نهاية الخطاب الأخلاقي في السياسة الدولية
تاريخ النشر: 10th, January 2026 GMT
يخطئ من يظن أن مشكلة عالم اليوم اسمها دونالد ترامب، فترامب ليس المرض، بل العَرَض الأكثر وقاحة لانهيار طويل في بنية النظام الدولي، ومقال The Economist عن «وهم دونرو» المنشور في عددها الأخير يحاول بذكاء لغوي معتاد أن يجعل من الرجل استثناءًا شاذًا، بينما الحقيقة أكثر إزعاجًا: ترامب لا يهدم نظامًا أخلاقيًا قائمًا، بل يعلن رسميًا وفاة نظام كان ميتًا منذ زمن.
الخطأ الجوهري في المقال ليس في تشخيص سلوك ترامب مع فجاجته ووقاحته المعتادة، بل في افتراضه أن العالم كان يُدار أصلًا بمنطق القيم والقانون، وأن هذا المنطق خرج عن مساره فجأة مع رئيس شعبوي، هذا وهم مريح للنخب الليبرالية الغربية، لكنه لا يصمد أمام سجلّ العقود الثلاثة الأخيرة.
الديمقراطية، حقوق الإنسان، النظام القائم على القواعد.. كلها مفردات استُهلكت حتى النهاية، لم تسقط بفعل ترامب وحده، بل بفعل الاستخدام الانتقائي لها في العراق، وأفغانستان، وليبيا، ثم في الصمت الفاضح أمام جرائم تُبثّ مباشرة على الهواء من غزة. القانون الدولي لم يُكسَر، بل جرى تطويعه، وتحريفه، ثم تجاهله متى تعارض مع مصالح القوة، ترامب لم يبدأ هذا المسار، كل ما فعله أنه توقف عن الكذب، قال صراحة ما كان يُقال همسًا: نحن لا نتحرك دفاعًا عن القيم، بل عن الموارد، والنفوذ، والهيمنة، وفي لحظة واحدة، ألغى النفاق الذي كان يمنح النظام الدولي مظهرًا أخلاقيًا، وتركه عاريًا كما هو، عبر عن الاستعمار بوجهه القبيح هذه المرة بمنطق الكاوبوي الدموي.
من السذاجة تصوير مبدأ «القوة تصنع الحق» كاختراع ترامبي. هذا المبدأ هو القاعدة غير المعلنة للنظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، روسيا تطبّقه عسكريًا في اوكرانيا، الصين اقتصاديًا وتقنيًا، إسرائيل أمنيًا واستيطانيًا، وأوروبا عبر العقوبات والوصاية المالية. الفرق الوحيد أن ترامب لا يكلّف نفسه عناء تزيين القوة بخطاب حضاري، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: عندما يسقط الإدعاء الأخلاقي، تتحرر القوة من أي كوابح رمزية، ويصبح العدوان مشروعًا لأنه غير مُنكر، وتصبح الفوضى أكثر قابلية للانتشار لأن الجميع يرى أن القناع سقط، فلماذا يلتزم أحد بقواعد لم تعد موجودة إلا على الورق؟
الغضب الغربي من عالم «ما بعد القيم» يبدو، من منظور الجنوب العالمي، ضربًا من النفاق المتأخر. أي نظام هذا الذي يُرثى؟ نظام لم يمنع الحروب، لم يحمِ السيادة، ولم يوفّر العدالة، بل استخدم القانون الدولي كأداة تأديب لا مرجعية إنصاف.
بالنسبة لكثير من دول الجنوب، عالم ترامب ليس صدمة أخلاقية، بل اعتراف فجّ بحقيقة قديمة: لم يكن هناك يومًا نظام عادل، بل ميزان قوى يُدار بخطاب ناعم، الجديد فقط أن الخطاب انتهى.
الخطر الأكبر لا يهدد الدول الضعيفة وحدها، بل الدول المتوسطة التي اعتادت الاحتماء بهوامش النظام القديم، ففي عالم بلا قواعد، لا تكفي البلاغة، ولا البيانات، ولا التوازنات الرمزية، فالسيادة لم تعد شعارًا، بل قدرة مادية: غذاء، طاقة، اقتصاد منتج، قرار سياسي مستقل، ومن لا يمتلك هذه العناصر لن يكون شريكًا في النظام الجديد، بل ساحةً له. والرهان على أن «الفوضى ستتوازن ذاتيًا» ليس سوى شكل جديد من أشكال الوهم. ليس وهم دونرو بل وهم العودة إلى ما كان، الوهم الحقيقي ليس أن ترامب يعتقد أن القوة تصنع الحق، بل أن خصومه يعتقدون أن بالإمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
النظام الدولي القديم انتهى لأنه استُنفد، لا لأنه تعرّض لهجمة مفاجئة، وما بعده لم يتشكّل بعد، لكنه لن يكون أكثر رحمة لمجرد أننا نرفض الاعتراف بذلك.
في هذا العالم، لم تعد المشكلة أن القوي يفعل ما يشاء، بل أن أحدًا لم يعد مضطرًا لتبرير ما يفعل، وتلك ليست أزمة ترامب، بل أزمة عصر كامل دخل مرحلة الصراحة القاسية.
اقرأ أيضاًعيد الثقافة.. وعودة الوعي
في محبة الدكتور محمد عبد المطلب
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: دونالد ترامب النظام الدولي بنية النظام الدولي نظام ا
إقرأ أيضاً:
تطورات في عالم آبل.. أول آيفون قابل للطي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
ظهرت تسريبات لصور جديدة لنموذج تجريبي (Dummy Unit) يُعتقد أنه يستند إلى التسريبات الحالية الخاصة بأول هاتف آيفون قابل للطي من شركة “أبل”، ما يمنح المهتمين بالتقنية تصورًا أوضح لشكل الجهاز المنتظر قبل سنوات من إطلاقه الرسمي.
ويُظهر النموذج المسرب جهازًا باللون الأبيض يعتمد تصميمًا قابلًا للطي على غرار الكتاب، وهو النمط نفسه الذي تتبعه معظم الهواتف القابلة للطي الرائدة في السوق حاليًا.
تصميم أكثر انسيابيةأحد أبرز التفاصيل اللافتة في الصور هو اعتماد “أبل”، وفقًا للتسريبات، على حواف وزوايا أكثر نعومة وانسيابية مقارنة بعدد من المنافسين في فئة الهواتف القابلة للطي، بحسب تقرير نشره موقع “Gizmochina”.
كما يبرز تصميم وحدة الكاميرات الخلفية بشكل واضح، حيث تبدو قريبة من لغة التصميم المستخدمة في هاتف آيفون إير وفق الشائعات المتداولة.
ويضم النموذج كاميرتين خلفيتين فقط بدلًا من ثلاث، وهو ما يتماشى مع تقارير سابقة أشارت إلى أن “أبل” قد تركز على تقديم تصميم نحيف وخفيف الوزن بدلًا من زيادة عدد المستشعرات.
ألوان محدودة في البداية
وتشير التسريبات الحالية إلى أن “أبل” قد تعتمد خيارات ألوان محدودة نسبيًا في الجيل الأول من الهاتف القابل للطي.
فاللون الأبيض الظاهر في الصور يتوافق مع الشائعات التي تتحدث عن طرح الجهاز بألوان مثل الفضي ودرجات داكنة أخرى، في حين يُتوقع أن تحصل سلسلة آيفون 18 برو على تنوع لوني أكبر.
شاشة كبيرة ومعالج قويوبحسب المعلومات المتداولة، قد يأتي الهاتف بشاشة خارجية قياسها نحو 5.5 بوصة، إلى جانب شاشة داخلية قابلة للطي يصل حجمها إلى نحو 7.8 بوصة عند فتح الجهاز بالكامل.
كما يُتوقع أن يعتمد على معالج A20 Pro، الذي يُرجح أن يكون من بين أقوى الشرائح التي تطورها “أبل” خلال تلك الفترة.
عودة Touch ID
من أكثر الشائعات إثارة للاهتمام حول الهاتف القابل للطي احتمال عودة تقنية Touch ID.
وتشير بعض التقارير إلى أن “أبل” قد تعتمد مستشعر بصمة مدمجًا في زر الطاقة الجانبي بدلًا من نظام Face ID التقليدي.
ويُعتقد أن ذلك يعود إلى التحديات الهندسية المرتبطة بدمج نظام TrueDepth الخاص بالتعرف على الوجه داخل هيكل قابل للطي فائق النحافة.
وفي حال تحقق ذلك، ستكون هذه أول عودة فعلية لتقنية Touch ID إلى هواتف آيفون الرائدة منذ سنوات طويلة.
مجرد نموذج مبني على التسريبات
ورغم الاهتمام الكبير الذي حظيت به الصور المتداولة، من المهم الإشارة إلى أنها لا تمثل جهازًا رسميًا من “أبل”.
فالنموذج الظاهر عبارة عن تصميم تجريبي مبني على تسريبات غير مؤكدة، بهدف إعطاء تصور تقريبي لشكل الهاتف المتوقع.
وبالتالي، قد يختلف التصميم النهائي بشكل ملحوظ عند الكشف الرسمي، خاصة أن “أبل” لا تزال في مراحل تطوير أول هاتف قابل للطي في تاريخها، وسط توقعات بأن يكون من أبرز الإطلاقات التقنية خلال السنوات المقبلة.