NYT: استراتيجية ترامب في الكاريبي تعزز نفوذ الجريمة المنظمة بدل كبحها
تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT
سلطت قراءة تحليلية غريية الضوء على التحول الحاد في المقاربة الأمريكية للجريمة المنظمة في أمريكا اللاتينية، محذرة من أن تصعيد واشنطن العسكري والأمني، منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يقوم على فهم قاصر لطبيعة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وقد يقود إلى نتائج عكسية تعمق نفوذ هذه الشبكات بدل تقويضها.
ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا مشتركا لأستاذي السياسة والعلاقات الدولية البرازيليين، ماتياس سبيكتور وأوتو مونتانييه، تناولا فيه التحول الذي طرأ على مقاربة واشنطن للجريمة المنظمة في الأمريكيتين منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى منصبه، حيث أعادت الإدارة الأمريكية توصيف هذه الجريمة بوصفها تهديدا مباشرا للأمن القومي، وهي مقاربة بلغت ذروتها باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وأوضح الكاتبان أن تصوير المداهمة في العاصمة الفنزويلية كاراكاس على أنها عملية إنفاذ قانون ضد "شبكة إرهابية مرتبطة بالمخدرات" وفر للإدارة الأمريكية تبريرا جديدا وأكثر عدوانية لاستخدام القوة بشكل أحادي، وهو تبرير سبق أن لمح ترامب إلى إمكان توسيعه ليشمل أهدافا في دول أخرى مثل المكسيك وكولومبيا.
وحذرا من أن المضي في هذه الاستراتيجية قد يحول أمريكا اللاتينية إلى ساحة اختبار لعقيدة تدخل أمريكية جديدة وعنيفة، مؤكدين أنها لن تحقق أهدافها، لأن الاعتماد على القوة الغاشمة في مواجهة الكارتلات يستند إلى فهم خاطئ لطبيعة عمل المنظمات الإجرامية الحديثة، التي باتت اليوم من أكثر القوى السياسية العابرة للحدود تأثيرا في المنطقة.
وأشار المقال إلى أن أقوى العصابات في العالم لم تعد مرتبطة بإقليم أو ميناء واحد، بل أصبحت مندمجة في سلاسل إمداد غير مشروعة على مستوى عالمي، تجمع بين التجارة والتمويل والتكنولوجيا، وتمتد عبر القارات، وقادرة على الصمود بغض النظر عن تغيير الحكومات.
وفي أمريكا اللاتينية، تلعب جماعات مثل "برايميرو كوماندو دا كابيتال" في البرازيل، و"ترين دي أراغوا" في فنزويلا، و"كارتل خاليسكو الجيل الجديد" في المكسيك، دورا متزايدا في تحديد من يسيطر على الأحياء والسجون والاقتصادات المحلية، لكنها لم تعد محصورة ضمن حدود بلدانها، إذ تعمل اليوم على نطاق عالمي.
ولفت الكاتبان إلى أن تحقيقات أمريكية وأوروبية كشفت عن تنسيق هذه الشبكات مع عصابات البلقان في مدينة أنتويرب، وعن عمليات غسل ذهب عبر مراكز مالية في دبي، إضافة إلى الحصول على المواد الأولية للمخدرات الاصطناعية من مصنعين في الصين.
واعتبر المقال أن السياسة في المنطقة فشلت في مواكبة هذا الواقع، إذ يعتمد قادة اليمين على حملات قمع قاسية غالبا ما تخلّف قتلى دون المساس الجدي بالبنية المالية للكارتلات، فيما يميل قادة اليسار إلى تقليل استخدام القوة وطرح برامج اجتماعية تستطيع شبكات الجريمة المنظمة الالتفاف عليها بسهولة، في ظل غياب حلول لدى الطرفين لمواجهة خصوم أغنى من بعض الدول وأكثر مرونة من كثير من البيروقراطيات الحكومية.
وأوضح الكاتبان أن صعود الجريمة العابرة للحدود هو في جوهره أزمة حوكمة، لا مجرد تفلت أمني، مشيرين إلى أن التجارة غير المشروعة، بخلاف الاقتصاد النظامي، تفتقر إلى المحاكم والعقود وآليات إنفاذ القانون، ما يدفع الشبكات الإجرامية إلى بناء ترتيبات ظل تحل محل هذه الآليات، رغم ما يرافقها من هشاشة ومخاطر دائمة.
وضرب المقال مثالا بعصابة "بي سي سي" البرازيلية، التي تدير عملياتها في باراغواي بشكل مباشر من داخل سجون ساو باولو، بينما تعمل في أجزاء واسعة من أوروبا كشريك تجاري مع شبكات راسخة مثل منظمة "ندرانغيتا" الإيطالية، التي تسيطر على الموانئ وشبكات النقل والقنوات المالية، وتستفيد من حماية مسؤولين فاسدين.
وبيّن أن العصابات العالمية تتكيف مع البيئات المحلية، فتستخدم القوة حيث تغيب الشراكات الموثوقة، وتتقاسم النفوذ بهدوء حيث تتوافر، مع اعتمادها في الحالتين على منظومة غير مرئية من القواعد التي تتيح التعاون عبر الحدود.
وانتقد المقال النهج الأمريكي الحالي، معتبرا أنه يخطئ الهدف عندما يتعامل مع الجريمة المنظمة كعدو عسكري يمكن هزيمته عبر تدمير مراكز جغرافية أو تصفية قادة، مؤكدا أنه لا يمكن قصف سلسلة إمداد تمتد من كاليفورنيا إلى غوانغدونغ، وأن الضربات العسكرية غالبا ما تزيد من أرباح الأسواق الإجرامية عبر رفع علاوة المخاطر.
وأشار إلى أن تجارب سابقة أظهرت أن الضغط العسكري لا يقضي على الإنتاج بل يعيد توجيهه، كما حدث عندما انتقلت زراعة الكوكايين من كولومبيا إلى بوليفيا وبيرو، ومع تطور أساليب الإنفاذ تتغير أنماط الإنتاج دون أن تختفي.
وفي المقابل، رأى الكاتبان أن الطابع العالمي للجريمة المنظمة يجعلها أكثر عرضة للاختراق، لأن أي شبكة عابرة للحدود تعتمد على ثقة هشة ومعلومات ناقصة وخوف دائم من الخيانة، ما يفتح المجال أمام تفكيكها من الداخل عبر تعطيل الشحنات وإشعال الشكوك المتبادلة.
وتتطلب مواجهة هذه الشبكات بناء تحالف استخباراتي دولي متكامل، يربط بين البيانات المالية وسجلات الشحن والتحقيقات عبر الحدود، مع توسيع تجارب ناجحة مثل شبكات الاستخبارات المالية الأوروبية وفرق التحقيق المشتركة.
وشدد الكاتبان على أن الولايات المتحدة ليست طرفا بعيدا عن هذه الشبكات، بل تمثل أحد أكبر أسواقها، وأن الهدف يجب أن يكون جعل التنسيق بين الجماعات الإجرامية مستحيلا عبر استغلال هشاشته الداخلية، محذرين من أن تحويل أميركا اللاتينية إلى ساحة حرب لن يضعف الجريمة العابرة للحدود، بل سيجعلها أكثر خفاء وصعوبة في التتبع والإيقاف.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة دولية ترامب الجريمة الكاريبي الجريمة ترامب صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة صحافة صحافة تغطيات سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة العابرة للحدود هذه الشبکات إلى أن
إقرأ أيضاً:
الفارسي: جهود القيادة العامة لمكافحة الهجرة غير الشرعية تعزز الأمن القومي
قال أستاذ العلوم السياسية، يوسف الفارسي، إن ملف الهجرة غير الشرعية يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا على مستوى ليبيا ومنطقة البحر المتوسط، مشيرًا إلى أن الظاهرة تمثل تحديًا أمنيًا وإنسانيًا وإقليميًا يتطلب تضافر الجهود لمواجهتها.
وأوضح الفارسي، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة24″، أن إعلان القيادة العامة عن استمرار التنسيق والتعاون مع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية لتنفيذ عمليات مشتركة تستهدف شبكات تهريب البشر، والحدّ من نشاطها يأتي في إطار مواجهة ما تشكله هذه الظاهرة من تأثيرات على الأمن القومي الليبي.
ورأى أن قضية الهجرة لا تقتصر على ليبيا وحدها، بل تشمل مختلف دول الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، مثل ليبيا والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، إلى جانب دول الضفة الشمالية الأوروبية، ومنها إيطاليا وإسبانيا وفرنسا ومالطا والبرتغال، والتي تواجه بدورها تحديات متزايدة مرتبطة بتدفقات المهاجرين.
وأضاف أن ليبيا أصبحت في الوقت الراهن بلد استقبال وعبور ومصدر للهجرة في آن واحد، وهو ما يجعل التعامل مع هذا الملف أكثر تعقيدًا.
وأشار الفارسي، إلى أن الأجهزة الأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها القيادة العامة والقوات المسلحة والأجهزة الشرطية وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، تؤدي أدوارها في مواجهة الظاهرة، إلا أن الأعداد الكبيرة للمهاجرين غير الشرعيين تفرض تحديات ميدانية ولوجستية كبيرة.
ولفت إلى أن هناك ترتيبات وإجراءات تتخذها القيادة العامة لمعالجة هذا الملف، من بينها إغلاق الحدود الجنوبية، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل إجراءً مهمًا واستراتيجيًا للحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى الأراضي الليبية.
وفيما يتعلق بتأثير الظاهرة على الأمن القومي، أكد الفارسي، أن الهجرة غير الشرعية تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار، موضحًا أن بعض المهاجرين قد يكونون متورطين في أنشطة إجرامية أو يشكلون أعباءً إضافية على المنظومة الخدمية والأمنية، الأمر الذي ينعكس على ليبيا ودول الجوار على حد سواء.
وبينّ أن ملف الهجرة يعد ملفًا دوليًا تتشارك في مواجهته العديد من الدول، مؤكدًا أن ليبيا ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من هذه الظاهرة، لكنها تواجهها في ظل ظروف جغرافية وأمنية خاصة تجعل من التصدي لها أكثر صعوبة.
وفي حديثه عن أهمية العمليات الأمنية التي تنفذها القوات المسلحة والأجهزة المختصة، أوضح الفارسي، أن هذه الجهود تستهدف الحد من التسلل غير القانوني ومكافحة شبكات تهريب البشر، لافتًا إلى أن هذه الشبكات تحقق مكاسب كبيرة من أنشطتها غير المشروعة، ما يستدعي استمرار العمل الأمني والاستخباراتي لملاحقتها وتفكيكها.
وحول كيفية تحقيق التوازن بين الاعتبارات الإنسانية والسيادة الوطنية، شدد الفارسي، على ضرورة احترام القوانين والضوابط المنظمة لدخول الأجانب إلى البلاد، مؤكدًا أن التعامل الإنساني مع المهاجرين يجب أن يتم في إطار قانوني يحفظ حقوق الجميع ويصون سيادة الدولة.
كما أشار إلى أن ليبيا تواجه تحديات أمنية وإقليمية متواصلة مرتبطة بهذا الملف، مؤكدًا أن الجهود المبذولة من قبل المؤسسات الأمنية والعسكرية مهمة، لكنها تحتاج إلى الاستمرار والتطوير لمواكبة حجم التحديات القائمة.
وأوضح الفارسي، أن التدفقات غير النظامية للمهاجرين لا تؤثر فقط على الدولة والمجتمع، بل تنعكس كذلك على أوضاع المهاجرين أنفسهم، حيث يتعرض الكثير منهم لمخاطر أمنية وإنسانية خلال رحلات العبور وفي مناطق التجمع، ما يجعل من مكافحة شبكات التهريب وتنظيم حركة الدخول والإقامة ضرورة لحماية الأمن العام والحفاظ على سلامة المهاجرين في الوقت ذاته.
وفي ختام حديثه، أكد الفارسي، أن معالجة ملف الهجرة غير الشرعية تتطلب رؤية شاملة تجمع بين تعزيز أمن الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، وتطبيق القوانين المنظمة للهجرة، إلى جانب مراعاة الجوانب الإنسانية المرتبطة بالمهاجرين واللاجئين.
الوسومليبيا