وجوه لا تشبه أصحابها.. العنف بلا كدمات في رواية "يباس"
تاريخ النشر: 13th, January 2026 GMT
عادل بن سالم الحمداني
لم تكن رواية "يباس" للكاتبة والروائية آية السيابي ضمن خطتي للقراءة شبة اليومية، بل جاءت مصادفة مؤجلة، فرضها اللقاء الذي تأخر ثلاث مرات حتى تحقق أخيرا. كان ذلك اللقاء هو الأول الذي يجمعني بالكاتبة، بعد مشاركتها في ملف "الرمزية في الروايات.. هروب من الواقع أم حالة إبداعية" الذي أعددته لصالح وكالة الأنباء العمانية ونُشر مؤخرا.
حين حضرت آية السيابي، حملت معها رواية "يباس" ومجموعتها القصصية "لن أوراي سوأتي". تحدثت عن تجربتها مع النشر، وعن اضطرارها – كما كثيرين – إلى الاستعانة بدور نشر خارجية. وجدت نفسي أبادلها حديثًا عن تجربة مشابهة، تتقاطع في الجوهر وإن اختلفت في التفاصيل. من هنا، بدأت علاقة قراءة النص قبل أن تبدأ علاقة الكشف عن الوجوه التي لا تشبه أصحابها.
من يقرأ رواية "يباس" لا يمكنه تجاوز الصفحات الأولى. الإهداء، المقدمة، ثم الفصول المتلاحقة، جميعها تدفع القارئ إلى حالة من التأمل المتصل. لا يرغب في ترك تفصيلة هنا، وفكرة هناك. كان هذا انطباعي الأول، قبل أن يتضح لي أن الرواية لا تنشغل بسرد أحداث بقدر ما تنقب في حالات إنسانية، تُقدّم بلغة مقتصدة، لكنها مشحونة بالدلالات، تفتح المعنى ولا تغلقه، وتدع القارئ شريكًا في استكمال ما لم يُقل صراحة.
عنوان الرواية، مع التوقف عنده مليًّا، يكشف عن نفسه بوصفه مفتاحًا دلاليًا للنص كله. "يباس" هنا استعارة كبرى تشير إلى جفاف القيم الإنسانية، وإلى أعراف اجتماعية مثيرة للجدل، وإلى انعدام تقبّل الآخر. ويمكن النظر إلى "اليباس" أيضا باعتباره شكلا من أشكال القمع، قمعًا صامتًا يتسلل إلى النفوس قبل أن يظهر في السلوك.
يمنح السرد، منذ البدايات، إشارات مبكرة لما سيأتي لاحقا: الأنثى ذات التكوين الذكوري - أو بتعبير أدق – الذكر الذي يسكن جسد أنثى. هنا تبرز إشكالية الهوية الجندرية، بوصفها صراعًا داخليًا محتدمًا بين الإحساس الذاتي وتصنيفات المجتمع القسرية. صراع لا يدور في الفضاء العام فحسب، بل داخل الجسد نفسه.
تتعمق الرواية ايضا في ممارسات اجتماعية كانت يومًا ما شائعة ومُسلّمًا بها، تقوم على خدمة فئة لفئة أخرى، وتسليتها في المناسبات المختلفة، دون مساءلة أخلاقية حقيقية. تُسرد هذه الممارسات لا بوصفها وقائع تاريخية، بل بوصفها جروحًا مفتوحة في الذاكرة الجمعية.
وكما سبق، لا تقدّم الرواية شخصيات بقدر ما تقدّم حالات إنسانية تحمل دلالات تستوجب التوقف عندها. فشخصية "وحيد" - بعد حذف تاء التأنيث- تجسد صراع الهوية في أكثر صوره قسوة؛ حيث يرفض تقبل تعريف لا يشبهه. تستوقفنا هنا عبارة كثيفة الدلالة تقول فيها الشخصية:
"نحن لا نشبه وجوهنا.. نحن مزورون، بل جُبلنا عرفيًا على تزوير ذواتنا حتى لا نتهاوى بآثامنا في صيغة فاضحة، ولكننا نستتر بأقنعتنا ونضعها كلما غادرنا قلوبنا الوجلة التي تحاصر أسرارنا الذاتية وتطويقها بأسوار غلاظ ودرع لا يرام؛ نحن نغادر أسرارنا كلما وضعنا وجوها لا تشبه حقيقة دواخلنا؛ إنها تشبه أفعالنا التي نمارسها أمام الملأ، ولا نسعى إلى الكمال؛ فلا كامل دبّ فوق هذه الأرض في تاريخ البشرية".
في المقابل، تأتي شخصية "عبيد" لتجسد نقيصة التمييز على أساس اللون والنسب. يقول عبيد:
"يصنف الناس بعضهم هنا في فئتين: أحرار وعبيد. ويصنف الناس الأحرار أحرارهم في قبائل عريقة وأخرى غير عريقة. أما العبيد فلا يصنفون غيرهم من العبيد".
تضعنا الرواية، من خلال "عبيد" أمام معاناة فئة قُدّر لها أن تعيش في خدمة الآخرين، المختلفين عنها لونًا ومكانةً. تتكرر صور الألم في مواضع متعددة، منها قوله:
"تتقاطع أيام عمري وتثير في فكري زوابع لا أٌحسن الفرار منها، تلاحقني لعنة هذا السواد حتى في غربة وحدتي"..
ويقول أيضّا:
"كنت كالغريق الذي يحتاج إلى الغياب سريعا، يغمرني شعور بأنني مخترق من أكثر جوانبي هشاشة، ضعيف جدا كشيء قابل للكسر".
وفي موضع آخر:
"يٌخيّل إلىّ أن لون الليل يمتد إلى قُعر فنجان القهوة ليتخلل جزيئاتها. كلهم من سواد؛ يشبه السواد الذي وُجدنا عليه أنا وقومي".
هاتان الشخصيتان تكشفان كيف يتحول الألم، مع الوقت، إلى هوية. وهنا يكمن جوهر الصراع في الرواية: نقد ضمني لميل الإنسان إلى تمجيد جراحه، وكأنه يعطي معاناته حق الإقامة الدائمة في حياته. من هذه الزاوية، يعود عنوان الرواية "يباس" ليجسد الألم بوصفه شكلا من أشكال اليباس النفسي.
تُظهر الرواية كيف يمارس المجتمع سلطته على الشخوص عبر نظرة قاسية، تعيد تشكيل هوياتهم وفق قوالب جاهزة، فتحوّل ذواتهم إلى مرايا تعكس توقعات الآخرين لا حقيقتهم.
من هنا، نجد أن الرواية تأخذنا إلى ما يمكن تسميته ب"الذنب المكتسب"، حيث لا يكتفي المجتمع برفض "المختلف"، بل يدفعه للاعتذار عن اختلاف لم يختره أصلا. وحين تتحدث الشخصيات عن اختلافها بوصفه خطيئة، فإنها تكشف عن قمع يتحول مع الوقت إلى صوت داخي في ذلك "المختلف".
الصوت الداخلي نراه حاضرا، فتقول إحدى الشخصيات:
"كان غيابها يشبه ناراً غضوب تجتاحني حتى تأتي على كلّ شيء فلا تُبق فيّ ولا تذر، وكنتُ أذبُل ويجتاحني اليباس حتى يطال الذبول ملامحي وشهيّتي بل صوتي أيضا، ليصير كصوت من يرى الموت يقترب منه ببط".
في هذا السياق، يصبح "اليباس" حالة أخلاقية لا مجرد ظاهرة تستوجب محاربتها. فالإنسان يتآكل من الداخل حيث يُقمع، وحين تُسلب مشاعره، وحين يُجبر على الصمت، كونه الخيار الأنسب. ولا تظهر الرواية هذا الصمت على أنه ضعف بقدر ما هو استراتيجية للبقاء.
على الجانب الآخر، تفضح رواية "يباس" ما يمكن تسميته ب"العنف بلا كدمات"، ذلك العنف الذي يُمارس عبر النظرات، أو الكلمات الجافة، أو الإقصاء الصامت. كما تثير مسألة هشاشة الهوية، وتحول التجربة الشخصية لفئة بعينها إلى أسئلة إنسانية مفتوحة، قابلة للتكرار في سياقات مختلفة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة الرواية بوصفها إدانة لفئة من المجتمع، بل هي كشف للمسكوت عنه في الموروث الجمعي. تفعل الرواية ذلك عبر تجربة تأميلية، وبنية سردية قائمة على الصوت الداخلي للشخصيات، وعلى التقطيع الزمني والتداخل بين فصول حياة الشخصيتين الرئيسيتين.
هذا الأمر قد يبدو مربكا لبعض القراء المعتادين على السرد التقليدي، إلا أن آية السيابي نجحت في تقديم هذه البنية برؤية فنية واضحة ولغة جذابة. كما أن الكاتبة هنا في هذه الرواية لا ترفع "شعارات"، بل تضع القارئ في مواجهة مسؤوليته الأخلاقية: مسؤوليته عن المشاركة في هذا "اليباس" الذي تتناوله الرواية، أو الصمت حياله.
وأجزم أن من يقرأ "يباس" مرة سيعود إليها مرة أخرى وثالثة، لا باحثا عن إجابات، بل لإعادة طرح الأسئلة.. بأسئلة أشد إلحاحًا.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
كلمات دلالية: الذی ی
إقرأ أيضاً:
خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام
أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن الهدي النبوي الشريف يقوم على الرحمة والعفو، مستشهدًا بحديث ورد فيه أن رجلًا شكا إلى النبي ﷺ من خادمه الذي يسيء إليه ويكثر خطؤه، طالبًا الإذن بمعاقبته.
العفو والتسامحوأوضح الجندي، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الثلاثاء، أن النبي ﷺ وجّه الرجل إلى العفو والتسامح، في إشارة إلى ترسيخ قيم الرفق وعدم اللجوء إلى العنف، مؤكدًا أن هذا المعنى ثابت في عدد من المصادر الحديثية التي تناولت الموقف.
وأشار إلى أن الإسلام يدعو إلى معالجة الخطأ بالحكمة والتدرج، وليس بالعنف أو الإيذاء، مؤكدًا أن فهم النصوص الشرعية يجب أن يكون في إطار لغوي وشرعي شامل، يراعي مقاصد الشريعة وروحها العامة.
الإسلام دين رحمةوأضاف الجندي أن بعض النصوص القرآنية التي تُطرح في هذا السياق تحتاج إلى تدبر عميق وفهم سياقي، بعيدًا عن التفسيرات الجزئية التي قد تُنتج مفاهيم غير دقيقة، مشددًا على أن الإسلام دين رحمة وعدل وصيانة للكرامة الإنسانية.
وشدد على أن أي ممارسة تخالف قيم الرحمة والعدل لا يمكن أن تُنسب إلى الهدي النبوي الصحيح الذي جاء لإرساء السلام داخل المجتمع والأسرة.
عصر الفتن الرقميةحذر الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، من تصاعد ما وصفه بـ“عصر الفتن الرقمية” مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الواقع أصبح ممتزجًا بالمحتوى المزيّف، ما يجعل التمييز بين الحق والباطل أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
التمسك بقيم أخلاقية راسخةوأوضح أن هذا الواقع الجديد يفرض على المجتمعات ضرورة التمسك بقيم أخلاقية راسخة، في مقدمتها “حسن الظن” و”التماس الأعذار”، مشيرًا إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، معتبرًا أن سوء الظن المتكرر يؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وانهيار الثقة بين الناس.
ثقافة حسن الظنوأشار إلى أن المجتمعات في السابق، رغم غياب وسائل الإعلام الحديثة، كانت أكثر تماسكًا بفضل انتشار ثقافة حسن الظن، والتعامل بروح العذر والرحمة بين الناس، مؤكدًا أن هذه القيم كانت عنصرًا أساسيًا في حفظ استقرار المجتمع.
واستشهد بما نُقل عن بعض السلف الصالح، ومنهم ما رُوي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال”، في إشارة إلى ضرورة عدم الانسياق وراء الشائعات أو الروايات غير الموثوقة