العقل المتطرف بين هندسة الكراهية والخرائط المعرفية
تاريخ النشر: 11th, January 2026 GMT
عندما يتحدث البعض عن المتطرف دينيًا يقولون إنه كائن "بلا عقل"، أو مجرد ضحية لجهل مطبق، لكن الحقيقة التي تكشفها مراقبة السلوك البشري بعمق تخبرنا بغير ذلك تمامًا، فالمتطرف قد يكون ذكيًا، منظمًا، ويمتلك منطقًا حديديًا، بينما تكمن معضلة ذكائه في أنه يعمل داخل "نظام تشغيل" مغلق. هو لا يتحرك في فراغ، بل يسير وفق "خريطة ذهنية" شديدة التعقيد، رسمها لنفسه - أو رُسمت له - فأصبحت هي الواقع الوحيد الذي يعترف به.
في محاولة جادة للإجابة عن هذه الأسئلة، قدمت الباحثة ستيفاني دورنشنايدر (Stephanie Dornschneider ) كتابها المرجعي الصادم "بين القتل والامتناع: الخرائط المعرفية للأفراد العنيفين وغير العنيفين" (Whether to Kill: The Cognitive Maps of Violent and Nonviolent Individuals)، الذي صدرت طبعته الأولى عام 2016م عن جامعة بنسلفانيا (University of Pennsylvania Press). دورنشنايدر لم تكتب كتابها من خلف المكاتب المكيفة، ولكن غاصت في العمل الميداني بين عدة دول، لتقارن بين أشخاص نشأوا في نفس الزقاق، وتنفسوا نفس الهواء السياسي، لكن أحدهم قرر أن يصبح "انتحاريًا" بينما اختار الآخر "الاحتجاج السلمي".
الفارق بينهما - كما استنتجت دورنشنايدر- ليس في مستوى الغضب، ولكن في "الخريطة المعرفية" التي يحملها كل منهما. الخريطة الذهنية هي المسار الذي يربط بين معتقدك وبين القرار الذي ستتخذه في لحظة الأزمة. تقول دورنشنايدر في اقتباس جوهري من كتابها: "الخرائط المعرفية تجعل الروابط بين معتقدات الفرد وقراراته السلوكية مرئية، إنها تظهر كيف يمكن لمجموعة من العمليات الاستدلالية أن تقود شخصا ما لاعتبار العنف وسيلة عقلانية تماماً للوصول إلى غايته".
يسكن المتطرف داخل زنزانة من "الثنائيات"، فخريطته الذهنية لا تحتوي على تضاريس متنوعة، بل هي طريقان متوازيان لا يلتقيان أبدًا: "نحن" مقابل "هم"، "الحق" مقابل "الباطل"، "الضحية" مقابل "الجلاد". هذا التقسيم الحاد للكون ليس مجرد انحياز، بل هو آلية دفاعية لحماية العقل من "وجع التعقيد". الحياة معقدة، مليئة بالتناقضات والمناطق الرمادية، والمتطرف شخص لا يطيق الرمادي، إنه يبحث عن "يقين مطلق" يمنحه شعوراً بالاستقرار النفسي وسط عالم مضطرب.
هذا الانغلاق يولد ما نسميه "التصفية الانتقائية"، فالمتطرف يمتلك "رادارًا" غريبًا، فهو يلتقط كل معلومة تغذي كراهيته ويحولها إلى دليل قاطع، بينما "يُسقط" من ذاكرته أي حقيقة تدعو للتسامح أو تشير إلى إنسانية خصمه. إنه لا يرى الواقع كما هو، بل يراه كما يجب أن يكون ليطابق خريطته. إذا حدثته عن السلام، رأى في كلامك "ضعفاً"، وإذا حدثته عن التعايش، رآه "مؤامرة"، هو لا يسمع صوتك، بل يسمع صدى أفكاره في صوتك.
إحدى أخطر سمات العقل المتطرف هي قدرته الفائقة على "أنسنة الجريمة"، هو لا يقتل لأنه يحب القتل (في معظم الحالات)، بل يقتل لأنه مقتنع تمامًا بأن القتل هو "الحرث الضروري لزراعة العدل". هنا تتدخل الخريطة المعرفية لتعيد تعريف "الأخلاق"، ففي عالم المتطرف، تصبح الرحمة بالعدو "خيانة"، ويصبح الفتك به "بطولة".
تؤكد دورنشنايدر عبر دراستها أن الأفراد العنيفين يتميزون بعشر عمليات استدلالية محددة. هذه العمليات ليست "جنونًا"، بل هي "منطق بديل". في إحدى مقابلاتها، يظهر بوضوح أن الشخص العنيف يشعر بأنه "مُحاصر"، وأن العالم كله قد توقف عن الدوران ليتآمر عليه شخصيًا. هذه "البارانويا" هي المحرك، فإذا كنت مقتنعًا أن هناك من يريد إبادتك، فإن أي فعل تقوم به - مهما كان بشعًا - سيظهر في خريطتك الذهنية كفعل "دفاع عن النفس". تقول الباحثة: "عشر عمليات استدلالية كفيلة بأن تفصل بين عالمين، عالم يرى في العنف خياراً مستحيلاً، وعالم يراه المسار الوحيد المتاح".
المتطرف إنسان يعاني من "تجمد الزمن"، هو يعيش بجسده في عام 2026، لكن عقله يسكن في لحظة تاريخية قديمة، ربما قبل ألف عام أو أكثر. خريطته الذهنية لم تُحدَّث منذ قرون، هو يرى الصراعات الحديثة كامتداد لحروب بائدة، ويرى في جاره "عدوًا تاريخيًا" يجب تصفية الحساب معه.
هذا "الجمود الإدراكي" يجعله يفقد القدرة على "المناورة الفكرية"، فهو لا يستطيع أن يتخيل حلولاً وسطًا، لأن "الوسط" في خريطته هو "نقطة السقوط". هنا يكمن الفارق الجوهري الذي رصدته دورنشنايدر، فالشخص السلمي يمتلك خريطة "مرنة" تحتمل المسارات المتعددة والمخارج الطارئة، أما المتطرف فخريطته عبارة عن "نفق مظلم" لا يرى في نهايته إلا ضوء الانفجار.
هل يمكننا ترميم الخرائط المحطمة؟ إن محاربة التطرف بالأدوات الأمنية فقط هي محاولة لاقتلاع الأغصان مع ترك الجذور حية. الحل الحقيقي، الذي تومئ إليه أبحاث الخرائط المعرفية، يكمن في "ثورة داخل العقل". نحن بحاجة إلى برامج تربوية ونفسية لا تقدم "إجابات صحيحة"، ولكن تعلم الناس "كيف يسألون الأسئلة الصحيحة"، ويمكن أن تسير بالتوازي مع الأدوات الأمنية.
علينا أن نكسر "سلطة الخريطة الواحدة"، فبناء المناعة المعرفية يبدأ من تقبل الغموض، ومن إدراك أن الآخر ليس "شيطانًا" بل هو إنسان معقد يعاني مما يعانيه غيره. وكما قالت ستيفاني دورنشنايدر: "إن القتل يبدأ كفكرة في خريطة ذهنية قبل أن يصبح رصاصة في بندقية". وإذا أردنا أن نوقف الرصاص، فعلينا أولاً أن نُعيد رسم تلك الخرائط التائهة، لنعيد للإنسان المتطرف قدرته على رؤية الألوان في عالم لم يكن يومًا أبيض وأسود فقط.
المصدر
المصدر: الأسبوع
إقرأ أيضاً:
تطورات في عالم آبل.. أول آيفون قابل للطي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
ظهرت تسريبات لصور جديدة لنموذج تجريبي (Dummy Unit) يُعتقد أنه يستند إلى التسريبات الحالية الخاصة بأول هاتف آيفون قابل للطي من شركة “أبل”، ما يمنح المهتمين بالتقنية تصورًا أوضح لشكل الجهاز المنتظر قبل سنوات من إطلاقه الرسمي.
ويُظهر النموذج المسرب جهازًا باللون الأبيض يعتمد تصميمًا قابلًا للطي على غرار الكتاب، وهو النمط نفسه الذي تتبعه معظم الهواتف القابلة للطي الرائدة في السوق حاليًا.
تصميم أكثر انسيابيةأحد أبرز التفاصيل اللافتة في الصور هو اعتماد “أبل”، وفقًا للتسريبات، على حواف وزوايا أكثر نعومة وانسيابية مقارنة بعدد من المنافسين في فئة الهواتف القابلة للطي، بحسب تقرير نشره موقع “Gizmochina”.
كما يبرز تصميم وحدة الكاميرات الخلفية بشكل واضح، حيث تبدو قريبة من لغة التصميم المستخدمة في هاتف آيفون إير وفق الشائعات المتداولة.
ويضم النموذج كاميرتين خلفيتين فقط بدلًا من ثلاث، وهو ما يتماشى مع تقارير سابقة أشارت إلى أن “أبل” قد تركز على تقديم تصميم نحيف وخفيف الوزن بدلًا من زيادة عدد المستشعرات.
ألوان محدودة في البداية
وتشير التسريبات الحالية إلى أن “أبل” قد تعتمد خيارات ألوان محدودة نسبيًا في الجيل الأول من الهاتف القابل للطي.
فاللون الأبيض الظاهر في الصور يتوافق مع الشائعات التي تتحدث عن طرح الجهاز بألوان مثل الفضي ودرجات داكنة أخرى، في حين يُتوقع أن تحصل سلسلة آيفون 18 برو على تنوع لوني أكبر.
شاشة كبيرة ومعالج قويوبحسب المعلومات المتداولة، قد يأتي الهاتف بشاشة خارجية قياسها نحو 5.5 بوصة، إلى جانب شاشة داخلية قابلة للطي يصل حجمها إلى نحو 7.8 بوصة عند فتح الجهاز بالكامل.
كما يُتوقع أن يعتمد على معالج A20 Pro، الذي يُرجح أن يكون من بين أقوى الشرائح التي تطورها “أبل” خلال تلك الفترة.
عودة Touch ID
من أكثر الشائعات إثارة للاهتمام حول الهاتف القابل للطي احتمال عودة تقنية Touch ID.
وتشير بعض التقارير إلى أن “أبل” قد تعتمد مستشعر بصمة مدمجًا في زر الطاقة الجانبي بدلًا من نظام Face ID التقليدي.
ويُعتقد أن ذلك يعود إلى التحديات الهندسية المرتبطة بدمج نظام TrueDepth الخاص بالتعرف على الوجه داخل هيكل قابل للطي فائق النحافة.
وفي حال تحقق ذلك، ستكون هذه أول عودة فعلية لتقنية Touch ID إلى هواتف آيفون الرائدة منذ سنوات طويلة.
مجرد نموذج مبني على التسريبات
ورغم الاهتمام الكبير الذي حظيت به الصور المتداولة، من المهم الإشارة إلى أنها لا تمثل جهازًا رسميًا من “أبل”.
فالنموذج الظاهر عبارة عن تصميم تجريبي مبني على تسريبات غير مؤكدة، بهدف إعطاء تصور تقريبي لشكل الهاتف المتوقع.
وبالتالي، قد يختلف التصميم النهائي بشكل ملحوظ عند الكشف الرسمي، خاصة أن “أبل” لا تزال في مراحل تطوير أول هاتف قابل للطي في تاريخها، وسط توقعات بأن يكون من أبرز الإطلاقات التقنية خلال السنوات المقبلة.