”.

ولفت الى أن السرد في الألفية الثالثة يواجه أسئلة جديدة؛ أسئلة التكنولوجيا وتحولات الهوية وتغير الانسان بالمكان والزمان، الا ان الانسان قادر على التجدد لأن جوهره الأول هو الانسان والذي لا ينتهي من طرح الاسئلة.

وفي كلمة الأدباء العرب المشاركين قال الناقد العراقي الدكتور ضياء الخضير “من عمان ومن جرش المهرجان والمدينة التي ما تزال حجارتها تحفظ صدى الخطى القديمة وتمنح الحاضر وحكايته معنى أن يكون امتداد لذاكرة لا تنطفيء، نلتقي في ملتقى السرد حيث لا يون هذا العالم السحري مجرد حكاية تروى بل فعل مقاومة للنسيان ومحاولة لفهم الانسان في علاقته بالمكان والزمن والآخر”.

وأكد، أن الثقافة ليست ترفا كونها احد الطرق الاخيرة المتبقية في الدفاع عن المعنى وحماية الذاكرة والهوية وتجديد لغة الخطاب وبناء جسور الحوار بين الشعوب.

المحتفى به الروائي هاشم الغرايبة الذي تغالب على وضعه الصحي القى كلمة قال فيها انه يمارس الكتابة لكي ينجو كون الكلمة موقف وهي تسري بين الناس، معربا عن سعادته بحضور هذه النخبة من الادباء والكتاب الاردنيين والعرب، وقدم شكره لوزارة الثقافة و”مهرجان جرش” ورابطة الكتاب.

واستعرض تجربته في الكتابة منذ بواكيرها حيث النشأة الاولى والتجارب التي عايشها ، كما إستعاد في كلمته ذكرياته مع صديقة الروائي الراحل مؤنس الرزاز .

من جهته دعا العين الرزاز في مداخلة له، الروائي الغرايبة أن يستمر بهذا النفس المصر على الاستمرار ومواجهة الحقيقة وأن يقول الواقع، مخاطبا الغرايبة بأن كل عربي يقرأ سيستمد طاقته من كل ما كتبت بالشأن العربي.

وعرضت في حفل افتتاح الملتقى، مادة فيلمية عن الروائي هاشم غرابية.

وفي ختام الحفل، سلم العين الرزاز وياسين درع الرابطة التكريمي للروائي الغرايبة.

وفي الجلسة الأولى التي تواصلت بعد الافتتاح قدم القاص سعود قبيلات شهادة وقراءة في تجربة الروائي هاشم غرايبة حملت عنوان “هاشم غرايبة .. رفيقي القديم وكتاباته”.

واستعاد قبيلات ذكرياته حينما تعرف شخصيا الى غرايبة لاول مرة عام 1979 وكان قد قرأ له بعض القصص، مستعرضا مسيرة علاقته معه.

وتحدث في الجلسة التي أدارتها القاصة العطعوط عن ابرز سمات كتابة هاشم غرايبة، ومنها بأنه بعيد عن الزخرفة والاستعراض البلاغي وأن شخصياته في ما يكتب مقنعة للقاريء ولا تتحدث بلغة المؤلف ولا تؤدي أدوار مقحمة وأن سرده هادئا وعميقا من غير فقر شعوري وواضحا من غير مباشرة وبسيطا من غير تسطيح.

ونوه بأن ما يميز كتابات غرايبة هو أن الانسان في مركز السرد لديه وأن الواقعية بوصفها إعادة إكتشاف للواقع.

مقالات مشابهة

  • نادي القصة يعلن تفاصيل الدورة الثالثة لـ "مؤتمر الطفل العربي" بدار الأوبرا
  • من ابتسامة رونالدو إلى ذقن فينيسيوس.. حين يتجه نجوم الكرة إلى عيادات التجميل
  • ما سبب الصلع عند الرجال .. اكتشف السر
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • جائزة الدكتور ساعد بن سعد العرابي الحارثي للتفوق العلمي تحتفي بالفائزين في دورتها الثانية والعشرين
  • هل المصريون فراعنة؟.. إجابة مفاجئة من الدكتور عماد الساعي
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • الدكتور طارق حنيش: مساندة متواصلة للجسم الإعلامي ومؤازرة ثابتة للصحفيين
  • افتتاح ملتقى السرد العربي السابع ضمن فعاليات جرش