نحو نموذج تنموي لصادرات الثروة الحيوانية في السودان

تمكين صغار المنتجين لتحقيق التنمية المستدامة

حسن علي سنهوري

تقديم:حسن علي سنهوري

هذا المقال يمثل تكملة لمقالنا السابق (عندما تتحول مؤسسات الدولة الى شركة استثمارية قابضة – وزارة الثروة الحيوانية والسمكية نموذجا). وجدير بالذكر أن الهدف من المقال السابق وهذا المقال ليس نقد وزارة الثروة الحيوانية بحد ذاتها، بل كان التطرق لخطة الوزارة كدراسة حالة لفهم العلاقة بين الأهداف الرئيسية للمؤسسات الحكومية والسياسات والخطط الموضوعة، وذلك لعرض رؤيتنا حول صادرات القطاع الزراعي، وتحديدًا الجانب الحيواني.

أما إذا نظرنا لخطة وزارة الثروة الحيوانية في سياق الحرب، فإنها تتوافق مع رؤية المنظومة الحاكمة التي تركز على تعظيم إيرادات العملة الحرة لأغراض شراء الأسلحة.

والآن، دعونا نتطلع إلى المستقبل وكيف يمكننا الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب.

مقدمة: مفترق الطرق الاستراتيجي لقطاع الثروة الحيوانية في سودان ما بعد الحرب

تاريخيًا، شكّلت الصادرات الزراعية الدعامة المالية الأساسية للدولة السودانية، باستثناء وحيد هو “الفترة الذهبية للنفط”. اعتمدت الحكومات المتعاقبة على هذا القطاع لتمويل خزائنها، لكن هذا الاعتماد اتخذ شكل “الجباية الاستنزافية” التي لم تقتصر على تهميش المنتج وإهمال الريف فحسب، بل ساهمت أيضًا في ترسيخ المعوقات الهيكلية التي تعيق التنمية. يهدف هذا المقال إلى التأسيس لمفهوم تنموي للقطاع الزراعي، بشقيه النباتي والحيواني، في سياق سودان ما بعد الحرب، يقوم على التركيز على صغار المنتجين باعتبارهم حجر الزاوية لأي مسار نحو السلام والازدهار. يستعرض هذا التحليل النموذجين المتنافسين ليس كخيارات نظرية، بل كدليل في محاكمة مصيرية لمستقبل السودان.

المفاهيم الحاكمة: الفرق الجوهري بين النموذج الربحي والنموذج التنموي

إن التمييز بين النماذج الاقتصادية التي تحكم قطاع الصادر ليس مجرد نقاش أكاديمي، بل هو تحديد استراتيجي لمصير المنتجين والقطاع بأكمله؛ فالنموذج المعتمد يرسم مسار توزيع القيمة المضافة ويحدد المستفيد النهائي من ثروات البلاد الزراعية.

“المفهوم الربحي” في جوهره يقوم على تعظيم الأرباح لصاحب المشروع تحديدًا. فالمستثمر في هذا الإطار، سواء كان شركة لتسويق اللحوم أو تصدير المحاصيل، يركز على شراء مدخلات الإنتاج بأقل سعر ممكن وبيع المنتج النهائي بأعلى سعر، دون أي اهتمام بمصدر هذه المدخلات أو بتنمية المنتجين الذين وفروها، طالما أنها تلبي معايير السعر والجودة المطلوبة.

وفي السياق السوداني، تجسد هذا المفهوم في “عقلية الجباية” التي تعاملت بها الدولة مع القطاع الزراعي. فبدلاً من اعتباره قطاعًا تنمويًا، نُظر إليه كمصدر سهل للإيرادات الفورية؛ حيث فُرضت ضريبة الصادر مباشرة على كل شحنة، بينما اعتمدت الولايات على رسوم الإنتاج والعبور والزكاة على المحاصيل النقدية والماشية لاستيفاء ميزانياتها، وأصبحت رسوم الموانئ والخدمات قناة إيرادات ثابتة. لقد حوّلت هذه الأدوات المالية مجتمعةً القطاع إلى مجرد “بقرة حلوب” لتمويل الميزانية العامة.

كانت نتيجة هذه العقلية كارثية، إذ أدت إلى إهمال ممنهج للريف، حيث تُجمع العوائد من مناطق الإنتاج لتُصرف في العاصمة، ويُوجّه عائد الصادرات لتمويل الاستهلاك الحكومي بدلاً من إعادة استثماره في بنية تحتية زراعية متطورة أو صناعات تحويلية تخلق قيمة مضافة حقيقية. وباعتبارها بديلاً استراتيجياً لهذا النهج، تبرز النماذج التنموية كطريق واعد نحو مستقبل مختلف.

النموذج التنموي: تمكين المنتج كأساس للنمو

على النقيض تمامًا، يضع النموذج التنموي المرتكز على صغار المنتجين (المنتج الصغير) في صميم العملية الاقتصادية، بهدف تمكينهم من الاستحواذ على القيمة عبر السيطرة على سلسلة الإنتاج. يمكن تقسيم هذا المفهوم إلى نموذجين رئيسيين:

• النموذج الهجين: تتبناه المنظمات التنموية، حيث تقوم بتأهيل صغار المنتجين وربطهم بالشركات الخاصة. ومثاله “مشروع نظام الغذائي السوداني المستدام”، الذي صُمم لتأهيل وتوفير التمويل لصغار المنتجين في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وللشباب في ولاية الخرطوم لتجهيز عجول التسمين، مع وجود اتفاق مبدئي لشراء هذه العجول من قبل شركة حديثة.

• نموذج السيطرة الكاملة لصغار المنتجين: يُعد هذا النموذج الأكثر تقدمًا واستدامة؛ حيث ينتظم صغار المنتجين في كيانات قوية مثل الجمعيات التعاونية (Cooperatives) أو الاتحادات (Unions). تمكّن هذه الكيانات المنتجين من كسر احتكار الشركات الكبرى عبر امتلاك البنية التحتية اللازمة للتصنيع والتصدير مباشرة إلى الأسواق العالمية، مما يضمن تدفق العوائد والأرباح إليهم بشكل مباشر.

إن نجاح نموذج السيطرة الكاملة ليس مجرد فرضية، بل هو واقع ملموس أثبتته تجارب دولية ملهمة تقدم دروسًا حاسمة للسودان..

شواهد دولية: كيف تسيطر التعاونيات على الأسواق العالمية

إن تمكين صغار المنتجين ليس مجرد نظرية مثالية، بل هو استراتيجية عملية أثبتت نجاحها على مستوى العالم. وتقدم هذه التجارب خارطة طريق واضحة لما يمكن أن يحققه السودان إذا اعتمد نموذجاً تنموياً حقيقياً يضع صغار المنتجين في المقام الأول.

دراسة حالة إثيوبيا: نموذج إقليمي مُلهم

تُعد تجربة “اتحاد تعاونيات أوروميا لمنتجي الثروة الحيوانية” نموذجاً إقليمياً ناجحاً. فقد تمكن صغار المنتجين من الوصول المباشر إلى أسواق الخليج عبر استراتيجية متكاملة؛ حيث اندمجت الجمعيات التعاونية القاعدية في “اتحاد” قوي يمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ على نطاق واسع.

قام الاتحاد بإنشاء مسلخ خاص به في منطقة “مودجو”، مطابق للمواصفات العالمية، مما حرره من سيطرة الوسطاء. ويتولى الاتحاد تجميع الأغنام والماعز من أعضائه، وذبحها، ثم تصدير اللحوم “المبردة” مباشرة عبر الخطوط الجوية الإثيوبية إلى دبي والسعودية.

كانت النتيجة تحويلية؛ إذ استطاع المزارعون الحصول على “سعر الصادر كاملاً” وتوزيع الأرباح السنوية، مما رفع مستوى معيشتهم. والدرس الحاسم للسودان هو أن امتلاك البنية التحتية – وتحديداً المسلخ – كان الخطوة المفصلية التي نقلت السلطة من الوسطاء إلى المنتجين.

دراسة حالة البرازيل: قوة ” التعاونيات”

يمثل نموذج شركة “أورورا” (Aurora Alimentos) في البرازيل أكبر مثال عالمي على القوة التحويلية للعمل التعاوني. هذه الشركة، التي تضم أكثر من 100,000 مزارع صغير وتصدر اللحوم إلى أكثر من 60 دولة، هي في جوهرها “تعاونية”. المفهوم الأساسي هنا هو أن المزارع الصغير ليس مجرد مُورِّد، بل هو “مالك” للمصانع والمسالخ. هذه الملكية تضمن له أعلى عائد مالي، وهي العلاج النهائي لتقلبات الأسعار التي تُكبّد المنتجين الأفراد في السودان خسائر فادحة..

المفارقة السودانية: عوائد ضخمة وأثر تنموي ضئيل

تتمثل المفارقة السودانية في أن قطاع الثروة الحيوانية يدر عوائد مالية ضخمة، لكن هذه العوائد لا تنعكس إيجاباً على حياة صغار المنتجين أو على التنمية. والمفارقة هنا هي أن الآلية نفسها المصممة لتأمين الواردات الاستراتيجية (باستخدام حصائل الصادر) قد أدت إلى تجويع القاعدة الإنتاجية وحرمانها من الاستثمار الضروري لنموها. لقد أعطت الدولة الأولوية لاستقرار الاستهلاك قصير الأجل على حساب بناء القدرة الإنتاجية طويلة الأجل.

يبلغ هذا المنطق الاستنزافي ذروته المأساوية في الوضع الراهن، حيث تعتبر الحكومة أن خطتها لتطوير قطاع الثروة الحيوانية ناجحة وفقًا لمعاييرها الخاصة؛ ومن المفارقات أن كل عائد صادر من هذه الخطة سيُوظَّف بالضرورة لشراء أسلحة، واستخدام هذه الأسلحة قد يتسبب في قتل صغار منتجي الماشية أو نفوق مواشيهم.

في نهاية المطاف، ونحن نحلم بإنهاء هذه الحرب اللعينة ونتطلع إلى المستقبل، نقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في النموذج الاستنزافي الذي يدير حلقة مفرغة من استخلاص الموارد الريفية لتمويل الصراع المركزي، مما يرسخ دوامة الفقر وعدم الاستقرار. أو تبني نموذج تنموي شجاع يدشن حلقة حميدة من الملكية الريفية تبني الاستقرار الوطني، عبر وضع صغار المنتجين كمالكين حقيقيين لسلسلة القيمة ومحركين للتنمية. إن هذا المسار لا يضمن مستقبلاً أكثر ازدهاراً وعدالة فحسب، بل يمثل أيضاً الاستثمار الأكثر فعالية في بناء سلام دائم لسودان ما بعد الحرب.

حسن علي سنهوري

مستشار التنمية الزراعية

[email protected]

 

 

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

إقرأ أيضاً:

حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار

صادرت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أكثر من 445 ألف قطعة مقلدة مرتبطة بكأس العالم 2026، بينها قمصان كرة قدم، خلال عمليات أمنية نُفذت في أنحاء البلاد بالتزامن مع البطولة، فيما قدرت الخسائر التي تكبدتها الصناعة بسبب هذه التجارة غير المشروعة بنحو 32 مليون دولار.

وقبيل المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي، أطلقت السلطات الأميركية عملية حملت اسم "صافرة النهاية"، استهدفت بيع وتوزيع المنتجات المقلدة بصورة غير قانونية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الفيفا يبرئ الجزائر والنمسا في تقرير الـ 104 مبارياتlist 2 of 2لامين جمال وهالاند يتصدران قائمة أغلى لاعبي العالم بعد مونديال 2026end of list

وكان قميص النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الأكثر حضورًا بين المضبوطات.

وقال فرانك روسو، مدير العمليات الميدانية في مكتب الجمارك وحماية الحدود الأميركي بنيويورك، في تصريحات لصحيفة "ذا أتلتيك": "إنه ميسي. لقد شاهدنا الكثير من قمصان ميسي، خصوصًا مع المستوى الرائع الذي قدمه. نضبط قمصان مختلف اللاعبين، لكن الأكثر شعبية هم الأكثر حضورًا".

وفي الأكشاك المؤقتة المنتشرة قرب المناطق السياحية المحيطة بميدان "تايمز سكوير"، كانت قمصان الأرجنتين تُباع مقابل 30 إلى 40 دولارًا، مقارنة بنحو 110 دولارات للنسخ الرسمية من شركة أديداس. ومع تجمع المشجعين الأرجنتينيين في المنطقة قبل النهائي وبعد خسارة منتخب بلادهم، كان قميص ميسي رقم 10 الأكثر رواجًا.

وأقر العديد من المشجعين، عندما سألتهم الصحيفة عن قمصانهم، بأنها نسخ مقلدة منخفضة السعر، اشتروها داخل الولايات المتحدة أو عبر الإنترنت.

جماهير الأرجنتين في تايمز سكوير بنيوورك خلال نهائي مونديال 2026 بين التانغو وإسانيا (الفرنسية)مصادرات عدة في مدن أمريكية

وفي نيويورك وحدها، أسفرت عمليات ضبط 2000 طرد وتفتيش 1400 رحلة جوية وشحنة بضائع عن مصادرة 65 ألف قطعة.

وفي المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة لمباريات البطولة، نفذت جهات إنفاذ قانون أخرى، بينها المركز الوطني لتنسيق حقوق الملكية الفكرية، مداهمات استهدفت الأكشاك المحيطة بالملاعب ومراكز المدن، ضمن عملية حملت اسم "اللاعب الجماعي".

إعلان

وأسفرت العمليات عن ضبط كميات كبيرة، من بينها 16 ألف قطعة في ميامي و12 ألفًا في هيوستن، إضافة إلى 16 ألف قطعة أخرى في تورونتو الكندية، إحدى المدن المستضيفة للبطولة.

وقال روسو: "كما يحدث مع سوبر بول، نشهد دائمًا زيادة هائلة في عدد هذه الشحنات ليس فقط قبل المباراة النهائية، بل حتى بعد نهايتها".

حيلة "المناشف"

وفي إحدى الشحنات التي أثارت انتباه المحققين، أظهرت بيانات الحمولة أن محتوياتها لا تتجاوز المناشف، لكن عملية التفتيش كشفت عن حقيقة مختلفة تمامًا، إذ عثر المحققون على أكثر من 2000 قطعة من المنتجات المقلدة، بينها قمصان كرة قدم مرتبطة بالبطولة.

وتكشف هذه الواقعة عن الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب المنتجات المقلدة لإخفاء طبيعة بضائعها وتضليل عمليات التفتيش الجمركي، من خلال تسجيل محتويات الشحنات على أنها سلع عادية لا تثير الشبهات.

وتزداد صعوبة التصدي لهذه التجارة بالنظر إلى حجم تدفق هذه المنتجات إلى السوق الأميركية، إذ تشير البيانات إلى أن ما بين 60 و70% من السلع المقلدة التي تصل إلى الولايات المتحدة عبر الشحن الجوي والبحري مصدرها الصين وهونغ كونغ، اللتان تُعدان من أبرز مراكز تصنيع قمصان كرة القدم المقلدة في العالم.

وتستغل هذه الشبكات الطلب الكبير على قمصان المنتخبات والنجوم، خصوصًا خلال البطولات الكبرى، لطرح نسخ أرخص من القمصان الرسمية، مستفيدة من فارق الأسعار لجذب المشجعين، قبل إدخال هذه المنتجات إلى الأسواق عبر شحنات قد تُسجل أحيانًا تحت أوصاف لا تعكس محتوياتها الحقيقية.

مصادرة أقمصة مقلدة خاصة بمنتخبات كأس العالم 2026 (مواقع تواصل)

وأكدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أن هدفها لا يقتصر على حماية حقوق الملكية الفكرية، بل يشمل أيضًا حماية الأمن الاقتصادي ومنع وصول عائدات هذه التجارة إلى "أيدي المنظمات الإجرامية" أو الجهات المستفيدة من العمل القسري.

وأقر روسو بصعوبة إقناع المشجعين الذين يرون أن أسعار القمصان الرسمية مرتفعة، قائلاً إن السلطات بحاجة إلى بذل جهد أكبر لتوعية الجمهور بالمخاطر، ومنها إمكانية استخدام عائدات تجارة المنتجات المقلدة في تمويل أنشطة تتراوح بين الإرهاب وغسل الأموال وغيرها من الجرائم.

مقالات مشابهة

  • الخارجية البريطانية: على إسرائيل تمكين دخول المساعدات والسلع إلى غزة بالكميات المطلوبة ‏
  • النائب إيهاب منصور: الحكومة تتفنّن في تعذيب المواطنين بالعدادات الكودية
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
  • كيف يعيد قانون البحيرات والثروة السمكية تنظيم الاستثمار المائي؟
  • اقتصاديات التنمية في عصر الاضطراب
  • الأمم المتحدة: تعزيز وصول ليبيا إلى «تمويل المناخ» أولوية مشتركة
  • ديوان المحاسبة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يوقعان وثيقة لتعزيز التنمية المستدامةج
  • نائبة تيتيه تبحث مع حكومة الدبيبة التمويل العالمي المخصص للمناخ