عودة جرارات الغضب إلى باريس.. مزارعو فرنسا يحتجون أمام البرلمان
تاريخ النشر: 15th, January 2026 GMT
تحول محيط البرلمان الفرنسي في باريس إلى ساحة مواجهة صامتة، لكنها مشحونة، حيث اصطف مئات المزارعين بجراراتهم الثقيلة أمام الجمعية الوطنية، في مشهد نادر داخل قلب القرار السياسي الفرنسي.
ولم يكن الاعتصام صاخبا بأبواق الجرارات فحسب، بل بثقله الرمزي أيضا، إذ اختار المحتجون التوجه مباشرة إلى حيث تُصاغ القوانين وتُبرم المفاوضات الاقتصادية التي يرون أنها تهدد مهنتهم، خاصة مع اقتراب توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل "ميركوسور" في أميركا الجنوبية.
وجاء هذا التحرك في لحظة حرجة يمر بها قطاع الزراعة في البلاد، وسط تراجع المداخيل وارتفاع كلفة الإنتاج، وضغوط متزايدة مرتبطة بالسياسة البيئية المتبعة في أوروبا والانفتاح التجاري.
ولم تكن احتجاجات الثلاثاء امتدادا عفويا لغضب متراكم فحسب، بل خطوة محسوبة لرفع سقف الضغط على الحكومة وتوجيه رسالة مباشرة إلى النواب والمسؤولين، بعيدا عن البيانات والوساطات.
وعلى الرغم من اتسام المشهد بهدوء نسبي مع أفراد الشرطة، فقد كان ثقيل الدلالة سياسيا، إذ يعكس وجود نحو 500 جرار في منطقة شديدة الحساسية "أمنيا" مستوى الاحتقان داخل القطاع الزراعي ويشير إلى استعداد المزارعين لمواصلة التصعيد إن لم تترجم وعود الحكومة إلى إجراءات ملموسة ومرضية.
ووسط ضجيج الجرارات، قال المزارع لويس مارشان القادم من شمال فرنسا، "غادرنا الاثنين الساعة التاسعة والنصف مساء من منطقة سوكلين، ووصلنا في وقت مبكر من صباح الثلاثاء أمام البرلمان. ما زلنا نطالب بنفس الأمور التي سئمنا من تكرارها".
وأضاف مارشان للجزيرة نت "من اتفاقية التجارة الحرة مع تكتل ميركوسور إلى ضريبة الأسمدة وغيرها، لم نحصل على إجابات واضحة ولم نعد نتوقع شيئا لأن جميع وعود الحكومة كاذبة".
إعلانومع عودة ملف الاتفاقات التجارية إلى الواجهة، وعلى رأسها الاتفاق المرتقب بين الاتحاد الأوروبي وتكتل دول أميركا الجنوبية، لم يجد المزارعون حلا سوى إغلاق الشوارع المحيطة بالجمعية الوطنية وحمل خطاب واضح مفاده أن الأزمة لم تعد تحتمل الانتظار وأن حلول التهدئة لم تعد كافية.
وبرزت مجموعة مطالب اقتصادية واضحة تتجاوز الشعارات العامة إلى تفاصيل تمس صميم عمل المزارعين، يتمثل أولها في وقف أي مسار يؤدي إلى المصادقة على اتفاقية تجارية تسمح بدخول منتجات زراعية لا تلتزم بالمعايير المفروضة داخل فرنسا.
وقالت ماري فرانسواز ليبرز، المزارعة من منطقة السوم شمال فرنسا والأمينة العامة للاتحاد الفرنسي لنقابات المزارعين، "نتظاهر منذ عامين، مطالبين بتبسيط إجراءات عملنا بسبب سيطرة البيروقراطية المُفرطة، وخضوع مزارعنا لعدد هائل من عمليات التفتيش".
وأضافت "لم نعد قادرين على تطوير مشاريعنا، فالأمر يستغرق وقتا طويلا، وأحيانا تُرفض. لذا، لا يُمكننا المُضي قدما في هذه المهنة ودخلنا يتناقص باستمرار".
وأوضحت ليبرز، في حديثها للجزيرة نت، أنه "في ظل الوضع الراهن، ننتظر صدور القوانين التنفيذية لكي نتمكن من العمل بسهولة أكبر، وإعداد طلباتنا بشكل أسرع، وبناء حظائر للدجاج. فعلى سبيل المثال، هناك نقص في البيض في فرنسا حاليا، ولا نستطيع بناء حظائر للدجاج بسبب كثرة اللوائح والإجراءات الورقية التي تعيق طلباتنا وتعاملاتنا مع السلطات".
وبعد مرور ساعات من المناقشات بين ممثلي المزارعين والحكومة الفرنسية داخل البرلمان، خرج رؤساء النقابات لطمأنة المتظاهرين في انتظار معرفة الرد الحكومي.
وأوضح رئيس نقابة عمال "إيل دو فرانس" صامويل فاندال، الذي كان حاضرا في الاجتماع "لقد عدنا للتو من اجتماع مع مستشاري رئيس الوزراء وعرضنا جميع مطالبنا التي نطالب بها منذ سنوات لتحديد مسار واضح، بما في ذلك معرفة كيفية الإنتاج وإنشاء المزارع ومعالجة الغذاء وكيفية صيانة وسائل الإنتاج والامتثال للوائح البيئية".
وفي حديثه للجزيرة نت، اعتبر أن هذه الأزمة تتطلب تخطيطا مستقبليا لا يقل عن 15 عاما لتقديم رؤية حقيقية وتجنب الاضطرار إلى التظاهر بشكل متكرر، معتبرا أنه بعد صدور الرد الحكومي، ستدرس النقابات جميع مقترحاته وتقرر ما إذا كان المزارعون سيرفعون الحصار أم سيبقون للضغط واتخاذ موقف أكثر حزما.
وفي إشارة إلى المنتجات الزراعية المستوردة التي تدخل السوق الأوروبية بأسعار أقل ومعايير إنتاج أقل صرامة من خلال اتفاقية "ميركوسور" مع أميركا الجنوبية، رفع المحتجون شعارات تركز على أهمية الدفاع عن الزراعة الفرنسية ورفض المنافسة غير المتكافئة التي تدفع بالمزارع المحلي إلى الخسارة المؤكدة.
وفي هذا الإطار، أكد المزارع من فال دواز، داميان راديه، أن المتظاهرين ناشدوا حكومات الرئيس إيمانويل ماكرون المتعاقبة ولم يتلقّوا أي رد ملموس".
وأوضح راديه للجزيرة نت "نحن الآن في قلب سوق عالمية، كما يتضح من المعاهدات الأخيرة التي يُرجّح توقيعها، وخاصة معاهدة ميركوسور. لذا، نطالب بالقدرة على الإنتاج وفقا للمعايير والقيود نفسها المطبقة على الدول الأخرى حول العالم".
إعلانويرى المزارعون الغاضبون أن القواعد الصحية والبيئية التي تفرضها باريس وبروكسل عليهم ـوإن كانت مبررة نظرياـ تُستخدم عمليا ضدهم حين لا تُفرض بالصرامة نفسها على الواردات.
وتعتبر الأمينة العامة للاتحاد ماري فرانسواز أن اتفاقية "ميركوسور" القشة التي قصمت ظهر البعير "لأننا في فرنسا مُجبرون على تقليل استخدام بعض المواد الكيميائية. واليوم، سنستورد منتجات من ميركوسور، على الرغم من أن هذه المنتجات خضعت لمعالجات لم نستخدمها منذ سنوات".
وهو ما ينطبق على الحيوانات أيضا، إذ تُعالج الماشية التي يتم استيرادها بالمضادات الحيوية والهرمونات التي تحظرها أوروبا وفرنسا تحديدا منذ أكثر من 40 عاما. لذا، تكمن المشكلة الحقيقية في استيراد ماشية لا تستوفي المعايير المفروضة على الأوروبيين، على حد قولها.
أما فيما يتعلق بالميزانية، فقد أشارت المزارعة ليبرز إلى عدم حصول جميع المزارعين المتضررين من داء الجلد العقدي على تعويضات. والأمر ذاته تعاني منه مزارع الكروم، إذ يعرض مزارعو العنب اقتلاع كرومهم، ولكن إذا لم تتوفر ميزانية لتقديم المساعدة لهم، فلن يكون ذلك ممكنا.
أمام هذا التصعيد والضغط، وجدت حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو نفسها مضطرة للتحرك سريعا في محاولة لاحتواء الغضب وفتح مسار تفاوضي جديد.
وعكست التصريحات التي أعقبت الاجتماع مدى إدراك السلطة لحساسية الموضوع، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن حدود المناورة السياسية والاقتصادية المتاحة أمامها.
وبعد الساعة الثانية صباح الأربعاء، بدأ المزارعون يغادرون العاصمة باريس بأصوات أبواق جراراتهم العالية وكأنهم ينذرون بعودة قريبة في حال لم تُحل الأزمة بشكل كامل، وذلك بعد اجتماع بين كبار ممثلي نقابة المزارعين ووزيرة الزراعة آني جنيفارد.
وورد في تصريحات لوكورنو إعلانه عن "قانون زراعي طارئ"، وأكد مواصلة فرنسا الدفاع عن مصالح مزارعيها، مشددا في الوقت ذاته على أن باريس لا تستطيع التحرك بمعزل عن الإطار الأوروبي، ما يعكس التوازن الدقيق الذي تحاول الحكومة الحفاظ عليه.
وردا على ذلك، يرى صامويل فاندال أن إعلان لوكورنو "غير كافٍ" لأن المزارعين ينتظرون تغييرات أكبر بشأن قروض توحيد الديون وإعادة هيكلة التدفقات النقدية وتبسيط معايير الحصول عليها.
كما أكد فاندال أن النقابات ستكون في ستراسبورغ يوم 20 يناير/كانون الثاني الجاري للتظاهر في حال توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول "ميركوسور"، جنبا إلى جنب مع جميع منظمات المزارعين الأوروبية لمواجهة أعضاء البرلمان الأوروبي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات للجزیرة نت
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..