نحو نموذج تنموي لصادرات الثروة الحيوانية في السودان تمكين صغار المنتجين لتحقيق التنمية المستدامة
تاريخ النشر: 13th, January 2026 GMT
نحو نموذج تنموي لصادرات الثروة الحيوانية في السودان
تمكين صغار المنتجين لتحقيق التنمية المستدامة
حسن علي سنهوري
تقديم:حسن علي سنهوري
هذا المقال يمثل تكملة لمقالنا السابق (عندما تتحول مؤسسات الدولة الى شركة استثمارية قابضة – وزارة الثروة الحيوانية والسمكية نموذجا). وجدير بالذكر أن الهدف من المقال السابق وهذا المقال ليس نقد وزارة الثروة الحيوانية بحد ذاتها، بل كان التطرق لخطة الوزارة كدراسة حالة لفهم العلاقة بين الأهداف الرئيسية للمؤسسات الحكومية والسياسات والخطط الموضوعة، وذلك لعرض رؤيتنا حول صادرات القطاع الزراعي، وتحديدًا الجانب الحيواني.
والآن، دعونا نتطلع إلى المستقبل وكيف يمكننا الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب.
مقدمة: مفترق الطرق الاستراتيجي لقطاع الثروة الحيوانية في سودان ما بعد الحرب
تاريخيًا، شكّلت الصادرات الزراعية الدعامة المالية الأساسية للدولة السودانية، باستثناء وحيد هو “الفترة الذهبية للنفط”. اعتمدت الحكومات المتعاقبة على هذا القطاع لتمويل خزائنها، لكن هذا الاعتماد اتخذ شكل “الجباية الاستنزافية” التي لم تقتصر على تهميش المنتج وإهمال الريف فحسب، بل ساهمت أيضًا في ترسيخ المعوقات الهيكلية التي تعيق التنمية. يهدف هذا المقال إلى التأسيس لمفهوم تنموي للقطاع الزراعي، بشقيه النباتي والحيواني، في سياق سودان ما بعد الحرب، يقوم على التركيز على صغار المنتجين باعتبارهم حجر الزاوية لأي مسار نحو السلام والازدهار. يستعرض هذا التحليل النموذجين المتنافسين ليس كخيارات نظرية، بل كدليل في محاكمة مصيرية لمستقبل السودان.
المفاهيم الحاكمة: الفرق الجوهري بين النموذج الربحي والنموذج التنموي
إن التمييز بين النماذج الاقتصادية التي تحكم قطاع الصادر ليس مجرد نقاش أكاديمي، بل هو تحديد استراتيجي لمصير المنتجين والقطاع بأكمله؛ فالنموذج المعتمد يرسم مسار توزيع القيمة المضافة ويحدد المستفيد النهائي من ثروات البلاد الزراعية.
“المفهوم الربحي” في جوهره يقوم على تعظيم الأرباح لصاحب المشروع تحديدًا. فالمستثمر في هذا الإطار، سواء كان شركة لتسويق اللحوم أو تصدير المحاصيل، يركز على شراء مدخلات الإنتاج بأقل سعر ممكن وبيع المنتج النهائي بأعلى سعر، دون أي اهتمام بمصدر هذه المدخلات أو بتنمية المنتجين الذين وفروها، طالما أنها تلبي معايير السعر والجودة المطلوبة.
وفي السياق السوداني، تجسد هذا المفهوم في “عقلية الجباية” التي تعاملت بها الدولة مع القطاع الزراعي. فبدلاً من اعتباره قطاعًا تنمويًا، نُظر إليه كمصدر سهل للإيرادات الفورية؛ حيث فُرضت ضريبة الصادر مباشرة على كل شحنة، بينما اعتمدت الولايات على رسوم الإنتاج والعبور والزكاة على المحاصيل النقدية والماشية لاستيفاء ميزانياتها، وأصبحت رسوم الموانئ والخدمات قناة إيرادات ثابتة. لقد حوّلت هذه الأدوات المالية مجتمعةً القطاع إلى مجرد “بقرة حلوب” لتمويل الميزانية العامة.
كانت نتيجة هذه العقلية كارثية، إذ أدت إلى إهمال ممنهج للريف، حيث تُجمع العوائد من مناطق الإنتاج لتُصرف في العاصمة، ويُوجّه عائد الصادرات لتمويل الاستهلاك الحكومي بدلاً من إعادة استثماره في بنية تحتية زراعية متطورة أو صناعات تحويلية تخلق قيمة مضافة حقيقية. وباعتبارها بديلاً استراتيجياً لهذا النهج، تبرز النماذج التنموية كطريق واعد نحو مستقبل مختلف.
النموذج التنموي: تمكين المنتج كأساس للنمو
على النقيض تمامًا، يضع النموذج التنموي المرتكز على صغار المنتجين (المنتج الصغير) في صميم العملية الاقتصادية، بهدف تمكينهم من الاستحواذ على القيمة عبر السيطرة على سلسلة الإنتاج. يمكن تقسيم هذا المفهوم إلى نموذجين رئيسيين:
• النموذج الهجين: تتبناه المنظمات التنموية، حيث تقوم بتأهيل صغار المنتجين وربطهم بالشركات الخاصة. ومثاله “مشروع نظام الغذائي السوداني المستدام”، الذي صُمم لتأهيل وتوفير التمويل لصغار المنتجين في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وللشباب في ولاية الخرطوم لتجهيز عجول التسمين، مع وجود اتفاق مبدئي لشراء هذه العجول من قبل شركة حديثة.
• نموذج السيطرة الكاملة لصغار المنتجين: يُعد هذا النموذج الأكثر تقدمًا واستدامة؛ حيث ينتظم صغار المنتجين في كيانات قوية مثل الجمعيات التعاونية (Cooperatives) أو الاتحادات (Unions). تمكّن هذه الكيانات المنتجين من كسر احتكار الشركات الكبرى عبر امتلاك البنية التحتية اللازمة للتصنيع والتصدير مباشرة إلى الأسواق العالمية، مما يضمن تدفق العوائد والأرباح إليهم بشكل مباشر.
إن نجاح نموذج السيطرة الكاملة ليس مجرد فرضية، بل هو واقع ملموس أثبتته تجارب دولية ملهمة تقدم دروسًا حاسمة للسودان..
شواهد دولية: كيف تسيطر التعاونيات على الأسواق العالمية
إن تمكين صغار المنتجين ليس مجرد نظرية مثالية، بل هو استراتيجية عملية أثبتت نجاحها على مستوى العالم. وتقدم هذه التجارب خارطة طريق واضحة لما يمكن أن يحققه السودان إذا اعتمد نموذجاً تنموياً حقيقياً يضع صغار المنتجين في المقام الأول.
دراسة حالة إثيوبيا: نموذج إقليمي مُلهم
تُعد تجربة “اتحاد تعاونيات أوروميا لمنتجي الثروة الحيوانية” نموذجاً إقليمياً ناجحاً. فقد تمكن صغار المنتجين من الوصول المباشر إلى أسواق الخليج عبر استراتيجية متكاملة؛ حيث اندمجت الجمعيات التعاونية القاعدية في “اتحاد” قوي يمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ على نطاق واسع.
قام الاتحاد بإنشاء مسلخ خاص به في منطقة “مودجو”، مطابق للمواصفات العالمية، مما حرره من سيطرة الوسطاء. ويتولى الاتحاد تجميع الأغنام والماعز من أعضائه، وذبحها، ثم تصدير اللحوم “المبردة” مباشرة عبر الخطوط الجوية الإثيوبية إلى دبي والسعودية.
كانت النتيجة تحويلية؛ إذ استطاع المزارعون الحصول على “سعر الصادر كاملاً” وتوزيع الأرباح السنوية، مما رفع مستوى معيشتهم. والدرس الحاسم للسودان هو أن امتلاك البنية التحتية – وتحديداً المسلخ – كان الخطوة المفصلية التي نقلت السلطة من الوسطاء إلى المنتجين.
دراسة حالة البرازيل: قوة ” التعاونيات”
يمثل نموذج شركة “أورورا” (Aurora Alimentos) في البرازيل أكبر مثال عالمي على القوة التحويلية للعمل التعاوني. هذه الشركة، التي تضم أكثر من 100,000 مزارع صغير وتصدر اللحوم إلى أكثر من 60 دولة، هي في جوهرها “تعاونية”. المفهوم الأساسي هنا هو أن المزارع الصغير ليس مجرد مُورِّد، بل هو “مالك” للمصانع والمسالخ. هذه الملكية تضمن له أعلى عائد مالي، وهي العلاج النهائي لتقلبات الأسعار التي تُكبّد المنتجين الأفراد في السودان خسائر فادحة..
المفارقة السودانية: عوائد ضخمة وأثر تنموي ضئيل
تتمثل المفارقة السودانية في أن قطاع الثروة الحيوانية يدر عوائد مالية ضخمة، لكن هذه العوائد لا تنعكس إيجاباً على حياة صغار المنتجين أو على التنمية. والمفارقة هنا هي أن الآلية نفسها المصممة لتأمين الواردات الاستراتيجية (باستخدام حصائل الصادر) قد أدت إلى تجويع القاعدة الإنتاجية وحرمانها من الاستثمار الضروري لنموها. لقد أعطت الدولة الأولوية لاستقرار الاستهلاك قصير الأجل على حساب بناء القدرة الإنتاجية طويلة الأجل.
يبلغ هذا المنطق الاستنزافي ذروته المأساوية في الوضع الراهن، حيث تعتبر الحكومة أن خطتها لتطوير قطاع الثروة الحيوانية ناجحة وفقًا لمعاييرها الخاصة؛ ومن المفارقات أن كل عائد صادر من هذه الخطة سيُوظَّف بالضرورة لشراء أسلحة، واستخدام هذه الأسلحة قد يتسبب في قتل صغار منتجي الماشية أو نفوق مواشيهم.
في نهاية المطاف، ونحن نحلم بإنهاء هذه الحرب اللعينة ونتطلع إلى المستقبل، نقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في النموذج الاستنزافي الذي يدير حلقة مفرغة من استخلاص الموارد الريفية لتمويل الصراع المركزي، مما يرسخ دوامة الفقر وعدم الاستقرار. أو تبني نموذج تنموي شجاع يدشن حلقة حميدة من الملكية الريفية تبني الاستقرار الوطني، عبر وضع صغار المنتجين كمالكين حقيقيين لسلسلة القيمة ومحركين للتنمية. إن هذا المسار لا يضمن مستقبلاً أكثر ازدهاراً وعدالة فحسب، بل يمثل أيضاً الاستثمار الأكثر فعالية في بناء سلام دائم لسودان ما بعد الحرب.
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
[email protected]
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.