صفحة الماضي

يُطلب منّا اليوم أن نطوي صفحة الماضي بجرّة قلم، تحت عنوان "التسوية" وضرورات المرحلة، وكأن هذا الماضي مجرد سحابة صيف عابرة، لا سجلّا مثقلا بالدماء والدموع. يُراد للحقيقة أن تُدفن على عجل، فوق قبورٍ بلا خرائط ولا معالم، فلا جثمان يُسلَّم، ولا قبر يُزار، ولا عزاء يكتمل. إنّ ما جرى في هذا البلد لا يمكن اختزاله في إجراء إداري أو تسوية مالية، فنحن لا نتحدث عن أخطاء عابرة، بل عن مليون شهيد، وأكثر من اثني عشر مليون مُهجّر، ومُدن دُمّرت فوق رؤوس أهلها، ومئات الآلاف من المعتقلين والمفقودين الذين ما زال أحبّتهم عالقين على عتبة الانتظار حتى ما بعد التحرير.



من هو محمد حمشو؟

محمد حمشو ليس اسما عابرا في سجلّ رجال الأعمال، بل يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه إحدى الواجهات المالية الأساسية للمجرم ماهر الأسد والفرقة الرابعة، والمسؤول عن تأمين الغطاء المالي لعملياتها. ارتبط اسمه بشبكات غسل الأموال والالتفاف على العقوبات الدولية لضمان تدفق الموارد للنظام السابق، كما نُسبت إليه إدارة ورشات لاستخراج المعادن من أنقاض مدن الضحايا وبيعها. وبسبب دوره في تمويل القمع، أُدرج على قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية باعتباره ركنا ماليّا في منظومة إجراميّة أسهمت في إطالة المأساة السورية.

التعافي والمحاسبة

من البديهي أنّ البلاد تسعى اليوم إلى التعافي بعد عقود من الفساد والاستبداد، وأنّ مرحلة البناء تتطلب استقرارا اقتصاديّا ومصالحات وطنيّة وتسويات ماليّة تضمن دوران عجلة الحياة. هذه حقائق لا يمكن إنكارها ولا القفز فوقها. غير أنّ المنطق الوطني السليم يرفض أن تتحول هذه الضرورات إلى باب خلفي لعودة من تورطوا في دعم النظام السابق حتى العظم، فالتسوية الاقتصاديّة، إن أُريد لها أن تكون أداة إصلاح، يجب أن تُستخدم لتمكين النزيهين وبناء مؤسسات شفافة، لا لتكريس حضور من موّل القتل واستثمر في دماء السوريين.

مقايضة العدالة

مع إعلان اللجنة الوطنيّة لمكافحة الكسب غير المشروع عن "تسوية شاملة" ضمن إطار "الإفصاح الطوعي" واسترداد المال العام، يبرز تساؤل وطني مشروع حول حدود هذه المقاربة وأثرها على مفهوم العدالة الانتقالية. فاسترداد المال المهنوب خطوة مطلوبة وضرورية، لكنّها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن المساءلة القانونية. إنّ الفصل الواضح بين مسار استعادة الأموال ومسار المحاسبة هو ما يحفظ للتسوية معناها الإصلاحي، ويمنع تحولها إلى مقايضة أخلاقيّة تُفهم وكأنهّا تمنح صكّ غفران لمن موّل القمع وأسهم في الإجرام. فبغير هذا الفصل، تصبح العدالة الانتقالية شعارا إداريّا لا مضمون له، وتُوضع ثقة الشعب بمسار الإصلاح أمام اختبار صعب بل معضلة.

مفارقة الظلم

في الوقت الذي يُمنح فيه ممولو القمع فرصة "فتح صفحة جديدة"، ما يزال كثير من الثوار والمنشقين يطاردون المحاكم لإثبات براءتهم من أحكام كيدية متعمدة. يُطلب من الضحيّة أن يدفع ثمن براءته، بينما يُعاد تقديم الممول في فضاءات عامة بوصفه شريكا في المستقبل. وفي ظل هذا التناقض الصارخ، يبقى مصير آلاف المغيبين مُعلّقا بلا إجابة، وكأن الوطن تحوّل إلى سوق تُشترى فيه الوجاهة ويُساوَم فيه على العدالة، لا إلى دولة تُنصف أبناءها.

مستقبل العدالة

إنّ الدولة التي تسعى إلى ترسيخ شرعيتها بعد حقبة سوداء، تحتاج قبل كل شيء إلى وضوح أخلاقي وقانوني في مقاربتها للعدالة. فالتسويات، مهما كانت ضرورية لإنعاش الاقتصاد واستعادة المال العام، لا يجوز أن تُفهم على أنّها بوابة للإفلات من المحاسبة أو رسالة مفادها أن النفوذ والمال قادران على تجاوز الذاكرة والحق. إنّ بناء دولة مستقرة لا يكون بطيّ الجراح دون علاج، بل بمعالجة أسبابها، وإرساء مبدأ أن لا أحد فوق القانون؛ وحدها المحاسبة العادلة، المترافقة مع مسارات التعافي، قادرة على طيّ صفحة الماضي فعلا، لا بالقفز فوقها، وصون مستقبل لا يُعاد فيه إنتاج المأساة بأسماء جديدة.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء العدالة المحاسبة سوريا عدالة المحاسبة مدونات مدونات قضايا وآراء مدونات مدونات مدونات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة

في الذكرى السادسة لاغتيال المصور الحربي نبيل القعيطي، تعود القضية إلى دائرة الضوء من جديد وسط استمرار غياب نتائج قضائية معلنة، وتزايد الدعوات المطالِبة بإعادة فتح ملف الاغتيال وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة قادرة على كشف ملابسات الحادثة وتحديد المسؤولين عنها، في وقت لا تزال فيه قضايا استهداف الصحفيين في اليمن تُصنَّف ضمن الملفات العالقة التي لم تصل إلى العدالة النهائية وفق تقارير حقوقية دولية.

واغتال مسلحون مجهولون المصور الحربي القعيطي، في الثاني من يونيو من العام 2020، حيث نصب المسلحين كمينًا للمصور فور خروجه من منزل في مديرية دارسعد، شمال العاصمة عدن، حيث فتح المهاجمين النار على المصور ما أسفر عن مقتله على الفور، وتمكن الجناة من الفرار.

وتشير منظمات معنية بحرية الصحافة إلى أن اليمن يُعد من أخطر البيئات على الصحفيين خلال سنوات الصراع، مع استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب في عدد من القضايا المرتبطة بعمليات اغتيال أو استهداف إعلاميين، وهو ما يعزز المطالب المحلية والدولية بضرورة فتح تحقيقات شفافة ومستقلة لضمان عدم طي مثل هذه الملفات دون محاسبة.

وأكدت أسرة الشهيد أن مرور ست سنوات على اغتيال القعيطي لا يعني بأي حال انتهاء القضية أو سقوط الحق القانوني والأخلاقي في ملاحقتها، بل يمثل—بحسب تعبيرها—دافعًا إضافيًا لإعادة فتح الملف بشكل جاد. وشددت الأسرة على أن غياب أي إعلان رسمي يوضح نتائج التحقيقات السابقة يثير تساؤلات مستمرة حول مسار القضية وأسباب تعثرها.

وقال فتحي القعيطي، شقيق الشهيد، إن الأسرة لا تزال متمسكة بمطلبها الأساسي المتمثل في كشف الحقيقة كاملة دون انتقائية، مؤكدًا أن العدالة لا تتحقق إلا عبر إجراءات شفافة تؤدي إلى محاسبة كل من يثبت تورطه أو تقصيره في الوصول إلى الجناة.

وناشدت الأسرة القائد أبو زرعة المحرمي، والفريق الركن محمود الصبيحي، ومحافظ العاصمة المؤقتة عدن، التدخل لتشكيل لجنة أمنية مستقلة ومحايدة تتولى إعادة فتح التحقيق، ومراجعة الإجراءات السابقة، والعمل على تتبع أي خيوط قد تقود إلى كشف الجريمة.

كما طالبت الأسرة بمساءلة الجهات التي كانت ضمن مسار التحقيق أو أشرفت عليه في مراحل سابقة، معتبرة أن تعطيل الوصول إلى نتائج واضحة أو إغلاق الملف دون محاكمة يمثل خللًا خطيرًا في مسار العدالة.

واستحضر صحفيون وإعلاميون المسيرة المهنية لـنبيل القعيطي، مؤكدين أنه كان أحد أبرز المصورين الحربيين الذين وثقوا أحداث الحرب والصراع في العاصمة عدن ومناطق أخرى، عبر تغطيات ميدانية من خطوط تماس وأماكن شديدة الخطورة.

ويرى إعلاميون أن اغتياله لم يكن حدثًا فرديًا معزولًا، بل جزءًا من سلسلة استهداف طالت صحفيين خلال سنوات الحرب، ما انعكس على بيئة العمل الإعلامي ورفع منسوب المخاطر التي يواجهها العاملون في المجال الصحفي أثناء تغطية الأحداث الميدانية.

وتؤكد تقارير دولية أن استهداف الصحفيين في مناطق النزاع غالبًا ما يرتبط بغياب المساءلة، وهو ما يؤدي إلى ترسيخ حالة الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الانتهاكات بحق الإعلاميين.

وقال الصحفي صالح حقروص إن القعيطي كان شاهدًا ميدانيًا على مرحلة حساسة من تاريخ الجنوب، مشيرًا إلى أن استمرار قضايا اغتيال الصحفيين دون محاسبة يشكل تهديدًا مباشرًا لحرية الصحافة، ويضعف ثقة المجتمع في قدرة العدالة على إنصاف الضحايا.

من جانبه، أكد الإعلامي محمد باحميل أن القعيطي سيبقى رمزًا للصحافة الحرة، موضحًا أن إرثه المصور لا يزال حاضرًا في الذاكرة الإعلامية باعتباره وثيقة بصرية لمرحلة معقدة من الصراع.

أما الصحفي فتاح المحرمي، فاعتبر أن قضية القعيطي لا تزال تمثل اختبارًا حقيقيًا لمفهوم العدالة، مشددًا على أن إنصافه لا يقتصر على أسرته، بل يشمل المجتمع ككل باعتبار أن استهداف الصحفيين يمس الحق العام في المعرفة وحرية الوصول إلى المعلومات.

وتجدد ذكرى اغتيال نبيل القعيطي كل عام نقاشًا واسعًا حول ملف الإفلات من العقاب في قضايا استهداف الصحفيين في اليمن، وسط دعوات متكررة لفتح تحقيقات شفافة ومستقلة، وإعادة الاعتبار للضحايا، وضمان عدم تحول هذه القضايا إلى ملفات مغلقة دون نتائج.

ويرى مراقبون أن استمرار غياب العدالة في مثل هذه القضايا لا يقتصر أثره على أسر الضحايا فحسب، بل ينعكس على كامل المشهد الإعلامي، ويحد من قدرة الصحفيين على أداء مهامهم بحرية وأمان.

مقالات مشابهة

  • فرق توقيت!!
  • هل تتحول تهديدات ترامب إلى عمل عسكري ضد إيران؟
  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • حسني بي: الثروة يجب أن تصل إلى المواطن نقدا لا إلى المهرب سعرًا
  • قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • الخارجية الإيرانية: إسرائيل تواصل جرائمها في لبنان وفلسطين بسبب إفلاتها المستمر من العقاب
  • تراجع معدل الإنجاب بنهاية 2025.. وزير الصحة يعلن إغلاق صفحة «المناطق الحمراء».. نواب: إنجاز جديد يعزز مسيرة التنمية الشاملة
  • العلمين الجديدة تتحول إلى «جوهرة البحر المتوسط» ووجهة سياحية عالمية متكاملة