زعيم ثوري أفريقي صنع اسمه كمناضل ضد الاستعمار لبلاده.

قدراته على الخطابة والحشد وتأثر حركات تحرر أفريقية أخرى به أثارت غضب قوى الاستعمار القديم والحديث.

عاصر الزعيم الثوري الشهير إرنستو تشي غيفارا، لكن لا يوجد دليل على أنه التقى شخصيا معه، أثناء تردد جيفارا على أفريقيا، بالرغم من تقاطعهما الأيديولوجي كرموز مناهضة للاستعمار.



كان قوميا أفريقيا مؤمنا بوحدة أفريقيا، ولعب دورا جوهريا في تحويل الكونغو من مستعمرة بلجيكية إلى جمهورية مستقلة.

كان أول رئيس وزراء منتخب في تاريخ الكونغو في آخر أيام الاحتلال البلجيكي لبلاده وأول أيام الاستقلال.

ولد باتريس لومومبا عام 1925 في إقليم ستانليفيل بمقاطعة الكونغو الشرقية التي كانت تحتلها بلجيكا وقتئذ، لعائلة تنتمي إلى قبيلة باتيليلا وهي جزء من قبيلة المونغو من النخبة الكونغولية.
عمل وهو طالب في قطاع المناجم لفترة من الزمن، لكن تركها من أجل إكمال دراسته بمعهد متخصص في البريد والبرق والهاتف، في الوقت نفسه درس القانون والاقتصاد واجتاز عدة دورات دراسية.

قاوم لومومبا الاستعمار البلجيكي وأسس الحركة الوطنية عام 1958 وحظي بشعبية واسعة حينما قاد مظاهرات ومواجهات ضد المستعمر.


كما رأس تحرير صحيفة "الاستقلال" وقام بالاتصال بعدة أطراف إقليمية ودولية لتأييد حق بلاده في الاستقلال، وكان يحث الجماهير بخطبه النارية وبمقالاته الحماسية في الصحف المحلية والخارجية ما أدى إلى اعتقاله لستة أشهر.

أفرج عنه لاحقا ونقل من السجن إلى بروكسل بالطائرة، وتم الاتفاق على استقلال الكونغو وإنهاء 80 عاما من الاستعمار البلجيكي.

أجريت انتخابات نيابية عام 1960 وحققت الحركة الوطنية بقيادته انتصارا جيدا، وشكلت أول حكومة كونغولية منتخبة، وقام ملك بلجيكا بودوان بتسليمه الحكم رسميا للحكومة المنتخبة.
وحرص لومومبا على أن تضم حكومته كل القوى الوطنية، وأصدر عدة قرارات عشية استقلال الكونغو لإبعاد البلجيكيين عن إدارة شؤون البلاد.

وحدثت أزمة سياسية أثناء حفل التسليم، بعد أن ألقى الملك بودوان خطابا أغضب الكونغوليون الذين اعتبروه مهينا ويفتقر إلى اللباقة، حذر فيه الوطنيين الكونغوليين من "عدم اتخاذ إجراءات متسرعة أو غير مدروسة تؤدي إلى تدمير المدنية التي خلفها البلجيكيون لهم". الأمر الذي أغضب لومومبا واتجه إلى المنصة فقاطع الملك البلجيكي بخطاب لا يُنسى وسمي بخطاب "الدموع والدم والنار"، تحدث فيه عن معاناة الكونغوليين وما تعرضوا له من ظلم واضطهاد.

ولم تنعم الكونغو طويلا بالهدوء، فقد دخلت في سلسلة من الأزمات، ووجدت حكومة لومومبا نفسها تواجه أزمات كبرى، تمرد عسكري في الجيش، وانفصال إقليم كتانغا أهم إقليم في الكونغو بدعم من بلجيكا، واضطرابات عمالية.

وقرر لومومبا دعوة قوات الأمم المتحدة للتدخل لمساعدته على توحيد الكونغو وتحقيق الاستقرار، ولكنها تدخلت ضده، وانفض عن لومومبا عدد من حلفائه الأساسيين بدعم أمريكي وبلجيكي، وساءت علاقته مع رئيس الجمهورية الذي أقال الحكومة، ولكن مجلس الشيوخ صوت بأغلبية كبيرة ضد القرار.

بقي لومومبا في المعركة وحيدا، فاضطر إلى اللجوء إلى معقل أنصاره في شمال البلاد قرب الغابة الممطرة، ولكن العقيد موبوتو سيسيكو رئيس هيئة الأركان الذي كان حليفا للومومبا سابقا، وتحت التأثير القوي لسفير بلجيكا في الكونغو آنذاك، قد انقلب ضده، واتهمه بأنه متعاطف بل مؤيد للشيوعية، وبخطابه هذا كان موبوتو يبحث عن التأييد والدعم من الولايات المتحدة الأمريكية.

وتواصلت الفوضى بعد إعلان مقاطعة كازائي انفصالها عن الكونغو ودخولها في اتحاد مع كتانغا، ورغم ذلك لم ييأس أنصار لومومبا الذين شنوا حربا ضد موبوتو فانتزعوا بسرعة ثلثي الكونغو، واستغل موبوتو هذه الفوضى فاستولى على السلطة عام 1961 في انقلاب عسكري هو الأول من نوعه في أفريقيا في ذلك الوقت، وألقي القبض على لومومبا واثنين من رفاقه وأعدموا على يد كتيبة إعدام يقودها ضابط بلجيكي يوم 17 كانون الثاني/ يناير عام 1961.

وتم التخلص نهائيا من الجثث بتقطيعها إلى قطع صغيرة وإذابتها في حامض الكبريت كانت تحمله شاحنة مملوكة لشركة تعدين بلجيكية، وقد اعترف الضابط في لقاء تلفزيوني أجري معه لاحقا بأنه احتفظ باثنتين من أسنان لومومبا "تذكارا" لسنوات عدة، ثم تخلص منهما بإلقائهما في بحر الشمال.

وكادت عائلة لومومبا تواجه نفس المصير لكن وجود الجيش المصري ضمن قوات الأمم المتحدة وفر الحماية لعائلة لومومبا بعد أن ساعدهم المصريون على الهرب بقيادة سعد الدين الشاذلي قائد الفوج المصري في الكونغو، والذي سيصبح فيما بعد رمزا قوميا لانتصار الجيش المصري في حرب عام 1973 ضد "الجيش الإسرائيلي".


لا يعرف للزعيم الكونغولي موقفا شاملا في السياسة أو في الاقتصاد، إنما كان أول كونغولي يقدم رواية لتاريخ الكونغو تعارض الآراء البلجيكية الاستعمارية التقليدية، كما أنه أظهر معاناة السكان الأصليين تحت حكم الأوروبيين، وقدم هوية قومية قائمة على الكرامة والإنسانية والقوة والوحدة.

وبعد 60 عاما وصل التحقيق القضائي الذي فتح في بلجيكا بتهمة "جريمة حرب" فيما يتعلق بفترة حكم لومومبا وإعدامه، مرحلته الأخيرة، وتتهم الشكوى الدولة البلجيكية بأنها "شاركت في مؤامرة واسعة لتصفية لومومبا سياسيا وجسديا". وهي تذكر بأن الجيش البلجيكي نشر 200 ضابط للإشراف على قوات الأمن في إقليم كاتانغا الانفصالي حيث وقعت "جريمة الحرب".

وذهبت محكمة الاستئناف في بروكسل أبعد من لجنة التحقيق للبرلمان البلجيكي التي توصلت في 2001 إلى الإقرار "بالمسؤولية الأخلاقية" لبلجيكا.

في العام التالي قدمت الحكومة البلجيكية اعتذارا باسم البلاد للشعب الكونغولي، وفي عام 2022، أعلن رئيس النيابة الفدرالية البلجيكية أن عائلة لومومبا استعادت "أثرا مباركا " منه، في إشارة إلى إحدى أسنانه التي احتفظ بها من قبل القتلة كنوع من "الذكرى"، وهي سن صادرها القضاء البلجيكي من ابنة أحد مفوضي الشرطة البلجيكية ساهم في إخفاء الجثة.

كان انجاز لومومبا الكبير هو كشفه النقاب عن معاناة السكان الأصليين تحت حكم المستعمرين الأوروبيين.

كان لومومبا فريدا بين زملائه في أخذه طموحات وأحلام كل الكنغوليين في الاعتبار في خطابه، بينما اقتصرت روايات الآخرين على شعوبهم أو مناطقهم الخاصة.

وقبل أيام، وربما دون قصد، لفت المشجع الكونغولي الشهير مبولادينغا، المعروف بـ"تمثال لومومبا"، انتباه العالم من جديد، لمسيرة الثأر الأفريقي الكبير أثناء تشجيعه فريق الكونغو بالبطولة الأفريقية المقامة بالمغرب.

فقد كان يجسد شخصية الزعيم التاريخي للبلاد طوال المباريات، مستغلا الشبه بينه وبين لومومبا، وكان يبقى واقفا طيلة المباراة دون حراك.

مشجع بسيط أعاد إلى الواجهة اسم شخصية تاريخية ناضلت من أجل الحرية والكرامة، ووقفت بشجاعة إلى جانب الشعوب المستعمَرة، وعلى رأسها الثورة الجزائرية.
وينظر اليوم من قبل الكونغو وأفريقيا إلى لومومبا كشهيد لحركة الوحدة الأفريقية.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي عالم الفن كاريكاتير بورتريه بورتريه الكونغو لومومبا الكونغو لومومبا المسؤولية الأخلاقية بورتريه بورتريه بورتريه بورتريه بورتريه بورتريه سياسة سياسة عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • أرز اللبن مثل المحلات الكبرى.. أسرار التحضير وقوام كريمي يضمن مذاقًا لا يُقاوم
  • السلطات العراقية توقف صانع المحتوى أبو جنة للتحقيق بشأن مصادر الأموال والهدايا
  • تأثير التعديلات الجديدة على ضريبة الدمغة وانعكاساتها على سوق المال.. شاهد
  • تسهيلات غير مسبوقة لسوق المال.. إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية وتخفيضات جمركية على الدمغة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • صانع المحتوى الإماراتي خالد الخالدي يوظف حضوره الرقمي لنشر ثقافة الزراعة والاستدامة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟