ليست كل اللحظات السياسية متشابهة، فبعضها يمر كخبر عابر، وبعضها الآخر يظل حاضرًا في الذاكرة باعتباره محاولة جادة للإجابة عن سؤال الدولة والمجتمع معًا. قبل خمسين عامًا، وقفت مصر أمام واحدة من هذه اللحظات الفارقة، حين أعادت طرح السؤال الجوهري حول مستقبل العمل السياسي، وحدود التنظيم، وكيفية إدارة الاختلاف في دولة خرجت لتوّها من حرب مصيرية، وتستعد لتحولات اقتصادية وسياسية عميقة.

في هذا السياق تشكّلت لجنة «مستقبل العمل السياسي» في يناير 1976، لتكون منصة حوار واسعة ضمت 168 عضوًا يمثلون طيفًا متنوعًا من القيادات السياسية والبرلمانية والنقابية والفكرية. وتحت رئاسة الدكتور مصطفى خليل السياسي البارز ورئيس مجلس الوزراء بعدها، انخرطت اللجنة في نقاشات مكثفة امتدت لستة عشر اجتماعًا، جرى خلالها تفكيك حالة الجمود التي أصابت الاتحاد الاشتراكي، وتشريح أوجه القصور في العلاقة بين التنظيم السياسي والسلطة التنفيذية، وسط انتقادات حادة من تيارات يسارية وليبرالية رأت أن النظام القائم لم يعد قادرًا على استيعاب المشاركة الشعبية أو ضمان الرقابة والمساءلة.

كشفت هذه المناقشات عن تنوع واسع في الرؤى، انتهى إلى بلورة عدة اتجاهات، كان أبرزها الاتجاه الداعي إلى تطوير الاتحاد الاشتراكي عبر إدخال منابر سياسية ثابتة داخله، باعتبارها صيغة انتقالية توازن بين متطلبات الانفتاح السياسي واعتبارات الاستقرار. وقد استقر الرأي في النهاية على السماح بثلاثة منابر تمثل اليمين والوسط واليسار، في خطوة جاءت تعبيرًا عن اتجاهات فكرية كانت حاضرة في المجتمع والنخبة على السواء.

وتكمن أهمية تجربة لجنة مستقبل العمل السياسي لا في نتائجها التنظيمية فحسب، بل في المنهج الذي تبنته، إذ جرى الاعتراف الصريح بأزمة العمل السياسي، وفتح المجال لنقاش عام حول دور التنظيمات، وحدود السلطة، وموقع البرلمان، والعلاقة بين السياسي والمهني، خاصة فيما يتعلق بدور النقابات المهنية باعتبارها ممثلًا لقطاع واسع من الطبقة الوسطى والمثقفين. وقد عكست هذه النقاشات إدراكًا مبكرًا بأن الديمقراطية ليست مجرد تعدد شكلي للأحزاب، بل منظومة متكاملة تقوم على مؤسسات فاعلة، وبرامج واضحة، وثقافة سياسية قادرة على إدارة التباين دون تهديد وحدة الدولة.

وبعد مرور نصف قرن، تظل هذه التجربة علامة فارقة في تاريخ التفكير السياسي المصري، لا بوصفها نموذجًا مكتملًا، بل باعتبارها محاولة واعية للإصلاح التدريجي، انطلقت من إدراك تعقيد اللحظة التاريخية، وسعت إلى توسيع دوائر المشاركة دون القفز على الواقع. ومن هذا المنطلق، تكتسب تجربة الحوار الوطني التي دعا إليها السيد الرئيس في أبريل 2022 دلالة خاصة، باعتبارها امتدادًا للفكرة ذاتها: أن الدولة القوية لا تخشى الحوار، وأن إدارة الاختلاف بالحوار المنظم تظل أقل كلفة، وأكثر استدامة، من ترك التباينات تتراكم خارج المجال العام.

إن استعادة تجربة لجنة مستقبل العمل السياسي في ذكراها الخمسين ليست استدعاءً للماضي، بقدر ما هي تذكير بأن الأسئلة الكبرى حول المشاركة، والتنظيم، والتمثيل، لا تسقط بالتقادم، وأن الإجابة عنها تظل رهينة بقدرتنا على فتح مساحات عقلانية للنقاش، توازن بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات التطور، وتعيد للعمل السياسي معناه بوصفه أداة لبناء المستقبل، لا مجرد إدارة للحظة الراهنة.

اقرأ أيضاًمحافظ قنا يشارك في جلسة الحوار الوطني حول المرأة والتغيرات المناخية بفرع المجلس القومي للمرأة

مدبولي: سندعو «الحوار الوطني» للمشاركة في مناقشات ملف الدراما والإعلام

أسوان تطلق حوارًا وطنيًا لقضايا المناخ بمشاركة فاعلة للنشء والشباب

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: الإصلاح السياسي الحوار الوطني المصري المشاركة الشعبية التعددية الحزبية التطور الديمقراطي تاريخ السياسة في مصر الدكتور مصطفى خليل الاتحاد الاشتراكي التحول الديمقراطي في مصر الرئيس السيسي والحوار الوطني تاريخ الأحزاب المصرية مستقبل العمل السیاسی الحوار الوطنی

إقرأ أيضاً:

مش مناسب | منشور صادم من خالد الغندور عن مستقبل الشحات مع الأهلي

كتب الإعلامي خالد الغندور أن عقد حسين الشحات مع النادي الأهلي انتهى رسميًا بنهاية الموسم في شهر فبراير، مشيرًا إلى أن اللاعب تلقى عرضًا من القلعة الحمراء للتجديد لكن بمقابل مالي لم يلقَ قبولًا من جانبه، حيث يرى أن العرض لا يتناسب مع ما يقدمه داخل الملعب ولا مع رغبته في الحصول على عقد أعلى.

حسين الشحات 

وأوضح الغندور عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أن إدارة الأهلي ترى أن المقابل المعروض مناسب لسن اللاعب وظروف المرحلة الحالية، في حين يتمسك الشحات بالبقاء داخل صفوف الفريق ولا يرغب في الرحيل، لكنه في الوقت نفسه ينتظر خطوة حاسمة من النادي لحسم موقفه النهائي.

المقاولون يفتح أبوابه لاكتشاف المواهب .. انطلاق اختبارات قطاع الناشئين السبتالخلوق والحريف منتظرينك..خالد الغندور يوجه رسالة إلى وليد صلاح الدينحسين الشحات يودع الأهلي من التتش بعد انتهاء عقده مع القلعة الحمراء

وأضاف أن اللاعب لن يوقع لأي نادٍ آخر إلا في حال أغلقت إدارة الأهلي باب المفاوضات بشكل نهائي، مشيرًا إلى أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد حسم مستقبله، سواء بالبقاء في الأهلي أو خوض تجربة خارجية في ليبيا أو الإمارات.

طباعة شارك حسين الشحات الاهلي الزمالك

مقالات مشابهة

  • محافظ المنوفية: الأداء الميداني معيار التقييم.. والتلاحم الوطني يدعم مسيرة التنمية
  • مش مناسب | منشور صادم من خالد الغندور عن مستقبل الشحات مع الأهلي
  • حزب الوعي: مؤتمر العمل الدولي فرصة لتعزيز الحوار وتطوير الحماية الاجتماعية
  • حوار الوجعة: البرهان يرفض مشاركة البرهان..!
  • مفاجأة مدوية بشأن مستقبل «كوندي» مع برشلونة قبل الموسم الجديد
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • فيدان: تركيا ترغب في التعاون مع اليابان بالطائرات المسيرة
  • عاجل| مدير الأمن العام يوعز بعرض مباريات المنتخب الوطني في كأس العالم للنزلاء داخل مراكز الإصلاح والتأهيل
  • الشروع في العمل بالسجل الوطني لوكالات تفويت العقارات يصطدم بضغط كبير على المنصة الرقمية
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي