التوقيف الإداري طويل الأمد بين الإبعاد ومنع السفر وتحوله إلى سجن مؤبدًا
تاريخ النشر: 14th, January 2026 GMT
صراحة نيوز- بقلم المحامي حسام العجوري
هناك حالات كثيرة لأشخاص محتجزين إداريًا لفترات طويلة، ومن أبرزها مواطن عراقي ظل موقوفًا ما يزيد على ثلاث سنوات متواصلة، ليس لارتكابه أي جرم جديد، ولا لصدور حكم قضائي حديث بحقه، وإنما بسبب تضارب غير معالج بين حكم جزائي بالإبعاد وقرار مدني بمنع السفر.
إن هذا الوضع يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون والدستور، ويخالف بوضوح القاعدة القانونية الثابتة «الجزائي يعقل المدني»، وهي قاعدة ملزمة وآمرة، يترتب عليها وقف أثر الحكم المدني أمام الحكم الجزائي متى اتحدت الواقعة والأطراف.
ورغم وضوح هذه القاعدة، ما زال التنفيذ العملي يعكس خللًا إداريًا جسيمًا، إذ لا يُنفذ الإبعاد بحجة وجود منع سفر مدني، ولا يُرفع منع السفر بحجة وجود حكم بالإبعاد، فتتحول هذه الحالات، مثل حالة عدنان محمد كشاش الرفاعي، إلى توقيف إداري مفتوح بلا سقف زمني، بل يقترب من التحول إلى سجن مؤبد.
إن استمرار هذا الوضع يحوّل التوقيف الوقائي إلى عقوبة دائمة بلا أي سند قانوني، وينتهك مبدأ المشروعية ويخل بحقوق الإنسان المكفولة دستوريًا، ويقوض هيبة القضاء والإدارة ويخلق حالة من فقدان الثقة بالنظام القانوني، كما يشكل عبئًا إنسانيًا وقانونيًا على الدولة دون أي مبرر.
وعليه، فإن معالجة هذا الخلل لم تعد خيارًا، بل واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا وإداريًا عاجلًا، وتقتضي اعتماد القاعدة القانونية «الجزائي يعقل المدني» كمرجعية ملزمة ونهائية، وإعطاء الأولوية المطلقة لتنفيذ الحكم الجزائي بالإبعاد متى أصبح واجب النفاذ، ووضع سقف زمني محدد للتوقيف الإداري مع مراجعة دورية إلزامية، ومعالجة فورية لكل الحالات التي تجاوز توقيفها مددًا غير معقولة، وضمان عدم تكرار مثل هذا التعارض القانوني.
إن العدالة لا تتحقق بمجرد صدور النصوص، بل بتطبيقها بحزم وعدالة، وبمنع تحول الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم يمس كرامة الإنسان وهيبة الدولة في آن واحد، ويجب أن ننهي الفراغ القانوني لمثل هذه الحالات ونعيد ترتيب الأولويات القانونية والإدارية فورًا .
المصدر
المصدر: صراحة نيوز
كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام
إقرأ أيضاً:
الحوكمة: خيار إداري أم ضرورة وطنية؟
د. سلطان العيسائي
أصبحت الحوكمة أحد المفاهيم المحورية في بناء المؤسسات الحديثة، لما تُمثله من إطارٍ يعزز كفاءة الأداء، ويرسّخ مبادئ الشفافية والمساءلة، ويدعم الاستخدام الأمثل للموارد والإمكانات بما يحقق الاستدامة المؤسسية والتنموية. وفي ضوء التحولات الإدارية والاقتصادية المتسارعة، برز الاهتمام بالحوكمة بوصفها أداةً استراتيجية لرفع كفاءة الدول وتعزيز قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة وبناء الثقة المؤسسية. ومن هذا التوجه، جاء إدراج الحوكمة ضمن المحاور الرئيسة في رؤية "عُمان 2040"، بما يعكس التوجه نحو ترسيخ الإدارة القائمة على الكفاءة والاستدامة والفاعلية المؤسسية.
وفي البيئة العمانية، لا يمكن النظر إلى الحوكمة بوصفها خيارًا إداريًا يمكن الأخذ به أو تجاوزه، بل باتت ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة القادمة، وما تتطلبه من رفع كفاءة الأداء الحكومي، وتعزيز جودة الخدمات، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، فالدول الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم مواردها، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة وفاعلية واستدامة.
وقد أكدت رؤية "عُمان 2040" هذا التوجه من خلال التركيز على مبادئ الحوكمة المؤسسية، والشفافية، والمساءلة، ورفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة، وتحسين جودة الأداء المؤسسي، كما ارتبطت الحوكمة في الرؤية بمستهدفات تتعلق بتحسين التنافسية العالمية، وجذب الاستثمار، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز النزاهة المؤسسية.
وتشير العديد من المؤشرات الدولية إلى وجود علاقة مباشرة بين تطبيق الحوكمة وتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار المؤسسي، فوفقًا لتقارير البنك الدولي المتعلقة بمؤشرات الحوكمة العالمية، فإن الدول التي تحقق مستويات مرتفعة في الشفافية والمساءلة وسيادة القانون غالبًا ما تتمتع بمعدلات أعلى في جودة الخدمات العامة، والاستقرار الاقتصادي، وجاذبية الاستثمار. إلى جانب ذلك، فإن تقارير التنافسية العالمية تُظهر أن كفاءة المؤسسات تُعد من أهم العوامل المؤثرة في تقدم الدول اقتصاديًا وتنمويًا.
وعلى المستوى المحلي، شهدت سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية خطوات متقدمة في تطوير منظومة الحوكمة، سواء من خلال تحديث التشريعات، أو إعادة هيكلة بعض المؤسسات، أو التوسع في التحول الرقمي، أو تعزيز الرقابة المالية والإدارية، كما برز الاهتمام بتحسين كفاءة الأداء الحكومي، وتسريع الإجراءات، وتطوير الخدمات الإلكترونية، بما يعكس توجّهًا واضحًا نحو بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة.
وفي قطاع التعليم العالي، تبرز الحوكمة الجامعية بوصفها أحد المرتكزات الرئيسة لتطوير الأداء الأكاديمي والإداري، من خلال تعزيز كفاءة اتخاذ القرار، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتحقيق التوازن بين الاستقلالية المؤسسية والمسؤولية التنظيمية، فضلًا عن ذلك، فإن جودة الجامعات لم تعد تُقاس بمخرجاتها التعليمية فحسب، وإنما بقدرتها على بناء منظومات إدارية فاعلة تستند إلى أسس الحوكمة الرشيدة، بما يسهم في رفع الكفاءة المؤسسية وتحقيق الاستدامة والتنافسية.
وتسهم الحوكمة بصورة مباشرة في بناء الثقة بين المؤسسة والمجتمع، وهي قضية جوهرية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، فكلما ارتفعت مستويات الوضوح والمساءلة والعدالة في اتخاذ القرار، زادت ثقة الأفراد بالمؤسسات، وارتفعت مستويات الرضا والاستقرار المؤسسي.
ومن جانب آخر، فإن غياب الحوكمة أو ضعف تطبيقها يؤدي غالبًا إلى تضارب الصلاحيات، وضعف الكفاءة، وهدر الموارد، وبطء اتخاذ القرار، وهي تحديات قد تؤثر بصورة مباشرة على جودة الأداء والتنمية، ومن هذا المنطلق؛ تُشكّل الحوكمة إطارًا تنظيميًا يهدف إلى ضبط العلاقة بين الصلاحيات والمسؤوليات؛ لتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي ورفع مستوى الفاعلية والشفافية في بيئة العمل.
إن التحولات الوطنية الكبرى التي تشهدها سلطنة عُمان تجعل من الحوكمة ضرورة استراتيجية لضمان استدامة التنمية وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، فنجاح الرؤى الوطنية لا يعتمد فقط على وضوح الخطط، بل على وجود مؤسسات قادرة على التنفيذ بكفاءة، واتخاذ القرار بفاعلية، وإدارة الموارد وفق مبادئ الشفافية والمساءلة.
وعليه، فإن السؤال اليوم لم يعد: هل نحتاج إلى الحوكمة؟ بل كيف يمكن تعميق ثقافة الحوكمة وتحويلها إلى ممارسة مؤسسية يومية تُسهم في بناء جهاز إداري أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر قدرة على التكيف والاستدامة، ودولة أكثر جاهزية للمستقبل.