لجريدة عمان:
2026-07-24@00:11:39 GMT

خفض الدَّين.. لا المستقبل

تاريخ النشر: 13th, January 2026 GMT

خفض الدَّين.. لا المستقبل

عاصم الشيدي -

من أكثر الأسئلة إلحاحا في الكثير من الدول النامية خلال سنوات ما بعد جائحة كورونا كان سؤالا اقتصاديا وليس سياسيا حتى في الدول التي تحيط بها مخاطر أمنية وأطماع إقليمية. كان السؤال حول كيفية صناعة نموذج اقتصادي يستطيع الموازنة بين خفض الدَّين والدفع بالنمو نحو الأمام.

في الاقتصادات الصغيرة يتحول السؤال سريعا إلى حسابات: خدمة الدين، الفائدة وآجال الاستحقاق.

وسلطنة عُمان هنا حالة توضيحية. فالدول ذات الاقتصادات الصغيرة تكون -في العادة- في مرحلة تحوّل لا تحتمل البطء ورهن نفسها لتحولات أسعار النفط إذا كانت من الدول التي تعتمد على النفط باعتباره مصدر دخلها الوحيد أو الأساسي. هذا الأمر يزيد من عبء الدَّين كثيرا، ويضع الدولة أمام اختيارات صعبة جدا؛ لأن الهبوط يضغط الإيرادات بينما تبقى الالتزامات ثابتة. فهل تدير ميزانيتها باعتبارها مسارا لبناء المستقبل أم تتحول تدريجيا إلى سطوة تفرض منطقها على كل شيء؟

يحاول توماس بيكيتي في كتابه «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» أن يقترح زاوية لفهم هذه المشكلة. لا يبدأ بيكيتي من سؤال كم يبلغ الدَّين؟ يذهب مباشرة إلى سؤال تخفيض الدين العام ومن يدفع الثمن؟ ثم يضع أمامنا ثلاث طرق تاريخية لتصفية الدين العام؛ ضريبة على رأس المال أو الثروة، أو التضخم، أو تقشف طويل النفس. لكن في اقتصادات مرتبطة بالدولار لا يصبح التضخم أداة متاحة بذات السهولة، فتتقدم أهمية خيارَي الإصلاح المؤسسي والإيرادات وإدارة المخاطر.

كل طريق من هذه الطرق يحمل منطقا اقتصاديا ومضمونا سياسيا. والأهم أنه يذكّر بأن بيع الأصول العامة لسداد الدين قد يبدو حلا سهلا، لكنه في المدى الطويل يحوّل الدولة إلى مستأجرة لخدماتها الأساسية بدل أن تكون مالكة لها. لا يذكر بيكيتي بهذه القاعدة في سياق الموعظة.. لكنه يتحدث عن دولة تريد أن تبقى دولة.

هذه الزاوية مهمة جدا في سياق فهم نماذج الكثير من الدول النامية؛ لأنها تُبعد النقاش عن ثنائية «شدّ الحزام» مقابل «زيادة الإنفاق». النموذج الاقتصادي الذي يوازن بين خفض الدين والنمو يجعل الانضباط المالي طريقا إلى نمو أعلى، ويجعل النمو وسيلة واقعية لتخفيف عبء الدين. وفي مقابل هذا فإن أي سياسة مالية/ اقتصادية تُحسّن الأرقام عبر إضعاف النشاط الاقتصادي تحمل تناقضا داخليا.. صحيح أنها قد تريح الميزانية العامة لكنها في المقابل تضعف القاعدة التي تُنتج الإيرادات لأعوام. وفي النهاية يعود الدين مرة أخرى؛ لأن الاقتصاد لم يكبر بما فيه الكفاية.

تبدأ الخطوة الأولى في بناء هذا النموذج عبر تغيير معيار النجاح. كثير من الدول تقع في فخ عندما تنظر إلى نسبة الدين إلى الناتج أو إلى رقم العجز السنوي، وتنسى ما هو أكثر حساسية وهو خدمة الدين كنسبة من الإيرادات، وتكدّس الاستحقاقات، وحساسية الفائدة لتقلبات الأسواق العالمية. دينٌ ممول بعقل وبآجال طويلة وبهيكل متوازن أقل خطرا من دين أقل حجما لكنه قصير الأجل ومتقلب الكلفة. ليس المعنى أن الدين لا يهم، بل أن المخاطر لا تُقاس بحجمه وحده؛ إنما بثمنه وزمنه ومنحنى استحقاقاته. وعندما يصبح هدف السياسة هو خفض «ملف المخاطر»، تتغير الأدوات وتتغير الأولويات.

ثم يأتي التوقيت. لا يستطيع الاقتصاد أن يستجيب فورا لتعليمات الميزانية، وفي لحظات الهشاشة قد يحقق الضبط الحاد وفورات سريعة، لكن ثمن ذلك يظهر على النمو والثقة والتوظيف، كما أنه يخلق أثرا مرتدا على الإيرادات نفسها. هذا يعني أن الخيار الأنسب هو التدرج عبر إدارة الكلفة الاقتصادية والسياسية بحيث يستمر الإصلاح بدل أن يتحول إلى صدمة ثم إلى تراجع. والإصلاح المالي الذي يُحتمل اجتماعيا ويصمد سياسيا هو الذي ينجح ماليا في النهاية. أما الإصلاح الذي يخلق خصومة دائمة مع المجتمع فيرفع المخاطر، ويزيد كلفة التمويل.

بعد التوقيت تأتي «التركيبة»، وهي هنا جوهر المسألة. خفض الإنفاق بالأسلوب العام طريق سهل لكنه مكلف في بلد يريد تنويع اقتصاده. وليست كل ريالات الميزانية متساوية في أثرها. هناك إنفاق يرفع الإنتاجية -في البنية الأساسية، واللوجستيات، والمهارات، والرقمنة، وكفاءة الطاقة والمياه-، وهذه كلها لا يمكن التضحية بها؛ لأنها جزء من قدرة الاقتصاد على النمو خارج النفط. وأخطر ما في التقشف أنه يبدأ من الاستثمار لأنه الأقل مقاومة بينما يُترك الهدر؛ لأنه الأكثر نفوذا.

الخطأ الأكبر هو قطع الاستثمار! قد يعطي هذا الأمر وفرة مالية لحظية، لكنه يترك خسارة طويلة الأجل. وأي بلد في طريقه ليثبت للعالم أنه في مرحلة تحول اقتصادي لا يمكن أن يسمح لهذه البنود بالتآكل، وتآكلها لا يقل خطرا عن بيع الأصول العامة. الفرق أن البيع حدث درامي، أما الإهمال فعملية صامتة.

وفي الحالة العُمانية يمكن قراءة هذا التوجه بوصفه محاولة للجمع بين مسارين يفترض كثيرون أنهما متعارضان: خفض الدين من جهة، والحفاظ على الاستثمار المنتج من جهة أخرى. فبدل أن يتحول الانضباط المالي إلى تجميد للإنفاق الرأسمالي يجري التعامل معه كوسيلة لتقليل المخاطر وتوسيع هامش الحركة في اقتصاد يتجه إلى ما بعد النفط. ومن هنا تتقدم مشروعات واستثمارات كبيرة في قطاعات اللوجستيات والموانئ والصناعة والطاقة المتجددة -ومنها الهيدروجين الأخضر- إلى جانب الاقتصاد الرقمي باعتبارها جزءا من بناء قاعدة إنتاجية أوسع ودخل أكثر تنوعا. والمعيار في هذا المسار هو قدرة الاقتصاد على توليد إيرادات مستدامة تقلل الحاجة إلى الاقتراض مستقبلا.

وحماية الاستثمار لا تعني غض النظر عن الإنفاق الجاري أو عن مصادر التشوه والهدر. النموذج المتوازن يحتاج «مشرطا» لا «مقصا». هناك إنفاق يتمدد تلقائيا ويصنع التزامات دائمة بلا عائد إنتاجي واضح، وهناك دعم قد يخلق تشوهات في الاستهلاك والإنتاج إذا لم يُصمّم بدقة، وهناك امتيازات أو اختلالات في توزيع العبء قد تقوض شرعية الإصلاح. فالإصلاح الذكي لا يقوم على الصدمة، بل على الاستهداف.

أما الإيرادات فهي الحلقة التي لا يحب كثيرون الحديث عنها، لكنها مفصلية. لا يمكن لنموذج متوازن أن يعتمد على رفع العبء فجأة ثم توقع المعجزات، ولا يمكنه أيضا أن يؤجل إصلاح الإيرادات إلى الأبد. الفارق بين المقاربة الذكية والرديئة هو بناء «إيرادات دولة حديثة»، وقواعد واضحة، وقاعدة واسعة، وامتثال مرتفع، وإدارة رقمية تقلل التهرب وتبسّط الإجراءات. هذا النوع من الإصلاح مؤسسي قبل أن يكون تشريعيا. كلما أصبح التحصيل أكثر كفاءة قلت الحاجة إلى قرارات صادمة تُربك الاستثمار وتدفع جزءا من النشاط إلى الظل.

ثم هناك ما يربط كل ذلك بكلفة المال في الاقتصاد كله؛ إدارة الدين نفسها. الدول التي تربط عملتها بالدولار تتأثر فيها كلفة التمويل في دورة الفائدة العالمية. لذا فإن إدارة آجال الدين، وتنعيم منحنى الاستحقاقات، وتقليل التعرض للفائدة المتغيرة، وتحسين شفافية استراتيجية التمويل تغدو سياسة نمو غير مباشرة. وخفض المخاطر السيادية يخفّض كلفة رأس المال للقطاع الخاص، ويزيد قابلية تمويل المشاريع غير النفطية، ويجعل المستثمر أقل ترددا؛ لأنه يرى مسارا ماليا قابلا للتوقع. فالاقتصاد لا ينمو بالنيات، بل ينمو عندما يصبح التمويل أقل كلفة والبيئة أقل غموضا.

في هذه النقطة يتّضح الفرق بين نموذج يوازن وبين نموذج يتأرجح. النموذج المتوازن لا يسمح لـ«خفض الدين» أن يبتلع التحول، ولا يجعل «التحول» وعدا مفتوحا يبتلع الانضباط. فهو يبني علاقة تبادلية: الانضباط يقلل المخاطر، فيخفّض كلفة التمويل، وانخفاض كلفة التمويل يساعد القطاعات غير النفطية على التوسع، وتوسعها يوسّع الإيرادات، ويخفف عبء الدين.

إذا أردنا ترجمة هذا النموذج إلى اختبارات عملية فهناك ثلاثة أسئلة تكفي لفرز السياسات الجيدة من السيئة. هل تخفض هذه السياسة مخاطر الدين أم تخفض رقم الدين فقط؟ هل تحمي الاستثمار الذي يرفع الإنتاجية أم تضربه؛ لأنه الأسهل؟ هل تبني إيرادات أكثر استدامة عبر الإدارة والامتثال والوضوح، أم تعتمد على صدمات تزيد التشوه، وتدفع النشاط إلى الظل؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد إن كان «خفض الدين» سيصبح نتيجة طبيعية للنمو، أم سيظل مشروعا ورقيا يطلب من الاقتصاد أن يدفع ثمنه مرتين.

في النهاية لا توجد وصفة واحدة تصلح لكل وقت، لكن يوجد منطق يمكن الدفاع عنه دائمًا: خفّض المخاطر قبل أن تخفّض الأرقام، واحمِ الاستثمار المنتج؛ لأنه جزء من الاستدامة لا عدو لها، وابنِ إيرادات دولة حديثة بدل الاعتماد على حلول سريعة. التوازن المالي الذي يليق بمرحلة التحول هو الذي يزيد قدرة الدولة على الاختيار، لا الذي يجعلها تعيش لتسدد فقط.

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة « عمان »

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: خفض الدین من الدول خفض الد لا یمکن التی ت الذی ی

إقرأ أيضاً:

الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)

 

الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10)
إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
من الرؤية إلى التطبيق: نحو نموذج جديد للاستثمار الزراعي

“لا تُبنى الدول الخارجة من الحروب بإعادة ما كان قائمًا قبل النزاع، وإنما ببناء منظومات أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية ومنع تكرار أسباب الصراع.”
اختُتم المقال السابق بسؤال جوهري: إذا كانت النماذج التقليدية للتخطيط والاستثمار الزراعي قد عجزت عن مواكبة تعقيدات ما بعد الحرب في السودان، فما البديل؟ وكيف يمكن صياغة نموذج يربط بين الاستثمار، والأسواق، وسلاسل القيمة، والتفكير النظمي، والاقتصاد السياسي، لتصبح الزراعة قاطرة حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة؟
تأتي هذه السطور للإجابة عن هذا التساؤل عبر طرح “إطار متكامل للاستثمار الزراعي في السودان ما بعد الحرب”؛ وهو نموذج يدمج في منظومة واحدة ما دأبت السياسات والبرامج التنموية على معالجته بشكل مجزأ. فبدلاً من اختزال الاستثمار الزراعي في كونه تمويلاً لمشروعات إنتاجية، يقدم هذا الإطار رؤية استراتيجية لإعادة بناء المنظومة الزراعية برمتها، بما تشمله من مؤسسات، وأسواق، وسلاسل قيمة، وبنية تحتية، ورأس مال بشري، وآليات للحوكمة وإدارة المخاطر.
يقترح المقال الانتقال من “التخطيط القائم على المشروعات” إلى “التخطيط القائم على المنظومات”، حيث تُصمم الاستثمارات بناءً على فهم دقيق للعلاقات المتداخلة بين الفاعلين، والأسواق، والموارد، والمؤسسات، بعيداً عن التدخلات المنعزلة أو الاستجابات الآنية. ويستند هذا النهج إلى الدروس المستفادة من تجارب دول خارجة من نزاعات مشابهة، مع تطويعها لتلائم الخصوصية السودانية وتنوع أقاليمها وتفاوت احتياجاتها.
من الرؤية إلى الإطار
إن بناء رؤية استراتيجية للتعافي ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة إعادة الإعمار، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الرؤية إلى إطار عملي يوجّه القرارات الاستثمارية، ويرتب الأولويات، ويحشد الموارد، ويحقق التنسيق بين مختلف الفاعلين. فالرؤى -مهما بلغت جودتها- تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى أدوات تنفيذية واضحة، تستند إلى فهم عميق للواقع، وتحدد بدقة كيف وأين ومتى ولماذا تُوجَّه الاستثمارات.

لسنوات طويلة، انصبَّ الاهتمام في التخطيط الزراعي على إعداد الخطط القطاعية أو قوائم المشروعات، مع افتراض أن توفير التمويل كفيل بتحقيق التنمية. غير أن التجربة السودانية، وتجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات، أثبتت أن المعضلة لا تكمن في نقص المشروعات، بل في غياب إطار يربط هذه المشروعات ضمن رؤية متكاملة تضمن تناغمها مع السياسات العامة، واحتياجات الأسواق، وقدرات المؤسسات، وأولويات المجتمعات المحلية.
لقد أدى هذا النهج المجزأ إلى تنفيذ تدخلات متفرقة حققت بعض النجاحات المحدودة، لكنها عجزت عن إحداث التحول الهيكلي المطلوب في القطاع الزراعي. فمشروع لإعادة تأهيل الري، أو برنامج لتوفير المدخلات، أو مبادرة لدعم المنتجين، قد يحقق نتائج آنية في نطاقه، لكنه يظل قاصراً عن إحداث أثر مستدام إذا ظل معزولاً عن بقية عناصر المنظومة الزراعية.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لا تقتصر إعادة الإعمار على إصلاح ما تضرر، بل تمتد لتشمل إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية التي يقوم عليها النشاط الزراعي. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى الأرض والبذور، بل يحتاج إلى سوقٍ فعال، وتمويلٍ مناسب، وخدماتٍ إرشادية، وبنيةٍ تحتية، ومؤسسات قادرة على تنظيم العلاقات بين مختلف الأطراف. كما يحتاج المستثمر إلى بيئة مستقرة، وإطار تنظيمي شفاف، وآليات عادلة لإدارة المخاطر..
بناءً على ذلك، لا ينبغي إدارة عملية إعادة الإعمار الزراعي بمنطق المشروعات المنفصلة، بل بمنطق المنظومات المتكاملة؛ إذ يُعدُّ القطاع الزراعي شبكة مترابطة تجمع الموارد الطبيعية، والمنتجين، والأسواق، والخدمات، والمؤسسات، والسياسات، وأي خلل في أيٍّ من هذه المكونات سيؤثر بالضرورة على أداء المنظومة بأكملها.
ما هو الإطار المتكامل للاستثمار الزراعي؟
يُقصد بالإطار المتكامل للاستثمار الزراعي في مرحلة ما بعد النزاعات منهجيةً استراتيجيةً لتخطيط وتوجيه وتنفيذ الاستثمارات الزراعية؛ انطلاقاً من تحليل واقع ما بعد الحرب، وبهدف إعادة بناء المنظومة الزراعية تدريجياً وبشكل مترابط بما يضمن التعافي الاقتصادي، واستعادة سبل العيش، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.

لا يمثل هذا الإطار برنامجاً تنفيذياً أو قائمة مشاريع جاهزة، بل يعد مرجعية لاتخاذ القرارات الاستثمارية، ويساعد صناع القرار في الإجابة عن تساؤلات جوهرية تسبق أي استثمار، مثل:
ما طبيعة البيئة التنفيذية؟ وما القيود الهيكلية التي تعيق نجاح الاستثمار؟ ومن هم الأطراف الفاعلون وما طبيعة مصالحهم؟ وكيف تعمل نظم الأسواق؟ وأين تكمن الاختناقات في سلاسل القيمة؟ وما التدخلات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر؟ وكيف يمكن الحد من المخاطر وضمان الاستدامة؟ وبذلك، ينتقل التخطيط من السؤال التقليدي “ماذا سننفذ؟” إلى أسئلة أكثر عمقاً: “لماذا؟ وأين؟ ولمن؟ وكيف؟”، وهي التساؤلات التي تُميِّز الاستثمار الاستراتيجي عن الإنفاق المباشر.
كما يعتمد الإطار نهجاً تكاملياً يربط الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية بوصفها مكوّنات متداخلة؛ فاستثمار البنية التحتية، على سبيل المثال، لا يُقاس بمقاييس كمية كعدد الكيلومترات المُعاد تأهيلها فحسب، بل بقدرته على تحسين الوصول إلى الأسواق، وخفض تكاليف النقل، ورفع دخول المنتجين، وتحفيز القطاع الخاص، وتقليل الفوارق الإقليمية.
ولتبسيط هذا النهج، أقترح نموذجاً تحليلياً أطلقت عليه “شجرة الاستثمار الزراعي”، وهي أداة تُعين على فهم العلاقات بين عناصر الاستثمار، وتحديد نقاط القوة والاختناقات، وربط المدخلات بالمخرجات والنتائج والأثر.
شجرة الاستثمار: استعارة تفسر المنهج
إن اختيار “شجرة الاستثمار” ليس مجرد أسلوب تبسيطي أو تصميم بصري جذاب، بل هو تجسيد لفلسفة هذا الإطار؛ فالشجرة كائن حي قائم على ترابط الجذور بالجذع والأغصان والثمار، ولا يمكن فهم أي جزء منها بمعزل عن الآخر. وعلى المنوال نفسه، لا يحقق الاستثمار الزراعي أهدافه إذا اقتصر على تمويل الإنتاج دون ربطه بالإصلاح المؤسسي، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأسواق، وبناء القدرات، وإدارة الموارد الطبيعية.
في هذا النموذج، تُمثّل الجذور الأساس الذي يرتكز عليه الاستثمار، ويشمل ذلك تحليل السياق، والاقتصاد السياسي، والموارد الطبيعية، ورأس المال البشري، والحوكمة، وهي العوامل المحددة لقدرة البيئة المحلية على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى نتائج مستدامة.
أما الجذع، فيُعبّر عن المنظومة المؤسسية التي تنقل الموارد والرؤى إلى برامج عملية، في حين تُمثّل الأغصان المحافظ الاستثمارية، وسلاسل القيمة، ومشروعات البنية التحتية، والخدمات، والأسواق. وأخيراً، تُمثّل الثمار النتائج المرجوة من هذا الإطار، وهي: زيادة الإنتاج، وتحسين الدخل، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.

يُتبع في الجزء الثاني… حيث نستعرض مكونات شجرة الاستثمار بالتفصيل، ونُبيّن كيف تُؤسس هذه العناصر لقرارات استثمارية أكثر كفاءة وعدالة، مع شرح آلية الربط في “شجرة الاستثمار” بين جذور التعافي، وجذع الحوكمة، وفروع الاستثمار، وثمار التنمية والسلام.

حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
[email protected]

الوسومإعادة الإعمار (9-10) إعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2) الاستثمار الزراعي المتكامل الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب حسن علي سنهوري رؤية للاستثمار الزراعي

مقالات مشابهة

  • نوح غالي: الأزمات فرصة مصر الكبرى لبناء اقتصاد مرن ومستدام
  • البابا تواضروس: أطفال مصر بذور المستقبل.. وغرس الانتماء يبدأ من الصغر
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • كيف يعيد قانون البحيرات والثروة السمكية تنظيم الاستثمار المائي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • قرار جديد يعيد رسم قواعد «سوق التأمين» ويرفع معايير الرقابة
  • الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
  • التجربة الماليزية العراقية بين المعوقات والنجاح
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية