جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@03:10:44 GMT

غطرسة القوة من منبر الشرعية الدولية

تاريخ النشر: 10th, January 2026 GMT

غطرسة القوة من منبر الشرعية الدولية

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

تصريح مندوب الولايات المتحدة في مجلس الأمن، بعد عملية القرصنة الاستعمارية التي نفذتها الولايات المتحدة في فنزويلا واختطافه مع زوجته، والذي اعتبر فيه أن دولة مثل فنزويلا، بما تملكه من أكبر احتياطي نفطي في العالم، «لا يمكن أن تكون ضد الولايات المتحدة»، يكشف عن بنية فكرية متجذّرة في تصور واشنطن لطبيعة العلاقات الدولية.

فهو تصريح يعيد رسم الحدود، ويحدّد ما يُسمح للدول أن تكونه. وفي هذا المعنى لا يمكن فصل الكلمات عن السياق الأوسع الذي تتحرك فيه السياسة الأمريكية، حيث يُنظر إلى الاختلاف بوصفه خروجاً عن نظام مفترض سلفًا وليس حقًا سياديًا.

 

اللافت في هذا الخطاب أنه صدر من منصة يُفترض أنها تمثل أعلى درجات الشرعية الدولية. فمجلس الأمن لم يُنشأ ليكون مساحة لإعادة تعريف السيادة وفق موازين القوة، بل إطارًا لإدارة الخلافات ضمن قواعد متوافق عليها. غير أن استخدامه لإطلاق عبارات تقريرية من نوع «لا يمكن» يحوّل هذا الإطار من ساحة قانونية إلى منبر لإعادة إنتاج الهيمنة بلغة هادئة، لكنها لا تخفي مضمونها الإكراهي. وهنا يجري تطبيع فكرة أن الشرعية تُمنح من الأقوى، لا من القانون.

 

الإشارة إلى الثروة النفطية لفنزويلا تمثّل المفتاح لفهم المنطق الحاكم لهذا التصريح. فالنفط يُستدعى بوصفه معيارًا ضمنيًا للشرعية السياسية، وكأن امتلاك الموارد الطبيعية يستوجب تلقائيًا الاصطفاف ضمن محور بعينه. وبهذا تُختزل السيادة في وظيفة، وتُربط حرية القرار بمستوى القبول الخارجي، لا بإرادة الشعوب. هذا الربط يعيد إنتاج خطاب استعماري قديم، يرى في الثروات سببًا كافيًا للتدخل، وفي الاستقلال حالة مشروطة لا حقًا أصيلًا.

 

هذا النمط من التفكير يشكّل جوهر المقاربة الأمريكية، خصوصًا في تعاملها مع أمريكا اللاتينية، حيث جرى تاريخيًا النظر إلى الاستقلال السياسي بوصفه وضعًا مؤقتًا، قابلًا للمراجعة متى تعارض مع المصالح الاستراتيجية. من الانقلابات المدعومة سياسيًا، إلى العقوبات الاقتصادية، إلى العزل الدبلوماسي، ظل منطق الطاعة مقابل الاستقرار، حاضرًا بأشكال مختلفة، ومغلفًا أحيانًا بخطاب أخلاقي أو أمني.

 

وعندما لم تكن هذه الأدوات كافية، لم تتردد السياسة الأمريكية في الانتقال من إدارة السياسة إلى نزعها بالقوة، وصولًا إلى التعامل مع رأس الدولة ذاته بوصفه عقبة قابلة للإزالة أو الإقصاء أو حتى الاختطاف. في هذه الحالات، لا يُستهدف القرار السياسي فقط، بل يُفرَّغ مفهوم السيادة من مضمونه عبر التعامل مع القيادة المنتخبة كجسم قابل للنقل أو التعطيل.

 

غير أنَّ أهم ما يميّز اللحظة الراهنة هو أن هذا المنطق لم يعد يُمارَس في الظل أو يُقدَّم عبر وسطاء، بل بات يُقال مباشرة، وبثقة، ومن داخل المؤسسات التي أُنشئت أصلًا للحد من مثل هذا السلوك.

 

وفي ظل هذا التحول، يتراجع القانون الدولي من كونه مرجعية حاكمة إلى إطار شكلي، يُستدعى حين يخدم موازين القوة، ويُهمَّش حين يعترض طريقها، وهذا مؤشر واضح على تآكل منظومة القيم التي قامت عليها العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى إعادة تعريف النظام الدولي بوصفه ترتيب مصالح لا منظومة حقوق.

 

ضمن هذا السياق، تستمر مأزومية مجلس الأمن في تعريف دوره ووظيفته. فحين تتحول المنصة إلى أداة ضغط، ويتحوّل الخطاب إلى تقرير لما يجب أن يكون، تفقد المؤسسة قدرتها على لعب دور الوسيط، وتغدو جزءًا من المشكلة بدل أن تكون جزءًا من الحل. كما أن هذا الانزلاق لا يقتصر أثره على حالة بعينها، بل يرسل رسالة أوسع إلى دول الجنوب مفادها أن السيادة مشروطة، وأن الاختلاف مكلف، وأن الشرعية ليست حقًا مكتسبًا بل امتيازًا قابلًا للسحب.

 

في المحصلة، لا يُعبّر هذا الخطاب عن فائض قوة بقدر ما يكشف عن تصور ضيق للنظام الدولي، تصور يرى العالم شبكة مصالح لا مجتمعات ودول. وقد تكمن خطورته الحقيقية في أنه يُقال بهدوء، وبثقة، دون أن يهتز أيٌّ من مقاعد مجلس الأمن، وكأنه أمر بديهي، فيما هو في جوهره إعلان عن أزمة شرعية عميقة لا عن استقرار نفوذ راسخ.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح

أكد كاسيميرو، نجم منتخب البرازيل، أن منتخب بلاده لا يُعد المرشح الأبرز للتتويج بلقب كأس العالم 2026، رغم امتلاكه مزيجًا من الخبرة والشباب، وذلك قبل انطلاق البطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك خلال الفترة من 11 يونيو إلى 19 يوليو، بمشاركة 48 منتخبًا لأول مرة في التاريخ.

وقال كاسيميرو، في تصريحات نقلتها شبكة "غلوبو" البرازيلية، إن المنتخب البرازيلي يدخل البطولة بطموحات كبيرة، لكنه يضع نفسه تحت ضغط أقل مقارنة ببعض المنافسين، مضيفًا: "لسنا المرشح الأوفر حظًا للفوز بكأس العالم، صحيح أننا نمتلك فريقًا قويًا يجمع بين الخبرة والشباب، لكننا هذه المرة نتراجع خطوة إلى الوراء ونكون في حالة تأهب قصوى".

وأضاف لاعب وسط مانشستر يونايتد السابق أن الفريق يعتمد على توليفة متوازنة بين العناصر الشابة واللاعبين أصحاب الخبرة، وهو ما يراه عامل قوة مهم في المرحلة المقبلة، قائلًا: "هذا المزيج جيد، وهو سر النجاح الكبير".

وتطرق كاسيميرو إلى الجهاز الفني بقيادة المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، مؤكدًا أنه يمتلك خبرات كبيرة رغم أن كأس العالم 2026 تمثل مشاركته الأولى في البطولة، مشيرًا إلى أن المنتخب البرازيلي يدخل المونديال بدافع قوي ورغبة دائمة في المنافسة.

وأوضح: "أعتقد أننا نصل بقوة، لكن هناك منتخبات أخرى تسبقنا خطوة في الوقت الحالي، دون الحاجة لذكر أسماء، ونعلم أن مستوى بعض الفرق مختلف في هذه المرحلة، لكن البرازيل تظل دائمًا فريقًا قويًا وطموحًا".

وأشار كاسيميرو إلى أن الفترة الماضية شهدت تغييرات عديدة على مستوى الأجهزة الفنية داخل المنتخب، ما أثر على استقرار العمل لفترات طويلة، موضحًا أن الاستقرار الفني لا يزال في مرحلة البناء.

واختتم تصريحاته قائلاً: "التوقعات دائمًا كبيرة عندما يتعلق الأمر بكأس العالم، نحن لا نشارك لمجرد التواجد، بل من أجل المنافسة على اللقب وتحقيق الحلم، ونعمل بكل قوة من أجل ذلك".

ويستعد المنتخب البرازيلي لخوض مباراة ودية أمام منتخب مصر في ولاية أوهايو الأمريكية، ضمن استعداداته النهائية للمونديال.

ويخوض "السيليساو" منافسات كأس العالم 2026 ضمن المجموعة الثالثة، إلى جانب منتخبات المغرب واسكتلندا وهايتي، في مجموعة متوازنة نسبيًا قبل انطلاق البطولة.

مقالات مشابهة

  • الفارسي: جهود القيادة العامة لمكافحة الهجرة غير الشرعية تعزز الأمن القومي
  • “مستقبلك مش مخاطرة”.. حملة وطنية واسعة لمواجهة الهجرة غير الشرعية
  • نشأت الديهي: الدولة المصرية قوية والقانون سيواجه كل من يتطاول على مؤسساتها
  • اجتماع موسع بالرقابة الإدارية لمواجهة تحديات الهجرة غير الشرعية
  • الأنبا اسطفانوس: الهجرة غير الشرعية وباء يهدد الشباب
  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • القوة الجوية يحسم اللقب لدوري نجوم العراق
  • القائم بالأعمال الأمريكي: ناقش مع الرئيس العراقي اتخاذ إجراءات لصون السيادة
  • “مديرية أمن أجدابيا” تعلن إطلاق حملة أمنية شاملة لمكافحة الهجرة غير الشرعية
  • كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح