السليمانية على صفيح جيولوجي ساخن.. هل باتت الزلازل مسألة وقت؟
تاريخ النشر: 11th, January 2026 GMT
عادة ما تستخدم عبارة "صفيح ساخن" مجازيا للإشارة إلى أماكن تشهد توترات سياسية أو اجتماعية متصاعدة، لكن في شمال شرق العراق، عند منطقة السليمانية، أصبح هذا التعبير واقعا جيولوجيا، فالدراسة الحديثة التي نشرتها دورية "مجلة علوم الأرض الآسيوية" (Journal of Asian Earth Sciences)، أكدت أن المدينة تقع على صفيحة جيولوجية نشطة، تتحرك وتتصدع باستمرار تحت ضغط تصادم الصفيحتين العربية والأوراسية.
وجمعت هذه الدراسة، التي تحدث باحثوها للجزيرة نت، بين أحدث أساليب الرصد الزلزالي وتحليل البيانات، لتقدم أول خريطة مفصلة وموثوقة للطبقات الأرضية في هذا الحزام التصادمي النشط، مع شرح تأثير ذلك على فهم النشاط الزلزالي في المنطقة والثروات المعدنية من النفط والغاز.
وانطلق الباحثون في عملهم من سعيهم لحل مشكلة كبيرة تتمثل في أن منطقة السليمانية بالعراق تقع فوق واحدة من أنشط مناطق التصادم القاري في العالم، وهي "حزام زاغروس"، حيث تتصادم الصفيحة العربية مع الصفيحة الأوراسية، لكن رغم النشاط الزلزالي الكبير لا توجد معلومات متوفرة عن حجم سمك القشرة الأرضية هناك، وكيف تتوزع طبقاتها؟ وأين يقع الحد الفاصل بين القشرة والوشاح أو ما يعرف بـ"الموهو"؟ وهل هذا الحد حاد أم متدرج؟
وسعى الباحثون للإجابة على هذه الأسئلة، وقادهم ذلك إلى تحقيق اختراقات مهمة في تحديد مناطق نشوء الزلازل، وانتشار الموجات الزلزالية، وتوفير معلومات عن الأماكن المحتملة لتجمع النفط والغاز.
واستخدم الباحثون في دراستهم نموذجا مبتكرا لرسم خريطة باطن الأرض تحت السليمانية، بالاعتماد على دمج طريقتين زلزاليتين متكاملتين لأول مرة في المنطقة، حيث جمعوا بين أداتي "تحليل موجات الزلازل" و"موجات راديلي السطحية".
إعلانوعندما يحدث زلزال في مكان بعيد، تنطلق منه موجات زلزالية، أسرعها تسمى موجات "بي"، والتي تمر عبر طبقات الأرض المختلفة في طريقها للوصول لمحطة رصد زلزالي، وتنعكس أو تنكسر عند حدود كل طبقة، ومن ثم يتغير شكلها وسرعتها بحسب نوع الصخور التي تعبرها.
ومن ثم تعتمد أداة تحليل موجات الزلازل على قراءة "تشوه" تلك الموجة الزلزالية عند وصولها، لمعرفة ما الذي صادفته في طريقها داخل الأرض، أي أنها طريقة يمكن تشبيهها بـ"الاستماع" إلى كيفية وصول موجات الزلازل إلى أجهزة الرصد، حيث يخبر اختلاف شكل هذه الموجات العلماء بما تخفيه الأرض في أعماقها، من طبقات صخرية وفواصل عميقة، ما يسمح بفهم كيف تتشقق القشرة الأرضية تحت المنطقة.
ولا تنتقل الموجات فقط في باطن الأرض عند حدوث الزلازل، بل تزحف بعضها على سطحها، وهذه الموجات تسمى "موجات رايلي"، وهي التي تجعل الأرض تتموج صعودا وهبوطا، وتكون مسؤولة عن أغلب الدمار أثناء الزلازل، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى العالم البريطاني اللورد رايلي الذي وصفها علما، ويمكن تشبيهها بتموجات الماء عندما تلقى حجرا في بركة، لكنها تحدث على سطح الأرض بدل الماء.
ويقول عماد الخرسان، الأستاذ بقسم هندسة النفط والغاز بجامعة البصرة بالعراق والباحث المشارك بالدراسة للجزيرة نت إن "الدمج المبتكر بين هاتين الأداتين أتاح لنا الرؤية الكاملة لما يجري تحت الأرض، فكل أداة زلزالية، إذا استخدمت بمفردها، تظل قاصرة عن تحقيق هذا الهدف، فتحليل موجات الزلازل العميقة بارع في تحديد أماكن الحدود الفاصلة بين طبقات الأرض، مثل الحد الفاصل بين القشرة والوشاح، لكنه لا يحدد بدقة سرعة الصخور وخصائصها"
ويضيف "في المقابل، تكشف الموجات الزلزالية السطحية بدقة عن سرعة الموجات داخل الصخور، لكنها أقل قدرة على تحديد العمق الحقيقي لتلك الحدود، وهنا جاء دور الدمج بين الطريقتين، الذي سمح لنا بتجاوز ما يعرف علميا بـ"مقايضة السرعة والعمق"، أي الخلط بين ما إذا كان التغير ناتجا عن عمق الطبقة أم عن طبيعة الصخور نفسها".
ويمكن تشبيه هذا الدمج بمن يمتلك خريطة مدينة بلا مقياس للمسافات، وآخر يملك مقياسا بلا خريطة، فكل منهما يرى نصف الحقيقة فقط، لكن عند جمع الاثنين، تظهر خريطة واضحة ودقيقة لما هو مخفي تحت الأرض.
وكانت الحقيقة الكاملة التي رسمها الجمع بين الطريقتين، كما يوضح الخرسان، أن ما يجري تحت السليمانية ليس سكونا جيولوجيا، بل تصدع بطيئة ومستمرة ناتجة عن التصادم المتواصل بين الصفيحة العربية ونظيرتها الأوراسية.
ويضيف أن "النموذج الزلزالي عالي الدقة الذي استخدم في الدراسة، أظهر قشرة أرضية سميكة ومقسمة إلى أربع طبقات تتصرف كل منها بشكل مختلف تحت الضغط، مع انتقال تدريجي وغير حاد عند الحد الفاصل بين القشرة والوشاح، وهو ما يشير إلى حرارة مرتفعة وتشقق عميق في الصخور".
وهذه السمات المرصودة بهذه الدراسة، بحسب الباحث، تعني أن القشرة في شمال شرق العراق تتراكم فيها الإجهادات بمرور الوقت، بدل أن تتبدد سريعا، وهو ما يزيد احتمالات تحررها على هيئة زلازل مستقبلية.
إعلانورغم أن الدراسة لا تتنبأ بموعد أو قوة زلزال بعينه، فإنها تقدم دليلا علميا واضحا على أن المنطقة تقع فوق نظام تكتوني نشط، وأن حدوث الزلازل هنا ليس سؤال "هل؟"، بأقرب إلى سؤال "متى؟".
المصائد الطبيعية للهيدروكربوناتولا تقتصر نتائج الدراسة على كشف ما يحمله باطن الأرض تحت السليمانية من مؤشرات زلزالية، بل وصف الباحثون أيضا بيئة جيولوجية ملائمة لتكون وتجمع النفط والغاز.
ويقول حيدر محمد الأستاذ بجامعة الإمام جعفر الصادق ببغداد، والباحث المشارك بالدراسة للجزيرة نت، إن "النموذج الزلزالي المستخدم بالدراسة، كشف عن طبقة رسوبية سميكة يصل عمقها إلى نحو 10 كيلومترات، وهي بمثابة حوض عميق يساعد على احتجاز الهيدروكربونات داخل ما يعرف بـ"المصائد الطبيعية".
ويوضح أن البيانات أظهرت أيضا أن طبيعة الصخور ودرجة حرارتها في الأعماق تؤثر على كيفية انضغاط الرواسب ونضج المواد العضوية التي تتحول بمرور الوقت إلى نفط وغاز.
ويضيف "الأهم أن هذا الفهم الجديد يسمح لنا بتتبع المسارات التي قد تتحرك عبرها هذه المواد الهيدروكربونية داخل باطن الأرض، وتحديد المناطق التي يحتمل أن تتجمع فيها، داخل هذا النطاق الجيولوجي المعقد من الطيات والصدوع في شمال شرق العراق ".
تحديات ودروس مستفادةوكان الدرس المستفاد من هذه الدراسة الفريدة، كما تقول سعاد محمد علي من قسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة البصرة، والباحثة المشاركة بالدراسة للجزيرة نت، إن "جودة البيانات أهم بكثير من كثرتها".
وسجلت محطة السليمانية بيانات 312 زلزالاً بعيدا، لكن 303 منها كانت مليئة بالضوضاء أو غير واضحة، فتم اختيار تسعة فقط ذات إشارات نقية جدا، والأمر نفسه لموجات رايلي، فقد كان هناك 187 حدثاً، اختير منها 20 فقط، ما أتاح الحصول على إشارات نظيفة قليلة الضوضاء.
وتوضح سعاد: "هذا الاختيار الدقيق انعكس مباشرة على نتائج الدراسة، حيث أصبحت قراءات الموجات أكثر ثباتا، وتحسنت دقة النموذج الزلزالي مع التعمق داخل القشرة الأرضية".
وتضيف الباحثة أن "الطريق إلى هذا النموذج لم يكن سهلا، إذ واجه الفريق تحديات تقنية كبيرة، أبرزها الضوضاء المحلية الناتجة عن النشاط البشري والطبيعي، فضلا عن التعقيد التكتوني للمنطقة، التي تقع في نطاق تصادم صفائحي نشط".
والتحدي الآخر تمثل في الضبط الدقيق للمعاملات أثناء دمج البيانات، حيث كان لزاما تحقيق توازن حساس بين وزن كل نوع من البيانات الزلزالية، فإعطاء وزن زائد لنوع واحد على حساب الآخر كان كفيلا بتشويه الصورة النهائية.
وتشبه سلوى هذه بضبط موسيقى متعددة الآلات، إذا ارتفع صوت آلة واحدة أكثر من اللازم، يختل اللحن كله.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات تحت السلیمانیة موجات الزلازل النفط والغاز للجزیرة نت باطن الأرض
إقرأ أيضاً:
حدث فلكي نادر.. هل يمكن مشاهدة اصطدام صاروخ «فالكون 9» بالقمر من الأرض؟
منذ أشهر، والمرحلة العليا من صاروخ «فالكون 9» التابع لشركة «سبيس إكس» عالقة في مدار بيضاوي الشكل حول الأرض، دون أن تتمكن من العودة إلى الغلاف الجوي كما كان مقررا، والآن أصبح من المؤكد أن هذا الصاروخ سيرتطم بالقمر في الخامس من أغسطس المقبل، في حدث نادر يترقبه علماء الفلك بشغف، حيث يعتزمون الاستفادة منه لدراسة سطح القمر وآثار الاصطدامات، حسبما ذكرت روسيا اليوم.
ووفقا لورقة علمية جديدة، سيرتطم الصاروخ بمنطقة مضاءة بالشمس قرب فوهة «أينشتاين» على سطح القمر، عند الساعة 06:44 بتوقيت جرينيتش من يوم 5 أغسطس، ومن المتوقع أن يتمكن العلماء باستخدام التلسكوبات الأرضية والمراصد الفضائية من رصد وميض الاصطدام، وسحابة الغبار المتصاعدة، والفوهة التي سيحدثها الصاروخ.
بدأت القصة في 15 يناير 2025، عندما أطلقت شركة «سبيس إكس» الصاروخ من مركز كينيدي للفضاء التابع لناسا، حاملا مركبتي هبوط إلى القمر. وبعد أن نجح الصاروخ في وضع المركبتين في مسارهما نحو القمر، كان من المفترض أن تعود المرحلة العليا من الصاروخ وتدخل الغلاف الجوي للأرض لتحترق، لكنها فشلت في ذلك وظلت عالقة في مدارها.
وفي أبريل الماضي، حذر المحلل المداري المستقل بيل غراي العالم من هذا الاصطدام الوشيك، بعد أن استخدم برنامجه الخاص لتتبع مدار الصاروخ وحساب مساره المستقبلي. وتوقع أن يرتطم الصاروخ بالقمر بسرعة هائلة تبلغ 5400 ميل في الساعة (8700 كم في الساعة)، أي أسرع بسبع مرات من سرعة الصوت، وهو الآن أحد مؤلفي الورقة العلمية التي تصف الحدث.
الصاروخ الذي يبلغ طوله 12 مترا وعرضه 4 أمتار ووزنه 4 أطنان، هو في الأساس قشرة معدنية مجوفة. وعندما يرتطم بسطح القمر، سيتحطم بالكامل، محدثا فوهة جديدة يتراوح عرضها بين 20 و30 مترا. كما سيثير كميات هائلة من الغبار، حيث سيمتد عمود الغبار الناتج لعدة كيلومترات فوق سطح القمر.
وقبل الاصطدام بلحظات، سيمر الصاروخ على بعد بضعة كيلومترات فقط من المركبة الفضائية الكورية «المتتبع القمري كوريا باثفايندر» «Korean Pathfinder Lunar Orbiter»، المعروفة اختصارا بـ KPLO، والتي قد تتمكن من جمع بعض البيانات عن الصاروخ أثناء سقوطه، لكن ذلك غير مؤكد، أما المركبة المدارية الاستطلاعية للقمر التابعة لناسا، Lunar Reconnaissance Orbiter، فلن تكون في المكان المناسب وقت الاصطدام، ولن تتمكن من متابعة الحدث.
ولن يتمكن جميع سكان الأرض من رؤية هذا الحدث، فالرؤية تتطلب ظلاما تاما واستخدام تلسكوب، ونظرا لأن الاصطدام سيحدث عند الساعة 06:44 بتوقيت جرينيتش، فإن المراقبين في أمريكا الجنوبية وأجزاء من أمريكا الشمالية «عدا الساحل الغربي» سيكونون في أفضل موقع لمشاهدته، حيث سيكون القمر فوق الأفق في تلك المناطق أثناء الظلام.
وينصح الخبراء الراغبين في الرصد بإجراء تجارب تدريبية فى اليوم السابق للاصطدام، للتأكد من أن معداتهم تعمل بشكل صحيح ومعرفة كيفية الحصول على أفضل رؤية.
ورغم أن الصاروخ هو مجرد حطام فضائي، فإن فرصة رصد اصطدامه بالقمر في الوقت الفعلي هي فرصة ذهبية لعلماء الفلك، فهذا الحدث سيساعدهم على فهم كيفية تشكل الغبار والأعمدة الناتجة عن الاصطدامات القمرية، كما سيمكنهم من دراسة مخاطر الحطام الفضائي على الأجرام السماوية.
بالإضافة إلى ذلك، سيساعدهم هذا الاصطدام في تحسين طرقهم لحساب مواقع ارتطام الأجسام بالقمر بدقة، وهو أمر قد يفيد في تجارب الزلازل القمرية المستقبلية.
اقرأ أيضاًالقمر العملاق يقترب من الجوزاء.. حدث فلكي بارز يمنح 6 أبراج فرصا استثنائية
أطول كسوف كلي للشمس خلال القرن.. مصر تستعد لحدث فلكي نادر في 2027
الشمس لا تخطئ موعدها على وجه رمسيس الثاني.. مصر تستعد لظاهرة فريدة بمعبد أبو سمبل