أبى العام المنصرم أن يفارقنا إلا بفقد شاجٍ حزين، برحيل الناقد الدكتور محمد عبد المطلب في 26 نوفمبر 2025 الذي أثرى ساحة النقد العربيّ بإسهاماته الرصينة، قرابة خمسين عامًا، منذ حصل على الدكتوراه في البلاغة والنقد عام 1978.
ما زلت أذكر له إلى الآن موقفه الحاسم وغيرته على الشعر العربيّ، عندما عارض بصلابة الناقد السعودي الرائد الدكتور عبد الله الغذامي، في المؤتمر الدولي الأول للنقد الأدبي الذي أقيمت فعالياته بدار الدفاع الجوي بالقاهرة عام 2000، عندما أثار «الغذامي» آنذاك عاصفة النقد الثقافي، متحمسا له ومبشرًا به، وطارحا مدخله القرائي الثقافي الصادم للشعر العربيّ، وهو المدخل الذي يفترض وجود أنساق ثقافية «قبحية» مضمرة، تختبئ خلف جماليات الشعر المعروفة من بناء وموسيقى وتصوير.
لم يكن بيني وبين الدكتور محمد عبد المطلب ارتباط شخصيّ، والارتباط الشخصيّ هو أضعف أنواع الارتباط، كما قال نجيب محفوظ، في أحد لقاءاته المتلفزة. وإنما كان الارتباط بمشروعه النقديّ والفكريّ، وموقفه المتوازن من التراث والحداثة، فلا انغلاق مطلقا ولا انفتاح مطلقا. وكثيرًا ما رأينا انحيازًا متعصبا لأحد طرفيْ هذه الثنائية، التي يريد لها البعض أن تكون ثنائية متعارضة، وما ينبغي لها. فالبلاغة العربية والنقد العربيّ لم يكونا يوما حلقة منفصلة أو منعزلة لا تؤثر ولا تتأثر بالتيارات الثقافية الوافدة في عصرها أو العصور التالية لها، كما أن الحداثة ليست نهاية التاريخ وذروة تجليه، وليست حكرًا على عصر دون سواه، وهي - أخيرًا - ليست غربية أوروبية فقط. فظواهر الحداثة - كما يرى الدكتور محمد عبد المطلب - لها طابع مطلق، لا يمكن أن نربطه بمكان أو زمان معين، ومن هنا صحّ أن نوازن بينها وبين موروثنا القديم، على الرغم من محدوديته الزمانية والمكانية.
وبناءً على هذه الرؤية، أقام الدكتور محمد عبد المطلب، جسرًا بين الموروث البلاغيّ القديم والحداثة، فربط بين البلاغة القديمة والأسلوبية الحديثة في كتابه "البلاغة والأسلوبية"، مكتشفا المنبهات الأسلوبية في المباحث البلاغية المعروفة: كالعدول، والتكرار النمطي، والسياق، وسياق الذكر والحذف، وسياق التقديم والتأخير، وسياقات التعريف والتنكير..
وفي قطاع طوليّ عميق، أصّل الدكتور محمد عبد المطلب لقضايا الحداثة عند الإمام عبد القاهر الجرجاني، الذي يمثل ذروة تطور البلاغة العربية، فقد تحولت البلاغة على يديه إلى علم راسخ الأركان، بعد أن كانت مجرد شذرات ونظرات متناثرة. ومن القضايا الحداثية التي أصّل لها الدكتور عبد المطلب في تراث عبد القاهر من خلال سفريه الجليلين: «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»: الأسلوب، والشعرية، والتناص، والمبدع، والمتلقي.
وبهذا الإسهام احتل الدكتور محمد عبد المطلب مكانة بارزة بين زملائه الذين قرءوا التراث البلاغيّ واصلينه بالأسلوبية الحديثة، وفي مقدمتهم الدكتور شكري محمد عياد، ود.لطفي عبد البديع، ود.عبد السلام المسدّي، ود.عز الدين إسماعيل، ود.صلاح فضل، ود.عبد الحكيم راضي، وكل هؤلاء - باستثناءات طفيفة - يمثلون التلمذة الوفيّة، والإضافة المجتهدة للمنهج الذي أرساه شيخ الأمناء الشيخ أمين الخولي (1895م - 1966م) الذي راد هذا الاتجاه، وطبقه في كتابه «فن القول»، الذي بناه على المقارنة بين البلاغة العربية التقليدية، وبلاغة المحدثين، ممثلين - في عصره - في المؤلف الإيطالي «لباريني» في كتابه «الأسلوب الإيطالي».
ولم يقتصر الدكتور محمد عبد المطلب على هذه المقاربات البحثية التي تنقب عن القيم الجمالية الخالدة في كنوز التراث البلاغيّ، ووصلها - توفيقا خلاقا، لا تلفيقا بثوبيْ زور - بقيم الحداثة الغربية الوافدة، وإنما كان متابعًا نشطا دءوبا، وحاضرا حضورا فعالا في قلب المعترك الإبداعي والنقديّ المعاصر: رصدا وفرزًا وتحليلا، بكتبه، التي ستبقى كالصوى الهاديات في مسيرة النقد الأدبي الحديث، مثل: «بناء الأسلوب في شعر الحداثة»، و«قراءات أسلوبية في الشعر الحديث»، و«هكذا تكلم النص»، و«بلاغة السرد النسوي»، و«القراءة الثقافية»، و«اللغة والهوية»، و«العلامة والعلامية» ( السيميولوجيا). وقد احتفى الدكتور محمد عبد المطلب، حفاوة خاصة، بشعراء السبعينيات، فرعى حداثتهم، واحتضن تمردهم الشعريّ، وخصهم بكتابين هما: «تقابلات الحداثة في شعر السبعينيات» و«شعراء السبعينيات وفوضاهم الخلاقة».
تُوجت جهود الدكتور محمد عبد المطلب في البلاغة تأصيلا وتحديثا، وفي النقد الأدبي والثقافي تنظيرًا وتطبيقًا، بتكريمات مستحقة فقد نال جائزة البحوث الممتازة، من جامعة عين شمس 1986، وجائزة مؤسسة البابطين في النقد الأدبي1991، وجائزة مؤسسة يماني في نقد الشعر1994، ووسام فارس من الحكومة الفرنسية1997، والجائزة التقديرية في الفنون والآداب من جامعة عين شمس2006، وجائزة رجاء النقاش (اتحاد الكتاب) 2009. رحم الله الدكتور محمد عبد المطلب.
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: نجيب محفوظ البلاغة والنقد البلاغة د صلاح عبادة النقد العربي البلاغة العربية الشعر العربی
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .