ولادة النظام العالمي الجديد تقف بين خيارين لا ثالث لهما
تاريخ النشر: 14th, January 2026 GMT
تشبه أزمة الولايات المتحدة الاستراتيجية الراهنة مع حلفائها التاريخيين وحتى مع بعض دولها التابعة، حالة ” ولادة متعسرة ” حيث يواجه فيها الطبيب خيارًا مفجعًا، إنقاذ الأم أو الجنين، دون قدرة على الجمع بينهما. هكذا تجد واشنطن نفسها في مفترق طرق تاريخي، حيث تهدد محاولاتها الحفاظ على هيمنة الدولار والنظام المالي القائم – وهو بمثابة ” جنين ” إمبراطوريتها الناعمة – باستنزاف وتحطيم التحالفات السياسية والاقتصادية ( ” الأم ” ) التي قام عليها هذا النظام ذاته.
وقد تجلت مظاهر هذا ” التمرد الولادي ” بشكل صارخ في العالم النفطي، العمود الفقري لنظام ” البترودولار ” الذي أرساه هنري كيسنجر وريتشارد نيكسون في سبعينيات القرن الماضي. فبينما شهدنا تمردًا ثوريًا صريحًا كما في حالة فنزويلا التي أممت صناعتها النفطية وقطعت علاقاتها مع السياسات الأمريكية، ظهرت أشكال أخرى من التمرد دفع به طموح تحقيق المجد الشخصي، لكنها قد تكون أكثر خطرًا على المدى الطويل. خذ مشروع رؤية المملكة العربية السعودية 2030 نموذجًا، والذي لم يعد مجرد خطة تنويع اقتصادي، بل تحول إلى إعلان استقلال مالي وسياسي. عندما أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في إحدى تصريحاته الطموحة في جعل المملكة ” أوروبا الجديدة “، فهو في الواقع أعلن نهاية العصر الذي كانت فيه المملكة مجرد ” محطة إعادة تدوير ” للدولار، حيث تودع عوائد النفط الهائلة في سندات الخزانة الأمريكية لتعود فورًا لتمويل شراء أسلحة وغذاء من السوق نفسه.
هذا الانزياح الجوهري – من اقتصاد ريعي يعزز الدولار إلى اقتصاد منتج يستثمر الفوائض محليًا وإقليميًا – يخلق صدمة مزدوجة للنظام الأمريكي.
الصدمة الأولى تتمثل في انخفاض الطلب على أصول الخزانة الأمريكية، وهو ما يزيد من أعباء الدين العام الأمريكي المسجل مستويات قياسية تجاوزت 34 تريليون دولار.
أما الصدمة الثانية: كما لوحظ في تقارير صندوق النقد الدولي، تحول المملكة من دائن صافٍ إلى مُقترض لتمويل مشاريعها العملاقة، مما يسحب سيولة عالمية كانت في السابق متجهة حتمًا نحو وول ستريت.
ولم يقتصر ” التمرد ” على السعودية، بل شمل لاعبين آخرين أضروا بقدسية الدولار. فانسحاب قطر من منظمة أوبك في 2018 كان إشارة على رغبة منتجين كبار في تفادي السياسات الجماعية التقليدية التي تهيمن عليها المصالح الأمريكية. كما أن توجه دول مثل روسيا والصين والهند نحو تسوية تجارتها البينية بعملات محلية – الروبل واليوان والروبية – وابتكار أنظمة دفع بديلة عن ” سويفت ” تحت وطأة العقوبات الأمريكية العشوائية ( كما في حالة مصادرة احتياطيات أفغانستان أو تجميد أصول فنزويلا وإيران وروسيا )، يمثل نزعًا منهجيًا لشرنقة الدولار.
في مواجهة هذا المخاض العسير، جاءت سياسة ” أمريكا أولاً ” في عهد دونالد ترامب كمحاولة يائسة للتوليد القسري. فرض ” الرسوم ” ( الأتاوات ) على الحلفاء النفطيين، والتهديد بانسحاب القوات، والمفاوضات الثنائية المباشرة، كلها أدوات تهدف إلى إعادة تلك الدول إلى ” بيت الطاعة ” وتأمين تدفق النفط بالدولار حصريًا. لكن هذه السياسة، كما يحذر اقتصاديون مثل نوريل روبيني، تتعامل مع الأزمة كأعراض وتُهمل المرض الهيكلي المتمثل في فقدان الثقة العالمية في النظام المالي الأمريكي الذي صار سلاحًا عقابيًا أكثر منه أداة تعاون.
وما نشهده اليوم من اضطرابات واحتجاجات في عدد من الدول المناهضة للتبعية سببه الرئيسي نظام العقوبات الأمريكي والحصار ، حيث يتم استخدام هذه الأداة بهدف تثوير شعوبها على أنظمتها، أي أن أمريكا تضع أنظمة هذه الدول أمام خيارين إما رضوخها للنهب الاستعماري أو تجويع شعوبها ودفعها لأن تثور على أنظمتها.
الخلاصة أن الولايات المتحدة تقف أمام معادلة وجودية، إما المضي قدمًا في الدفاع عن هيمنة الدولار بكل الوسائل، حتى لو أدى ذلك إلى تمزق التحالفات الاستراتيجية وتغذية كراهية عالمية تدفع نحو تكتلات معادية (كما يظهر في توسع مجموعة بريكس )، أو قبول تقلص دور الدولار تدريجيًا والتفاوض على نظام نقدي عالمي جديد متعدد الأقطاب، مما قد يحفظ لها نفوذًا سياسيًا وأمنيًا يُعاد تشكيله.
ولذا فإن الولادة المتعسرة لنظام عالمي جديد قد تكون دموية، والسيناريو الوحيد الأكثر خطورة من خسارة ” الجنين ” (هيمنة الدولار) أو ” الأم ” (التحالفات)، هو إصرار واشنطن على إنقاذ الاثنين معًا، مما قد يؤدي إلى وفاتهما سويًا في عملية ولادة كارثية تدفع العالم كله ثمنها.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
مصر.. خبراء يرسمون سيناريو الدولار مع تأثير التصعيد على قناة السويس
على وقع تطورات متسارعة في أهم الممرات البحرية بالمنطقة، تراجع عبور السفن عبر مضيق هرمز بشكل حاد، بالتزامن مع هجوم استهدف ناقلتين سعوديتين في البحر الأحمر قرب مضيق باب المندب، ما أعاد المخاوف بشأن سلاسل الإمداد والتجارة العالمية.
تكشف الأرقام حجم التأثير الذي خلفته الأزمات الإقليمية على الاقتصاد المصري، بعدما أعلنت الحكومة أن خسائر اضطرابات الملاحة في قناة السويس بلغت نحو 10.5 مليار دولار حتى يوليو (تموز) 2026.
كل انخفاض في أعداد السفن العابرة يعني تراجعاً في أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، ليعيد طرح سؤال يتكرر مع كل أزمة: إلى أي مدى يمكن أن يتأثر سعر الدولار إذا تراجعت إيرادات القناة؟
وفيما تمتد آثار التوترات إلى البحر الأحمر، تعود قناة السويس إلى واجهة المشهد الاقتصادي، باعتبارها الأكثر تأثراً بأي اضطراب في حركة الملاحة عبر باب المندب، فكل انخفاض في أعداد السفن العابرة يعني تراجعاً في أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، ليعيد طرح سؤال يتكرر مع كل أزمة: إلى أي مدى يمكن أن يتأثر سعر الدولار، إذا تراجعت إيرادات القناة؟.
وتزداد أهمية هذا التساؤل في ظل التحسن التدريجي الذي بدأ يظهر في أداء القناة خلال النصف الأول من عام 2026، قبل أن تعيد التهديدات الأمنية فرض حالة من الغموض على حركة الملاحة.
خسائر ضخمة رغم تحسن الإيراداتتكشف الأرقام حجم التأثير الذي خلفته الأزمات الإقليمية على الاقتصاد المصري، بعدما أعلنت الحكومة أن خسائر اضطرابات الملاحة في قناة السويس قُدّرت بـ 10.5 مليار دولار حتى يوليو (تموز) 2026.
وفي حين تعكس الإيرادات تحسناً نسبياً مقارنة بالعام السابق، فإنها لا تزال بعيدة عن مستوياتها المعتادة قبل الأزمة، إذ ارتفعت إيرادات القناة خلال السنة المالية 2025/2026 بنحو 23% لتصل إلى 4.67 مليار دولار، نظراً لعودة جزء من خطوط الملاحة الدولية. لكنه لا يزال تعافياً هشاً، مع استمرار المخاطر الأمنية في البحر الأحمر.
16 عاماً من التقلبات تنتهي برقم قياسي.. رحلة الاحتياطي النقدي المصري - موقع 24بالتزامن مع ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى 43.1 مليار دولار، خلال 11 شهراً، من يوليو (تموز) 2025 إلى مايو (أيار) 2026، أعلن البنك المركزي المصري تسجيل ارتفاع قياسي في احتياطي النقد الأجنبي لأول مرة في تاريخ البلاد، مسجلاً 55.072 مليار دولار.
مصادر النقد الأجنبي تحد من الضغوطفي حديثها لـ"24"، ترى الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس أن تراجع إيرادات قناة السويس سيؤثر بطبيعة الحال على أحد روافد النقد الأجنبي، لكنه لن يكون العامل الوحيد المحدد لمسار سعر الصرف، في ظل تنوع مصادر العملة الأجنبية التي دعمت الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة.
وتضيف أن مصر لا تطبق تعويماً حراً كاملًا، وإنما تعتمد نظام "المرونة الموجهة"، الذي يسمح للبنك المركزي بالتدخل عند الحاجة لاحتواء التقلبات الحادة والحد من المضاربات.
إلى أين يتجه الدولار؟وبحسب رمسيس، فإن استمرار التوترات في البحر الأحمر سيُبقي الضغوط قائمة على سوق الصرف، لكنها تستبعد صعود الدولار إلى مستوى 60 جنيهاً كما يُقال، مرجحة تحركه داخل نطاق يتراوح بين 49 و51 جنيهاً إذا استمرت الأزمة، بينما قد يتراجع إلى نحو 46 جنيهاً حال التوصل إلى تسوية تعيد حركة الملاحة عبر قناة السويس إلى طبيعتها.
في الوقت ذاته، حذرت حنان رمسيس من أن وصول الدولار إلى مستويات بين 55 و60 جنيهاً سيقود إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وهو ما يجعل الحفاظ على استقرار سوق الصرف أولوية لتجنب ضغوط تضخمية إضافية.
الخبير الاقتصادي سمير رؤوف - الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس
تداعيات أوسع من رسوم العبورمن جانبه، قال الخبير الاقتصادي سمير رؤوف لـ"24"، إن تأثير اضطرابات الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر لا يقتصر على انخفاض إيرادات قناة السويس، بل يمتد إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، بعد اضطرار عدد من شركات الملاحة إلى تحويل مسار سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما يزيد زمن الرحلات وتكاليف التجارة العالمية.
وأوضح أن تراجع إيرادات القناة يضغط على ميزان المدفوعات، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تدفقات مستمرة من النقد الأجنبي لتغطية الالتزامات الخارجية، لافتاً إلى أن استمرار عزوف السفن عن المرور عبر البحر الأحمر قد يبطئ تعافي إيرادات القناة حتى مع تحسن الأوضاع الاقتصادية.
حلول هيكلية لدعم الجنيهورجّح سمير رؤوف استمرار الضغوط على الجنيه ما دامت التوترات الجيوسياسية قائمة، معتبراً أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، أو ما يعرف بـ"الأموال الساخنة"، لما قد يسببه ذلك من ضغوط إضافية على سوق الصرف.
وأشار "رؤوف" إلى أن تقليل تأثير مثل هذه الأزمات يتطلب تعزيز مصادر النقد الأجنبي الأكثر استدامة، عبر زيادة الصادرات، ورفع الإنتاجية في القطاعين الصناعي والزراعي، والتوسع في التصنيع المحلي لزيادة القيمة المضافة، إلى جانب جذب استثمارات أجنبية مباشرة وتحفيز تحويلات المصريين العاملين بالخارج.
في السياق ذاته، أكد الخبير الاقتصادي أن هذه الإصلاحات لن تؤتي ثمارها بين ليلة وضحاها، لكنها تمثل المسار الأكثر استدامة لتعزيز قوة الجنيه وتقليل حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية، بما في ذلك الاضطرابات التي تشهدها الممرات الملاحية في البحر الأحمر.
خاص 24| الذهب يختبر ثقة المصريين.. هل يصمد كملاذ آمن للمدخرات؟ - موقع 24بعد سنوات طويلة من اعتباره الملاذ الأكثر أماناً لمدخرات المصريين، يبدو أن الارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب في عام 2026، والذي أعقبه انخفاض بأكثر من 22% خلال الأشهر الأخيرة، سيقود المشهد الاقتصادي لتحولات كبرى، لا سيما بشأن البدائل الاستثمارية التي قد تحمي تلك المدخرات بشكل أكبر.
وأشار إلى أن مواجهة هذه الضغوط تتطلب إجراءات قصيرة الأجل لجذب السيولة الأجنبية، بالتوازي مع إصلاحات هيكلية تركز على زيادة الصادرات ورفع الإنتاجية في القطاعين الصناعي والزراعي، والتوسع في التصنيع المحلي للخامات لزيادة القيمة المضافة، إلى جانب تقديم حوافز للمستثمرين والمصريين العاملين بالخارج لتعزيز التدفقات الدولارية.
واختتم سمير رؤوف حديثه بالتأكيد على أن هذه الحلول تحتاج إلى وقت حتى تنعكس على الاقتصاد، لكنها تمثل المسار الأكثر استدامة لتعزيز موارد النقد الأجنبي والحفاظ على استقرار سوق الصرف، حتى في ظل استمرار الاضطرابات التي تهدد حركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس.