الأبوة بين الموروث الاجتماعي ومتطلبات العصر
تاريخ النشر: 14th, January 2026 GMT
شهدت المجتمعات في مختلف أنحاء العالم تحولا جذريا في مفهوم الأبوة، ولم يعد دور الأب في العقود الأخيرة يقتصر على تأمين الموارد المالية للأسرة، بل أصبح يشمل المشاركة أكثر في أعباء البيت، بما فيها بعض جوانب التربية اليومية للأطفال، والتي كانت حكرا على الأمهات.
ويتباين هذا التحول في سرعته وشكله بين المجتمعات، ويواجه في بعض الثقافات، خاصة في العالم العربي، صراعات ثقافية وموروثات اجتماعية متناقضة.
يواجه الرجل العربي تحديات ثقافية خاصة في مسألة الأبوة، ففي كثير من المجتمعات العربية يُنظر إلى دور الأب على أنه معيل الأسرة وصاحب السلطة الرئيسية فيها، بينما تكون المهام التفصيلية في التربية اليومية من اختصاص الأم أو كبار السن في الأسرة.
وهذا النموذج لا يزال مستمدا من موروثات اجتماعية تعتبر المشاركة التربوية المباشرة من مهام الأم، إلى درجة أن تدخل الأب في التفاصيل اليومية -مثل التغذية واللباس واللعب- قد يُفسر أحيانا على أنه "مساس بالرجولة" أو "هزّة" في المكانة الاجتماعية للأب.
ولا تزال الثقافة العربية، على الرغم من تغيّرها تحت تأثير العولمة ووسائل الاتصال والتواصل، تواجه صراعا بين التقاليد المحافظة والاتجاهات الحديثة التي تدعو إلى مشاركة متكافئة بين الأب والأم في تربية الأطفال.
وهذا الصراع يجعل الكثير من الرجال أمام صعوبات في تجاوز الصورة التقليدية للأب، ورغبتهم بأن يكونوا "شركاء تربويين فعالين".
ويمكن رؤية انعكاسات هذا الصراع في المناقشات والجلسات المجتمعية، التي يرى الكثير منها المشاركة المباشرة للأب في التربية "منافية للرجولة"، على الرغم من أن هذه المشاركة تعزز الارتباط الأسري والصحة النفسية للأطفال.
من المعيل إلى الشريك التربويتقول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) إن 35 من أصل 38 دولة عضوا فيها توفر شكلا من أشكال إجازة الأبوة المدفوعة الأجر، مع اختلاف مدة الإجازة ومستوى التعويض المالي من دولة إلى أخرى.
وتشير تحليلات المنظمة إلى أن الآباء الذين يأخذون إجازة أبوة لا سيما الإجازات الأطول نسبيا، يظهرون مستويات أعلى من المشاركة في رعاية الأطفال والقيام بالمهام المنزلية اليومية مقارنة بالآباء الذين لا يحصلون على هذه الإجازة.
إعلانوتدعم هذه النتائج دراسة بحثية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بعنوان "إجازة الأبوة ومشاركة الآباء ونمو الطفل" (Fathers’ Leave, Fathers’ Involvement and Child Development)، وقد خلصت إلى أن أخذ إجازة أبوة بعد الولادة يرتبط بزيادة ملموسة في انخراط الآباء في أنشطة الرعاية المباشرة للأطفال، مثل الإطعام والاستحمام واللعب، كما أن هذا الأثر قد يستمر حتى بعد عودة الأب إلى العمل.
ويشير ذلك إلى أن سياسات العمل الداعمة لإجازة الأبوة يمكن أن تؤثر بشكل مباشر وإيجابي على توزيع أعباء الرعاية داخل الأسرة وتعزيز دور الأب في تربية أبنائه.
ضغوط الأبوة الحديثة بين العمل والأسرةرغم التقدم في سياسات العمل في بعض الدول، تظل ضغوط التوازن بين العمل والأسرة تحديا رئيسيا للآباء في العصر الحالي، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا توجد سياسة وطنية شاملة لإجازة الأبوة، مما يعني أن كثيرا من الرجال يأخذون أسبوعين أو أقل من الإجازة السنوية المدفوعة بعد ولادة أبنائهم، بدافع الحاجة إلى العمل أو عدم توفر بدائل مالية.
وتُظهر بيانات مركز "بيو" الأميركي للأبحاث أن نحو 7% فقط من الآباء في الولايات المتحدة متفرغون للبقاء في المنزل لرعاية الأطفال والقيام بالالتزامات المنزلية، مقابل 26% من الأمهات، وهو ما يشير إلى استمرار الفجوة بين الجنسين في توزيع الأدوار الأسرية حتى في الدول المتقدمة.
وفي أوروبا تكشف بعض الدراسات أن 64% من الآباء يشاركون في رعاية أطفالهم يوميا، مقارنة بـ88% من الأمهات، كما يبلغ متوسط وقت الرعاية الأسبوعي للآباء 21 ساعة مقابل 39 ساعة للأمهات.
أثر مشاركة الأب في التربية على نمو الأطفالتُظهر البحوث العلمية الحديثة أن الأبوة الفعالة والمشاركة المباشرة للأب في حياة أطفاله لها آثار إيجابية واضحة على نموهم النفسي والسلوكي.
فقد بينت دراسة طويلة المدى أجراها فريق لدراسة الأسر الهشة ورفاهية الطفل بقيادة الباحثة سارا ماكلاناهان (Sara McLanahan) ونُشرت نتائجها على " ببمد" ( PubMed) وهي قاعدة بيانات بحثية رائدة في العلوم الطبية والحيوية، أن زيادة تفاعل الأب مع أطفاله في سنوات الطفولة المبكرة ترتبط بانخفاض السلوكيات العدوانية وتحسن الأداء الأكاديمي والمهارات الاجتماعية في مرحلة المراهقة.
كما تؤكد الدراسة أن المشاركة المنتظمة للأب في التربية ترتبط بشكل إيجابي بالصحة النفسية للأطفال، وبقدرتهم على ضبط الانفعالات، وبانخفاض مستويات القلق والمشكلات السلوكية على المدى البعيد.
وعلى المستوى التطبيقي، تُعد مبادرة "آباء من أجل الحياة" (Dads for Life) في سنغافورة مثالا واضحا على ترجمة هذه الأبحاث إلى سياسات وممارسات اجتماعية.
فقد أُطلقت هذه المبادرة بدعم من المجلس الوطني للأسرة واستندت في خطابها وبرامجها إلى نتائج البحوث النفسية والتربوية التي تربط مشاركة الأب في التربية بتحسين التحصيل الدراسي وتنمية المهارات اللغوية وتعزيز الصحة النفسية للأطفال، إضافة إلى تقليل مستويات القلق والتوتر في مراحل لاحقة من حياتهم.
"الأبوة الحديثة" ليست مجرد تغيير في المهام اليومية داخل البيت، بل هي تحوّل في الهوية الاجتماعية للرجال، وفي وقت تنجح فيه سياسات بعض البلدان في دعم مشاركة الآباء تواجه هذه التحولات ثقافات اجتماعية متجذرة في أماكن أخرى تجعل من مشاركة الأب في التربية قضية معقّدة تتداخل فيها التقاليد مع مطالب الحداثة.
إعلانويتطلب نجاح "الأبوة الحديثة" دعما مؤسساتيا وثقافيا وتعليميا، ليتمكن الرجل من التوفيق بين أدواره الزوجية والمهنية والتربوية بشكل متوازن يخدم أطفاله ومجتمعه في آن واحد.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات إجازة الأبوة فی التربیة
إقرأ أيضاً:
تحولات الشهرة في العصر الرقمي
د. هبة العطار
مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.
في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.
منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!
لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.
لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.
وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.
ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.
غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.
هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.
إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.
رابط مختصر