لجريدة عمان:
2026-06-03@01:12:18 GMT

الندوب الصامتة

تاريخ النشر: 14th, January 2026 GMT

إن أسوأ ما يمكن أن يحدث للشخص الواعي الذي يبتغي تغيير المساوئ وجعلها على النقيض من ذلك، أي محاسن خالصة تغير حياة الناس للأفضل والأحسن؛ أن يلتزم ويركز على المصطلحات وحدها لا الغرض منها، أن يركز على الغلاف واللباس، حتى إن كان الشيء فارغا من مضمونه ومعناه.

وهنا يتجلى سؤال الصدق، هل نفعل ما نفعله لنكون أفضل من غيرنا؟ بمعنى آخر، لنرى أنفسنا فوق الآخرين وأفضل منهم؟ أم لنخرج أفضل ما فينا كبشر ونحقق أسمى ما يصبو إليه الإنسان في هذه الحياة؟ لذلك تغدو بعض الأسئلة من قبيل المفاضلة بين الشعر وبين الطب، أو المفاضلة بين أن يجيد شخص ما قول جملة صحيحة لغويا، وبين أهمية تغيير حياة إنسان، أو انتشاله من مستنقع سيئ.

هذه الرؤية الحدية للأشياء والحياة ككل، لا تنبع إلا من شخصية تعاني اضطرابات نفسية حقيقية تستدعي العلاج. فكل معارف البشرية، وكل علومها، وكل أدواتها؛ جاءت لخدمة الإنسان والارتقاء به. أما من يراها وسيلة للتكبر، فهو لا يكشف إلا النقص الذي يعاني منه، ويؤكد وجود الاضطراب النفسي فيه.

وسواء أحببنا ذلك أم لم نفعل؛ فإن العالم يتغير تغيّرا متسارعا وخطيرا. وكما يقول لاو تسو «يولد الرجال طيِّعين وسَهلِي التشكيل، أما الموتى فهم متصلِّبون ومتخشِّبون». ومعنى ذلك، أن من لا يجاري الحياة ويسبح مع تيارها التطوري العام، سيتخلّف عن الركب ويتأخر تأخّر من مات وتخطَّاه الزمن. ولا يعني ذلك أن لا يمتلك الإنسان رؤيته الخاصة ونظرته الفردانية للأمور، لكنه يؤكد أهمية أن يواكب الحياة بعين، ويزنها ويقيسها بعينه الأخرى، فلا تخلبه المناظر الفاتنة ولا يعميه البريق الساطع.

أقول ذلك بأسى الناظر إلى الثقافة بوصفها حقلا للطب البشري العقلي والسلوكي. فالمثقف هو الذي يسخِّر ملكاته وإمكاناته لخدمة مجتمعه وجيله بتبيان النواقص، ووضع مبضعه في الموضع اللازم لاجتثاث المرض والعفن الذي يصيب الجسد الجمعي لمجتمع ما في حقبة زمنية ما. فهو لا يرى المرض بوصفه منقصة تستدعي السخرية من المصاب به، وفرصة للتعامل معه بفوقية الصحيح السليم؛ بل يرى إمكانية علاجه، ويسعى لتقديم ذلك العلاج بشتى الوسائل. وهنا تغدو الثقافة لا امتيازا أو وظيفة أو مكانة، بل مسؤولية تشبه مسؤولية الطبيب، وقد تفوقها أهمية. فكل المجتمع -بمن فيهم الطبيب- نتاج مباشر لثقافة ذلك المجتمع.

على مدى سنوات من الاختلاط بالوسط الثقافي والتعلم منه بالتجربة والممارسة، أجد كثيرا من العيوب التي تستدعي وقفة وتأملا وعلاجا، ولا أدّعي أنني أمتلك العلاج، لكني رأيتُ فكتبتُ عما رأيت. فاختزال الثقافة في فن ما وجعله امتيازا ينادي أهل الوسط بعضهم به، أو كما عنوان ديوان الشاعر الكبير سيف الرحبي «حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة» والاستخفاف بالناس البسطاء والنظر إليهم بفوقية العارف، كلها من التشوهات المعرفية التي تُظهر العلة بوصفها امتيازا، لا شيئا يستدعي العلاج.

أجدني مكرها على قول هذه الكلمات لما يمكن أن تجلبه علي من عداوة ثقافية محتملة، لكن الإنسان -في رأيي- أهم من الثقافة في ذاتها. والفلج الذي يغذي آلاف الأشجار التي تعود بالنفع على ألوف من البشر، أهم من الكتاب الذي يرى مؤلفه أنه خدم البشرية بفذلكاته اللغوية، وتعبيراته اللغوية البارعة، أو صوته الثقافي والشعري المختلف.

بتُّ أؤمن أن صنع العادة وغرسها فيما أمكن من الناس، أهم من الفعل المتقطع الذي يدر خيرا وفيرا. فالعادة التي تُكتسب ولو كانت عادة صغيرة لا أثر لها إلا بعد حين، ستنتج حين تدور عجلتها لا نتيجة متقطعة وغير مضمونة الحصول، بل شيئا دائم الحصاد، ومُعديًا لبقية القطاعات في المجتمع كله. والصحة النفسية باعتبارها الشيء الذي يهدف إلى إخراج أفضل ما في الإنسان، لم تعد نوعا من الرفاهية؛ بل باتت ضرورة يجب الحث عليها بتنميتها ومراقبتها وإيلائها العناية اللازمة.

وما يجعل الحديث عنها ذا أهمية أن بعض الأصوات الثقافية تتحدث عنها من مبدأ الحق المطلق والمعرفة الكلية بالأشياء، وفي الحقيقة هي نظرة خاطئة يحيط بها الخطأ من شتى الجهات. ومما يبهج، أن الشريحة الأكبر من الشباب والذين يشاهدون كرة القدم ويبتهجون بها؛ علموا بتجارب عالمية للاعبين في أفضل الأندية العالمية. ففي برشلونة الإسباني -على سبيل المثال- تغيرت مسيرة لاعبَين تغيرا هائلا لأحدهما، وتغيرا ستظهر نتائجه قريبا للآخر. فاللاعب البرازيلي رافينيا كان قاب قوسين من الخروج من النادي الإسباني بوصفه لاعبا سيئا، ثم انقلبت حاله وتغيرت حتى أصبح النجم الأبرز في الفريق.

وقد قرأت مرة حوارا لصحفي معه، سأله عن سبب التغيير وما حدث له، فأجابه بأنه نتيجة مباشرة لجلسات العلاج النفسي التي غيّرته من الداخل، فتغير الخارج -الأداء- تبعا لذلك. واللاعب الآخر هو الأوروغواياني أراوخو، الذي تعرض لانتكاسة نفسية عنيفة خرج بسببها في إجازة من الفريق في فترة ذات أهمية بالغة رياضيا.

وحادثة أراوخو تعيد تشكيل السؤال الحقيقي عن ماهية الصحة النفسية؛ فكثير من الناس يربطونها بامتلاك المال، ولكن من أفضل حالا من لاعب يلعب في أحد أكبر الأندية العالمية، ويمتلك الملايين، ويمتلك الشهرة وكل ما يحلم به الشاب في مقتبل حياته؟ قد تبدو بعض الكلمات سهلة يسيرة على السمع، لكن أثرها عميق وجوهري، وحالتا رافينيا وأراوخو المتناقضتان دليل على ذلك، فكيف إن كانت الكلمات صادرة عن شخص يمتلك صوتا يستطيع به تغيير العقول والأفكار كالمثقف الفاعل؟ أعتقد أنه تساؤل مشروع في مرحلة حرجة من الزمن والجغرافيا التي نعيش فيها، فإذا ما تبقت لنا عدة سنوات قبل اندلاع حرب عالمية أخرى، أو قبل الضربات المحيطة بجغرافيتنا والتي سنتأثر بها لا محالة؛ فإن المواجهة السليمة للقادم تكمن في الصغائر قبل الكبائر.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، تولى رومان جوفمان رسميا رئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد)، بعد أشهر من الاعتراضات القانونية والانتقادات التي رافقت قرار تعيينه في أحد أكثر المناصب حساسية في إسرائيل.

وجاء تعيين جوفمان بدفع مباشر من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي رشحه للمنصب في ديسمبر 2025، رغم التحفظات التي أبدتها شخصيات أمنية وقانونية بشأن خلفيته المهنية وبعض القضايا المرتبطة بمسيرته العسكرية.

من بيلاروسيا إلى قمة المؤسسة الأمنية

ولد رومان جوفمان في بيلاروسيا عام 1976، قبل أن يهاجر إلى إسرائيل مع عائلته وهو في الرابعة عشرة من عمره. وبعد سنوات قليلة من استقراره، التحق بالجيش الإسرائيلي عام 1995 ضمن سلاح المدرعات، ليبدأ مسيرة عسكرية امتدت لعقود وشهدت صعوده في عدد من المواقع القيادية والعملياتية.

وخلال خدمته العسكرية، تولى قيادة وحدات مدرعة وألوية ميدانية، كما شغل مناصب في هيئات العمليات والتدريب، وصولًا إلى قيادة تشكيلات عسكرية بارزة داخل الجيش الإسرائيلي.

إصابة في الحرب وتقرب من نتنياهو

كان جوفمان يشغل منصب قائد المركز الوطني لتدريب قوات المشاة عندما اندلعت أحداث السابع من أكتوبر 2023، إثر الهجوم الذي شنته حركة حماس على جنوب إسرائيل. وخلال المعارك تعرض لإصابة، قبل أن يعينه نتنياهو مستشارًا عسكريًا رفيعًا لرئيس الوزراء في أبريل 2024.

ومنذ ذلك الحين، تعززت علاقته بنتنياهو، ما جعله أحد الشخصيات المقربة داخل المؤسسة الأمنية، وهو ما اعتبره منتقدوه عاملًا رئيسيًا وراء اختياره لرئاسة الموساد.

تعيين مثير للجدل

لم يكن طريق جوفمان إلى رئاسة الموساد سهلًا، إذ واجهت عملية تعيينه اعتراضات قانونية وصلت إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. وتمحورت أبرز الانتقادات حول قضية تعود إلى عام 2022، حين كان يقود إحدى الوحدات العسكرية.

وبحسب وثائق قضائية، سمح أحد الضباط بنقل معلومات أمنية حساسة إلى جندي قاصر قام لاحقًا بنشرها عبر قناة على تطبيق "تلغرام"، وذلك بعلم وموافقة جوفمان. وأدت القضية إلى محاكمة الجندي والحكم عليه بالسجن والإقامة الجبرية لفترة قاربت عامًا ونصف العام.

ورغم أن المحكمة أقرت بوجود أخطاء في إدارة القضية، فإنها خلصت إلى أن تلك الأخطاء لا ترقى إلى مستوى المخالفات الأخلاقية التي تمنع جوفمان من تولي المنصب، ما مهد الطريق أمام دخوله رسميًا إلى رئاسة الموساد.

خلفية عسكرية تثير التساؤلات

أحد أبرز أسباب الجدل حول جوفمان يتمثل في كونه لا ينتمي إلى جهاز الموساد، خلافًا لمعظم الرؤساء السابقين للجهاز. فقد جاء من المؤسسة العسكرية ومن مكتب رئيس الوزراء مباشرة، وهو ما دفع بعض المسؤولين الأمنيين السابقين إلى التشكيك في مدى ملاءمة اختياره لقيادة جهاز استخباراتي يعتمد على خبرات متخصصة ومتراكمة داخل المؤسسة نفسها.

كما أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن رئيس الموساد السابق ديفيد بارنياع كان من بين المعارضين لتعيينه.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟