ماذا يعني حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي؟
تاريخ النشر: 10th, January 2026 GMT
عدن- يُشكّل قرار حل المجلس الانتقالي الجنوبي منعطفا تاريخيا في المشهد اليمني، إذ يُنهي رسميا وجود كيان أسس لسلطة موازية في الجنوب طوال سنوات، ويعكس تحولا جوهريا في الرؤية الإقليمية والدولية نحو إعادة توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية تحت قيادة الحكومة الشرعية.
ويؤكد المراقبون أن القرار يمثّل خطوة حاسمة نحو إنهاء حالة الازدواجية في السلطة، التي أعاقت استقرار الجنوب وأضعفت مؤسسات الدولة، عبر دمج القرارين السياسي والعسكري في إطار الدولة الرسمية.
ويشير المحللون إلى أن المجلس، منذ تأسيسه، نجح في فرض حضوره على الأرض من خلال تشكيلات أمنية وعسكرية واسعة الانتشار، خصوصا في عدن وعدد من المحافظات الجنوبية، مما جعله لاعبا مهيمنا خارج إطار الدولة الشرعية.
وخلال تلك المرحلة، تحوّل الجنوب إلى ساحة لتقاطع مشاريع إقليمية متباينة، وأسهم التداخل بين الشرعية الرسمية والسلطات الموازية في تعقيد المشهد السياسي وتأجيل أي معالجة شاملة للقضية الجنوبية ضمن إطار وطني جامع.
إعلان الحل وأسبابهوكان الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي، عبد الرحمن الصبيحي، أعلن -أمس الجمعة- حلّ المجلس وكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء جميع مكاتبه في الداخل والخارج، مؤكدا أن القرار يأتي "حرصا على مستقبل قضية الجنوب، وصونا للسلم والأمن في الجنوب ودول الجوار".
وقال الصبيحي، في كلمة مصوّرة بثها التلفزيون اليمني، إن استمرار وجود المجلس لم يعد يخدم الأهداف التي أُنشئ من أجلها، في ظل المستجدات السياسية والأمنية التي تشهدها الساحة اليمنية، وما تفرضه من مراجعة شاملة للأدوات والكيانات القائمة.
وتأسس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، بقيادة محافظ عدن السابق عيدروس الزبيدي، عقب إقالته من منصبه، وجمع تحت مظلته قوى انفصالية وتشكيلات محلية.
ومع مرور الوقت، تطوّر المجلس ليصبح القوة العسكرية المنظمة الأبرز في جنوب اليمن، إذ أحكم سيطرته على عدد من المؤسسات الأمنية والعسكرية، مما رسّخ حضوره بوصفه سلطة أمر واقع موازية للحكومة الشرعية.
إعلانوتعرض لكم الجزيرة نت فيما يلي أبرز المحطات في مسار المجلس الانتقالي الجنوبي.
محطات مفصلية مايو/أيار 2017: تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة عيدروس الزبيدي. مارس/آذار-أبريل/نيسان 2018: توسّع نفوذ التشكيلات العسكرية في عدن ولحج وأبين وتصاعدت المواجهات مع القوات الحكومية. أغسطس/آب 2019: سيطرة المجلس على عدن بعد معارك دامية. نوفمبر/تشرين الثاني 2019: توقيع اتفاق الرياض برعاية سعودية، مع تعثّر تطبيق بنوده. أبريل/نيسان 2020: إعلان الإدارة الذاتية في عدن ثم التراجع لاحقا. يوليو/تموز 2022: انضمام عيدروس الزبيدي إلى مجلس القيادة الرئاسي. نوفمبر/تشرين الثاني 2023-يناير/كانون الثاني 2025: توسّع مؤقت في حضرموت والمهرة ثم تراجع تحت ضغوط التحالف والدولة. يناير/كانون الثاني 2026: إقالة قيادات للمجلس من مجلس الرئاسة، ثم الإعلان الرسمي عن حلّ المجلس. نقطة تحوّلويرى مراقبون أن حلّ المجلس يشكّل نقطة تحوّل مفصلية في إعادة ترتيب المشهد اليمني، ويعكس إرادة سعودية واضحة لتوحيد القرار السياسي والعسكري، ومنع انزلاق المحافظات الجنوبية والشرقية نحو الفوضى، عبر دمج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، وتقليص النفوذ الإقليمي السابق، لا سيما الدور الإماراتي في الجنوب.
كما يحمل القرار أبعادا سياسية وقانونية مهمة، إذ ينهي حالة ازدواجية السلطة، ويضع إطارا لمعالجة أوضاع قيادات ومنتسبي المجلس، ويحدّ من المظاهر المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة.
ويرى محللون أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام عقد مؤتمر شامل للقوى الجنوبية بأجندة توافقية، تقوم على احترام وحدة اليمن وسيادته، بعيدا عن المشاريع الانفصالية، بما يمهّد لمرحلة جديدة من الاستقرار النسبي في الجنوب.
ورغم ما قد يثيره القرار من اعتراضات من شبكات المصالح المرتبطة بالمجلس، يرى المحللون أن الزخم الإقليمي والدولي، والضغط السعودي بشكل خاص، إلى جانب التوجه نحو حوار جنوبي شامل، يعزز فرص تجاوز هذه المرحلة ويمهد الطريق لإعادة بناء سلطة مركزية موحّدة تنهي سنوات من التفكك السياسي والعسكري في جنوب اليمن.
إرادة سعودية قويةويرى الدكتور ناصر الطويل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء ورئيس مركز اليمن لدراسات النزاع والسلام، أن قرار حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي يمثّل مؤشرا واضحا على حضور وإرادة سعودية قوية لإعادة ترتيب المشهد اليمني سياسيا وعسكريا واقتصاديا، بما يفضي إلى توحيد بنية وقرار الحكومة الشرعية.
وأشار الطويل -في تصريح للجزيرة نت- إلى أن الخطوة تُعد تقويضا جزئيا لنفوذ أبو ظبي، وقد تمهّد لتحولات أوسع نحو فرض سلطة موحدة على كامل الأراضي اليمنية.
وفيما يتعلق بردود الفعل، أوضح الطويل أن "الشبكات النفعية والعصبويات" التي ارتبطت بالمجلس لن تتقبل قرار الحل بسهولة، وقد تظهر مقاومة مدعومة من أطراف إقليمية ظلت تستثمر في المجلس خلال السنوات الماضية.
لكنه أكد أن انحياز القيادات الرئيسة في المجلس إلى القرار، إلى جانب الضغوط السعودية، وسعي الرياض إلى تسوية شاملة للقضية الجنوبية عبر الحوار الجنوبي، إضافة إلى حرص المجتمع الدولي على استقرار المحافظات الجنوبية والشرقية، ستُسهم في إنفاذ القرار.
إعلانوتوقّع الطويل أن تتبع هذه الخطوة عملية دمج التشكيلات العسكرية ضمن وزارة الدفاع اليمنية.
دلالات رئيسيةوفي السياق ذاته، يؤكد رئيس مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية، عبد السلام محمد -في حديثه للجزيرة نت- أن حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي يحمل 3 دلالات رئيسية، مما يجعله خطوة مفصلية في سياق إعادة تشكيل المشهد في الجنوب.
فعلى الصعيد الأمني، يشير عبد السلام إلى أن المجلس كان "أداة إماراتية" استخدمت في صياغة النفوذ العسكري في الجنوب، وبالتالي فإن حله يعني -عمليا- إنهاء تلك الأداة الأمنية وتفكيك نفوذها على الأرض.
أما على المستوى السياسي، فيرى أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام إدماج قيادات ومنتسبي المجلس في المرحلة الجديدة التي ستلي مؤتمر الحوار الجنوبي، وتغلق الباب أمام أي تعقيدات سياسية أو قضائية قد ترتبط بماضيهم، بما يشمل دعاوى أو اتهامات متعلقة بالأحداث السابقة.
وقانونيا، يُصنف المجلس -بحسب عبد السلام- كجماعة متمردة لجأت إلى العمل العسكري المسلح ضد الدولة، وبالتالي فإن حله يمثل إنهاء لمعضلة قانونية كانت تشكل أحد أبرز أوجه التحدي أمام الحكومة الشرعية.
ويختم بالتأكيد على أن ثمة ملفات حساسة لا تزال بحاجة إلى معالجة من قبل الدولة، من بينها استعادة أموال وممتلكات الدولة التي كانت تحت سيطرة المجلس، والجانب الحقوقي المرتبط بالدماء والانتهاكات التي وقعت خلال سنوات سيطرته، مشددا على أن الدولة ستكون ملزمة بالتعامل الجاد مع هذه الملفات عقب قرار الحل.
من جهته، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي ياسين التميمي أن حلّ المجلس الانتقالي يعني ببساطة "التخلي عن الخطاب الانفصالي الذي هدد جوهر الدولة اليمنية، ومَسّ أمن المملكة، وكاد يحوّل اليمن إلى ساحة نفوذ لإسرائيل".
وقال التميمي -في حديثه للجزيرة نت- إن حلّ الانتقالي "يُسقط الغطاء السياسي والمؤسسي عنه، ويمهّد لمؤتمر قوى جنوبية تُبنى أجندته على قاعدة احترام الجمهورية اليمنية ووحدتها وسلامة أراضيها، بدلا من رفع الانفصال كسقف تفاوضي".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المجلس الانتقالی الجنوبی فی الجنوب
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..