سياسي من جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، وأحد أبرز وجوه يمين الوسط في البلاد. ولد عام 1991، وتولى رئاسة وزراء غرينلاند في مارس/آذار 2025، فأصبح أصغر من شغل هذا المنصب منذ إقرار الحكم الذاتي في الجزيرة عام 1979. ولم يكن دخوله إلى السياسة مسارا تقليديا؛ إذ برز اسمه في البداية على الساحة المحلية بوصفه بطلا وطنيا في رياضة الريشة الطائرة (البادمنتون)، وانتقل لاحقا إلى العمل السياسي، مستثمرا شهرته وخبرته.

وجاء صعوده في سياق سياسي واقتصادي معقّد، يتداخل فيه الجدل بشأن مطالب بالاستقلال عن الدنمارك مع تنامي الاهتمام الدولي بالجزيرة، ولا سيما من الولايات المتحدة، إذ تنامت الأطماع الأميركية في السيطرة على الجزيرة في عهد الرئيس دونالد ترامب، الذي تحدثت تقارير صحفية عن أنه يدرس آلية لتنفيذ "عملية شراء محتملة" لغرينلاند.

المولد والنشأة

وُلد ينس فريدريك نيلسن يوم 22 يونيو/حزيران 1991 في مدينة نوك، عاصمة غرينلاند، لأب دنماركي وأم غرينلاندية.

ونشأ في بيئة مشحونة بتعقيدات الهوية والانتماء، في مجتمع يحمل إرثا تاريخيا من التوترات مع الدنمارك. وقد شكّلت هذه الخلفية الاجتماعية والسياسية إطارا مبكرا لتكوينه الشخصي والفكري.

وتعرض نيلسن في طفولته للتمييز العنصري، إذ طالبه زملاؤه في المدرسة بـ"العودة إلى الدنمارك"، رغم ولادته ونشأته في غرينلاند، وفق ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز.

وجاءت معاناته هذه في سياق أوسع من ذاكرة جماعية مثقلة، إذ كشفت تقارير سابقة لصحيفة "ليبيراسيون" عن سياسات قسرية لتحديد النسل في غرينلاند نفذتها الدنمارك بين عامي 1966 و1975، استهدفت آلاف الفتيات من شعب الإنويت، ولا تزال تداعياتها حاضرة في الخطاب السياسي المحلي.

ووفق مقربين من نيلسن، فقد أسهمت خلفيته المركّبة في تشكيل صورته السياسية لاحقا، ومنحته قدرة استثنائية على التحرك بين المجتمعين الدنماركي والغرينلاندي، إذ يتبنى مقاربة متوازنة لا تُحمّل الدنمارك وحدها مسؤولية تحديات غرينلاند، ولا تتجاهل في الوقت نفسه مطالب الاستقلال، فصار يُقدَّم ممثلا عن جيل جديد يسعى إلى تقرير المصير دون صدام ولا تصعيد مع الدنمارك.

ينس فريدريك نيلسن برز في رياضة الريشة الطائرة (حسابه الشخصي على فيسبوك)الدراسة والتكوين العلمي

التحق نيلسن بجامعة غرينلاند (إليسيما توسارفك)، حيث درس العلوم الاجتماعية بين عامي 2014 و2016، وهو تخصّص أسهم في صقل اهتمامه بالشأن العام وفهمه للبنى السياسية والاجتماعية في بلاده.

إعلان

وعقب ذلك، وسّع خبراته المهنية خارج الإطار الأكاديمي، فأكمل بين عامي 2017 و2018 تدريبا مهنيا في مجال الوساطة العقارية، قبل تفرغه الكامل للعمل السياسي.

وبحسب هانس برومرستيد، مستشار تكنولوجيا المعلومات الذي يعرف نيلسن منذ طفولته، فإن اهتمام نيلسن بالعمل العام بدأ في سن مبكرة، إذ انخرط في النشاط السياسي منذ سنوات دراسته الثانوية، قبل أن يتخذ هذا الاهتمام طابعا أكثر تنظيما في مساره الأكاديمي والمهني.

التجربة الرياضية

نجح نيلسن في بناء مسار مزدوج جمع فيه بين العمل العام ومسيرة رياضية بارزة في رياضة الريشة الطائرة، التي شكّلت بوابته الأولى إلى الشهرة في غرينلاند.

وتُوّج بطلا لبطولات غرينلاند في منافسات الفردي والزوجي والزوجي المختلط في أعوام 2012 و2014 و2016 و2018 و2019 و2021، وصار أحد أبرز لاعبي اللعبة في البلاد.

وعلى المستوى الخارجي، حقق نيلسن سلسلة من الإنجازات في "ألعاب الجُزُر"، وهي بطولة متعددة الرياضات مخصّصة للدول والأقاليم الجزرية، إذ فاز بلقب الزوجي عام 2015، وأحرز ألقاب المنافسات الجماعية في عامي 2017 و2019، قبل أن يتوج بلقب الفردي في نسخة عام 2023، معززا مكانته الرياضية على الصعيد الإقليمي.

ينس فريدريك نيلسن (الثاني يمين) مع أعضاء من البرلمان (الفرنسية)التجربة السياسية

دخل نيلسن المعترك السياسي عبر بوابة العمل التنظيمي داخل حزب "الديمقراطيين" ذي التوجه الوسطي اليميني، الذي تأسس عام 2002، وشغل أدوارا إدارية مهّدت لصعوده السريع داخل الحزب.

وينتمي حزب "الديمقراطيين" إلى تيار يمين الوسط، ويتقاطع أيديولوجيا مع حزب "التحالف الليبرالي" في الدنمارك، إذ يتبنى مقاربة تقوم على الليبرالية الاقتصادية، وتعزيز الحرية الفردية، وتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي لصالح آليات السوق.

وتعود بدايات نيلسن السياسية إلى عام 2014، حين عُيّن سكرتيرا لوزيرة التعليم والثقافة نيفي أولسن، التي وصفته آنذاك بالمنضبط والوفيّ في عمله، رغم التحفّظات التي أثيرت بشأن صغر سنه.

وفي 29 مايو/أيار 2020، عُيّن نيلسن وزيرا للعمل والموارد المعدنية، قبل أن يُنتخب بعد أقل من أسبوعين، في 8 يونيو/حزيران، زعيما لحزب "الديمقراطيين" من دون منافسة، في مؤشر مبكر على حجم الثقة التي حظي بها داخل صفوف الحزب.

غير أن مسيرته لم تخلُ من انتكاسات؛ ففي فبراير/شباط 2021 قرر سحب حزبه من الائتلاف الحاكم، مما أدى إلى الدعوة لانتخابات عامة مبكرة جرت في 8 أبريل/نيسان 2021، وأسفرت عن خسائر كبيرة للحزب، كما لم يحقق نيلسن نتائج لافتة على المستوى الشخصي، إذ حلّ ثالثا من حيث عدد الأصوات داخل حزبه.

وشكّلت انتخابات 11 مارس/آذار 2025 نقطة تحوّل في مسيرته السياسية، إذ حقق حزبه فوزا كبيرا مكّنه من تصدّر المشهد السياسي، فيما نال نيلسن أعلى عدد من الأصوات الشخصية. وفي 28 مارس/آذار 2025 كُلّف رسميا بتشكيل الحكومة، وأصبح رئيسا لوزراء غرينلاند.

وبتوليه المنصب عن عمر 33 عاما، صار نيلسن أصغر رئيس وزراء في تاريخ غرينلاند، وثامن من يتولى هذا المنصب منذ حصول الإقليم على الحكم الذاتي من الدنمارك عام 1979. وجاء صعوده في لحظة حساسة عادت فيها غرينلاند، التي يبلغ عدد سكانها نحو 50 ألف نسمة، إلى دائرة الاهتمام الدولي.

إعلان

وقد وُضعت قيادته مبكرا أمام اختبار سياسي بارز مع تجدّد الاهتمام الأميركي بالجزيرة، إذ رفض بحزم تصريحات ترامب التي ألمح فيها إلى إمكانية ضم غرينلاند، مؤكدا أن الجزيرة "ليست للبيع".

وقد لاقى هذا الموقف صدى واسعا داخل البلاد، وعزّز صورته بوصفه قائدا براغماتيا قادرا على الموازنة بين الطموح الوطني والواقعية السياسية، مستندا إلى شعبية سابقة بناها أيضا بصفته بطلا وطنيا في رياضة الريشة الطائرة التي تُوّج فيها 19 مرة قبل دخوله عالم السياسة.

ينس فريدريك نيلسن في مؤتمر صحفي بمدينة نوك في غرينلاند يوم 5 يناير/كانون الثاني 2026 (الفرنسية)فكره السياسي

يتبنى نيلسن موقفا مؤيدا لاستقلال غرينلاند، لكنه يطرحه ضمن إطار براغماتي متدرّج، يؤكد فيه أن تحقيق السيادة الكاملة يظل مرتبطا بقدرة البلاد على بناء اقتصاد قوي ومستدام.

ويقرّ بأن غرينلاند ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم المالي الدنماركي، معتبرا أن تقليص هذا الاعتماد شرط أساسي قبل أي خطوة حاسمة نحو الاستقلال.

ويدعو نيلسن إلى إصلاح شامل للنظام الضريبي في غرينلاند، يقوم على التبسيط وتخفيف الأعباء عن المواطنين، مع توفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمار.

وتركّز رؤيته الاقتصادية على دعم قطاع الأعمال، واستقطاب الكفاءات والخبرات الأجنبية، وتنويع القاعدة الاقتصادية لتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية.

ويسعى نيلسن إلى جعل غرينلاند وجهة أكثر جذبا لشركات التعدين والطاقة، عبر إضفاء قدر أكبر من المرونة على قطاع الموارد الطبيعية.

ومع ذلك، لا تزال مواقفه غير محسومة بشأن إمكانية تعديل قانون الموارد المعدنية الصادر عام 2010، الذي ينظم أنشطة الاستكشاف والاستغلال ويتضمن معايير لحماية البيئة.

واتسم موقف نيلسن من الرئيس الأميركي ترامب بالحزم، ولا سيما أثناء حملته الانتخابية، إذ انتقد زيارة مسؤول أميركي رفيع في وقت كانت فيه غرينلاند تفتقر إلى حكومة فاعلة، واعتبرها "تصرفا يفتقر إلى الاحترام".

وأشار إلى أن الضغوط الأميركية تركت أثرا واضحا في مسار الانتخابات، مؤكدا أن معالجة الهواجس الأمنية لدى الغرينلانديين تمثل أولوية قصوى للحكومة الجديدة، ومشدّدا على ضرورة وجود سلطة تنفيذية مستقرة وقادرة على التعامل مع هذه التحديات منذ اليوم الأول لتوليها مهامها.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی غرینلاند

إقرأ أيضاً:

القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا

قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.

عاجل.. سماع دوي انفجارات في منطقة جزيرة قشم بإيران وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • رئيس وزراء فرنسا: مرتكبو أعمال العنف يجب أن يتحملوا تكلفة الأضرار
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • سلام استقبل سفير الدنمارك
  • أيسل نديم نجمة طائرة الزمالك سيدات تعلن رحيلها عن الفريق
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • بعد الصعود للممتاز.. "طائرة نادي قارون" بالفيوم تبدأ مرحلة تدعيم الصفوف
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش