متى يتحول القلق على استقلال الفيدرالي إلى ذعر بالأسواق؟
تاريخ النشر: 15th, January 2026 GMT
في وقت يتصاعد فيه ضغط إدارة الرئيس دونالد ترامب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تبدو الأسواق المالية حتى الآن أقل قلقا من صانعي السياسات النقدية أنفسهم.
غير أن تقريرًا تحليليًا نشرته بلومبيرغ يحذّر من أن هذا الهدوء قد لا يدوم، وأن اختبار استقلالية البنك المركزي الأميركي يقترب من نقطة قد تُغيّر سلوك المستثمرين.
وتشير بلومبيرغ إلى أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول عبّر عن قلق غير مسبوق حيال أحدث تحركات إدارة ترامب، إلى حد إصدار بيان احتجاج في عطلة نهاية الأسبوع، ثم تسجيل رسالة مصوّرة، في خطوة نادرة تعكس حساسية اللحظة، كما وقّع عدد من نظرائه الدوليين رسالة دعم مشتركة.
في المقابل، أظهرت الأسواق قدرا لافتا من اللامبالاة؛ تماسكت سندات الخزانة الأميركية، فيما تسجل مؤشرات الأسهم مستويات قياسية.
وحتى توقعات التضخم، التي تُعد المؤشر الأهم في مثل هذه الحالات، بقيت مستقرة نسبيًا عند نحو 2.35% على المدى الطويل، وهو مستوى لم يتغير كثيرًا منذ فوز ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وارتفعت المؤشرات الرئيسية في "وول ستريت" مع بداية التعاملات اليوم الخميس. وارتفع المؤشر داو جونز الصناعي 0.10%، وصعد المؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بـ0.62%، فيما تقدم المؤشر ناسداك
المجمع 0.95% .
ويفسّر مراقبو الاحتياطي الفيدرالي هذا الهدوء بثقة المستثمرين بأن قرارات الفائدة ما زالت محصّنة مؤسسيًا. فخفض أسعار الفائدة يتطلب أغلبية داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، المؤلفة من 12 عضوًا، وهي أغلبية لا يملك ترامب القدرة على تشكيلها خلال ولايته، حتى مع تعيين رئيس جديد للمجلس.
لكن بلومبيرغ تشير إلى أن هذا الرهان قائم "ما لم يتغير شيء جوهري"، وتلفت إلى أن المحكمة العليا الأميركية ستعقد في 21 يناير/كانون الثاني جلسة مرافعة بشأن مسعى ترامب لإقالة عضو مجلس الاحتياطي ليزا كوك.
إعلانويرجّح محلل التقاضي في بلومبيرغ إليوت شتاين بنسبة 60% أن تنجح كوك في البقاء بمنصبها، مشيرا إلى أن المحكمة العليا تعامل الاحتياطي الفيدرالي بوصفه "كيانًا مختلفًا عن الوكالات الأخرى"، ما يرفع عتبة إقالة أعضائه.
نقطة التحول المحتملةوتحذّر بلومبيرغ من أن نجاح إقالة كوك قد يشكّل، وفق تعبير استراتيجيي بنك ويلز فارغو (Wells Fargo)، "القشة التي قصمت ظهر البعير"، إذ قد يفتح الباب أمام استهداف أعضاء آخرين في مجلس الاحتياطي، بما يمنح البيت الأبيض نفوذًا أوسع لتشكيل أغلبية.
كما ينقل التقرير عن محللي ستاندرد تشارترد (Standard Chartered)، ستيفن إنغلاندر وجون ديفيز، أن تطورًا أخطر قد يتمثل في توجيه اتهام فعلي إلى باول نفسه.
ويقولان: "حتى خطوة ذات مصداقية هامشية قد تُطلق رد فعل استثماري"، محذّرين من أن الدولار قد يتعرض لضغوط ممتدة إذا ساد الانطباع بأن محافظي الاحتياطي يعملون وفق مبدأ التوظيف القابل للإقالة، لأن ذلك يعني سياسة نقدية أكثر تيسيرًا ومصداقية أقل.
وفي الوقت الراهن، توحي الأسواق بأن استقلال الاحتياطي الفيدرالي لا يزال قائمًا بحكم الأمر الواقع، لكن بلومبيرغ تلمّح إلى أن هذا الاطمئنان مشروط، وأن اختبارا قانونيا أو سياسيا واحدا قد يكون كافيا لتحويل قلق البنوك المركزية إلى قلق تسعّره الأسواق بسرعة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الاحتیاطی الفیدرالی مجلس الاحتیاطی إلى أن
إقرأ أيضاً:
عُمان الشامخة
أحمد بن محمد العامري
ahmedalameri@live.com
في عالمٍ يُفترض أن تحكمه القوانين الدولية وقيم الاحترام المتبادل بين الدول، تبدو تصريحات الرئيس ترامب السياسية، كالعادة، خروجًا عن كل ما تقتضيه الحكمة والدبلوماسية، خصوصًا حين تصدر بلغة التهديد والوعيد تجاه دولٍ عُرفت بالسلام والاعتدال. ومن هذا المنطلق، لقد أثارت التصريحات العدائية للرئيس الأمريكي ترامب تجاه سلطنة عُمان موجة واسعة من الغضب والاستنكار داخل عُمان وخارجها، لما حملته من تجاوزٍ للأعراف الدولية وخطابٍ متعجرف يتنافى مع أسس العلاقات السياسية المسؤولة بين الدول ذات السيادة.
والاستهجان والشجب والاستنكار بأشد العبارات لهذه التهديدات يُعد موقفًا طبيعيًا لعُمان أمام خطابٍ لا يليق بما ندعيه من علاقات تاريخية مع الولايات المتحدة الأمريكية. "فتهديدنا بالتدمير إذا لم تستجب لما يُطلب منا" يمثل سلوكًا مرفوضًا سياسيًا وأخلاقيًا، ويعكس عقلية تقوم على فرض الإرادة بالقوة بدلًا من الاحترام المتبادل، ومن حق حكومة سلطنة عُمان اتخاذ ما تراه مناسبًا من خطوات دبلوماسية تحفظ هيبة الدولة وكرامة شعبها، بما في ذلك استدعاء السفير الأمريكي وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية تؤكد رفض السلطنة لهذه التصريحات المسيئة، وتطالب باعتذار واضح وصريح من الرئيس ترامب لعُمان قيادةً وشعبًا. فكرامة الأوطان لا يمكن أن تكون محل مساومة، واحترام سيادة الدول ليس خيارًا سياسيًا مؤقتًا، إنما مبدأ ثابت تقوم عليه العلاقات الدولية السليمة.
كما أن هذه التصريحات ينبغي أن تفرض إعادة تقييم طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تستمر بروحها ذاتها بعد صدور تهديدات بهذا المستوى من الخطورة والاستهانة. فالعلاقة التي كانت قائمة قبل هذا الخطاب العدائي لا ينبغي أن تبقى كما هي بعده، حتى وإن صدر اعتذار لاحقًا، لأن ما قيل ترك أثرًا سياسيًا ومعنويًا لا يمكن تجاهله بسهولة، بل يستدعي الحذر منه.
إن سلطنة عُمان ليست دولة طارئة على التاريخ، بل دولة ذات جذور حضارية عميقة ومكانة راسخة إقليميًا ودوليًا. وعلى مدى عقود طويلة، استطاعت السلطنة أن ترسّخ نهجًا سياسيًا متزنًا قائمًا على الحكمة والحياد الإيجابي واحترام سيادة الدول، وهو ما أكسبها احترام المجتمع الدولي وثقة الأطراف المختلفة في كثير من القضايا والملفات الحساسة.
لقد كانت عُمان دائمًا صوت العقل في منطقة تعصف بها الأزمات والتوترات، ولعبت أدوارًا بارزة في تقريب وجهات النظر ودعم جهود السلام والاستقرار. ولهذا، فإن استهدافها بخطاب التهديد هذا لا يُعد إساءة لعُمان وحدها، بل إساءة لكل القيم التي تمثلها من اعتدال وسلام واتزان سياسي.
ومن المؤسف أن يلجأ الرئيس ترامب إلى تهديد استفزازي بتدمير عُمان بدلًا من الثناء على دورها الدبلوماسي الفاعل على مستوى العالم. فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى الحكمة والتعاون، لا إلى التصعيد والتهديد، كما أن استخدام القوة اللفظية أو العسكرية ضد الدول المستقلة لا يعكس بالضرورة قوة حقيقية، بقدر ما يكشف عن حالة من التخبط السياسي والصلف العبثي.
إن من يقرأ تاريخ عُمان جيدًا يدرك أنها دولة عصية على الضغوط، وأن شعبها يمتلك وعيًا وطنيًا عميقًا يجعله أكثر تمسكًا بسيادته وكرامته واستقلال قراره السياسي. فعُمان، عبر تاريخها الطويل، واجهت تحديات كثيرة، لكنها بقيت ثابتة على مبادئها، محافظة على استقلالها السياسي ورافضة الانجرار وراء سياسات المحاور والصراعات العبثية.
وفي النهاية.. ستظل سلطنة عُمان شامخةً بتاريخها وشعبها وقيادتها ومبادئها، أكبر من أن تهزها تصريحات عابرة أو تهديدات عبثية متشنجة. فالدول العظيمة لا تستمد قوتها من الصخب والوعيد، بل من الحكمة والثبات والمكانة التي تحظى بها بين الأمم. وستبقى عُمان، كما عهدها العالم، وطن الحكمة والسلام والسيادة مهما تعالت أصوات التهديد أو محاولات الاستفزاز، خاب مسعاك يا ترامب.