كشف تحليل صور أقمار صناعية للجزيرة تنفيذ جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليات إزالة ركام منازل مدمرة في مدينة بيت حانون شمالي قطاع غزة، في خطوة تثير تساؤلات جوهرية حول الأهداف الكامنة وراء هذه العمليات، وما إذا كانت تقتصر على دواعٍ أمنية أم تندرج ضمن نوايا ومخططات أوسع.

واستند التحليل، الذي قامت به الجزيرة، على صور أقمار صناعية عالية الجودة، ملتقطة في الفترة بين 8 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قبل يومين من بدء وقف إطلاق النار في غزة، وحتى آخر صور حديثة ملتقطة للمدينة بتاريخ 10 يناير/كانون الثاني الجاري، وهو ما يشير إلى استمرار عمليات التجريف وإزالة الركام بالأحياء المدمرة وبالتحديد في منطقة ما يُعرَف محليا بـ"البورة" وأواخر شارعي المصريين والنعايمة شمال شرقي بيت حانون.

تحليل صور الأقمار الصناعية يكشف إزالة ركام مئات المنازل في بيت حانون (الجزيرة-بلانت إل بي سي)

وتُظهر الصور الفضائية والقياسات الجغرافية أن المساحة التي جرى إزالة ركام المنازل منها بالإضافة إلى المنطقة المجرفة، تقدر بنحو 408 آلاف متر مربع، أي ما يعادل نحو 100 فدان، كما يبلغ عدد المنازل التي أُزيلت ركامها بنحو 329 منزلا، إلى جانب المنشآت والغرف المرتبطة بالمزارعين وممتلكاتهم في المنطقة التي تُعَد من المناطق الزراعية في بيت حانون.

صور التقطت قبيل إزالة ركام المنازل في بيت حانون بتاريخ 5 سبتمبر 2025 (بلانت إل بي سي)

وتُبيّن الصور أيضا عمل جرافات تنتشر بين المنازل المدمرة التي تجري فيها عمليات إزالة الأنقاض، وهي منطقة يوجد فيها أيضا أكثر من نقطة تمركز عسكرية نشطة وغير نشطة للجيش الإسرائيلي.

تحليل الجزيرة يرصد عمل الجرافات والآليات في إزالة الركام ببيت حانون في 18 ديسمبر 2025 (بلانت إل بي سي)

الجدير بالذكر أن عمليات إزالة الركام بدأت من بداية الخط العمراني مباشرة في مدينة بيت حانون، والمقابل للسياج الأمني الذي يفصل بين المدينة ومستوطنات إسرائيلية قريبة من الحدود الشمالية، من بينها "سديروت".

صورة قبل الحرب للمنازل التي دُمرت وأُزيل ركامها في مدينة بيت حانون يونيو 2023 (الجزيرة-بلانت إل بي سي)

وتناقض هذه الصور تصريحات جيش الاحتلال الإسرائيلي التي نقلتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" قبل أيام قليلة، حول الهدف من "تجنيد" جرارات مدنية من المستوطنين في غلاف غزة لاستخدامها داخل أراضي القطاع، بما في ذلك مدينة بيت حانون.

إعلان

وقال الجيش إنه استعار جرارات المستوطنين لصالح فرقة عسكرية للقيام بمهام خلف الحدود، تهدف لتحسين مدى الرؤية عبر إزالة الأعشاب الكثيفة والنباتات وتسوية الأرض، لكنه لم يتطرق نهائيا إلى عمليات إزالة ركام مئات المنازل.

كما نفى الجيش للصحيفة أن يكون الهدف هو إعداد الأراضي الفلسطينية لاحتياجات زراعية إسرائيلية.

ويعتبر استخدام الجيش لأدوات زراعية تعود للمستوطنين للعمل فيها داخل غزة سابقة هي الأولى من نوعها منذ عام 2005، حيث كانت قيادة المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي قد تحفظت على هذه الخطوة وفق مزاعم الصحيفة.

وتقع مدينة بيت حانون أقصى شمالي قطاع غزة، داخل ما يُعَرف بـ"المناطق الصفراء" التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي بشكل تام، وقد بلغت نسبة الدمار فيها مستويات غير مسبوقة بفعل عمليات القصف والتجريف التي شهدتها المدينة على مدار عامين من الحرب وحتى خلال فترة وقف إطلاق النار، ولم يعد سكان المدينة إليها سوى لفترات قصيرة وبشكل جزئي.

ولم تُخفِ إسرائيل نواياها الاستيطانية في غزة، إذ حضرت مدينة بيت حانون أكثر من مرة في خطابات وشعارات قادة اليمين المتطرف في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

ففي يناير عام 2024، وقّع وزراء وأعضاء كنيست من الائتلاف الحاكم على ميثاق أسموه "ميثاق النصر وتجديد الاستيطان في قطاع غزة وشمال السامرة"، خلال مؤتمر انعقد بمدينة القدس، ورُفعت فيه لافتة كبيرة تتضمن خريطة وُضعت عليها نقاط الاستيطان المخطط لها، بما في ذلك نواة استيطانية من المفترض أن تقام على أطراف بيت حانون.

وفي ديسمبر من العام ذاته، زار وزراء وأعضاء كنيست مطل في "سديروت" يشرف على قطاع غزة وناقشوا إقامة مستوطنات في القطاع، وقالت "هدار بار-حي"، مديرة مجموعة استيطانية، وهي تشير إلى بيت حانون وبيت لاهيا، إنهما من المناطق الخالية من السكان، مشيرة إلى أن أكثر من 800 عائلة يهودية مستعدة للاستيطان فور أن يصبح ذلك ممكنا.

وفي ديسمبر الماضي، أدلى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتصريحات لافتة حول مستقبل القطاع، حيث كشف خلال مؤتمر في مستوطنة "بيت إيل" عن خطة لإنشاء "نوى ناحال" (قواعد عسكرية زراعية) في شمال غزة، مؤكدا أن إسرائيل "لن تنسحب أبدا ولن تغادر غزة".

واعتبر كاتس هذه القواعد بديلا للمستوطنات التي أُخليت عام 2005، وهو ما أثار استياء الإدارة الأميركية التي طالبت بتوضيحات، كونه يتعارض مع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب.

ويواصل الجيش الإسرائيلي عمليات نسف المنازل وتوسيع مناطق سيطرته في قطاع غزة داخل ما يُعرف بالخط الأصفر، بما يشمل تسوية آلاف الدونمات والمباني في الأحياء السكنية بقطاع غزة.

وأنهى اتفاق لوقف إطلاق النار حرب إبادة جماعية بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر 2023، واستمرت عامين، وخلفت أكثر من 71 ألف شهيد فلسطيني وما يزيد على 171 ألف جريح، ودمارا هائلا طال 90% من البنى التحتية المدنية، بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات مدینة بیت حانون عملیات إزالة فی بیت حانون إزالة رکام قطاع غزة أکثر من

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
  • إسرائيل مستاءة... هذه كواليس الجلسة الأولى من المُفاوضات اللبنانيّة - الإسرائيليّة
  • المقاومة اللبنانية تكشف تفاصيل تصديها لمحاولات توغل من جيش العدو الإسرائيلي
  • 40قاعدة ونقطة عسكرية داخل غزة.. صور أقمار صناعية تكشف توسع الانتشار الإسرائيلي بعد اتفاق التهدئة
  • الدفاع المدني اللبناني: انتشال 6 جثث من تحت أنقاض مبنى استُهدف جنوب لبنان
  • صفارات الإنذار تدوي في الجليل الأعلى شمال إسرائيل تحسبًا لسقوط صواريخ
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلطات مدينة نيوآرك الأمريكية تحظر التجول حول مركز احتجاز المهاجرين بسبب الاحتجاجات
  • نتنياهو: أولويتنا تقويض قدرة حزب الله على تهديد شمال إسرائيل