معجزة القائد والمنهج كيفَ أحيا القُرآنُ أمّةً أرادَ العالمُ إعدامَها؟
تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT
كلما أتت ذكرى استشهاد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، إلا والواقعُ ينطقُ بتصديقِ رؤيته، والحوادثُ تُحني هاماتِها إجلالاً لصوابيةِ منهجه. فنحنُ اليومَ في لُجّةِ المواجهةِ المباشرة مع قوى الاستكبار (أمريكا وإسرائيل)، ذات العدو الذي صرخَ الشهيدُ القائدُ في وجهه يومَ كان البعضُ يتخذُ من ذلك الشعارِ سُخريةً وعضين، ويتساءلون بلسانِ العجز: “أين هي أمريكا؟ وأين هي إسرائيل؟”.
إنَّ مَثلَ الشهيدِ القائدِ في أمتنا كَمَثلِ نبيِّ الله نوح؛ إذ صنعَ سفينةَ النجاةِ في فلواتِ القحطِ الفكري، فكان قومُه يمرونَ عليه ويأفكون: “تَصنعُ سفينةً في البر! إنك لفي ضلالٍ أو جنون”. وما كانت تلك السفينةُ إلا المشروع القرآني الذي استهزأ به الغافلون، حتى إذا جاء طوفانُ الأحداثِ وسالت أوديةُ الفتن، غرقَ المستسلمون في وحلِ التبعية، ونجا من ركبَ في سفينةِ العزّةِ والقرآن.
وإذا رُمنا مَعرفةَ عظمةِ هذا الرجل، فقفوا وتأملوا في سرِّ هذا الثباتِ الأسطوري؛ فلو كان غيرُ “الشهيد القائد والسيد المقدس” في ذلك القحطِ والموات، لما جرؤَ على مجردِ التفكير، فضلاً عن التحركِ والتدبير. لم يكن حولهُ ما يُغري بالبقاء، ولا بصيصٌ يمنحُ الرجاء؛ بل كان زمناً يرى في التحركِ هلاكاً محققاً، ومغامرةً لا يحمدُها القاعدون.
كان بمقدورهِ أن يخلدَ إلى السكينةِ كغيره، ويصيغَ لنفسه ألفَ عذرٍ وعذر؛ فلا الأموالُ طوعُ بنانه، ولا الآذانُ صاغيةٌ لبيانه، ولا العقولُ والنفوسُ مستعدةٌ لحملِ أمانته.
ولكنَّ هيبةَ اللهِ في قلبهِ منعتْهُ من القعود، وثقتَه بوعودِ ربهِ دفعتهُ للصمود، وبصيرتَه بالخطرِ الماحقِ حرّكتْهُ للنهوضِ والذود ومقارعة الضلال والاضلال.
لقد انطلقَ من “نقطةِ الصفر” والواقعُ من حولهِ هشيم، تحركَ فنعتوهُ بـ “المتمرد” فما التفت، وصدعَ بالحقِّ فسخروا من ملازمهِ فما وهنَ ولا خفت. كان يبصرُ ببنورِ الله ما لا يراهُ المبصرون؛ يثقُ بالله ويرى بنوره أنه سيجدُ من يتحركُ معهُ وإن تأخروا، ومن يصرخُ بصرختهِ وإن ترددوا، ومن يحملُ لواءَهُ وإن تهرّبوا.
لقد كان الشهيدُ القائدُ جندياً لـ “وعدِ الله” في زمنِ الطمع، وحاملاً لـ “لواءِ النور” في عصرِ الظلمِ والقمع. أرادَ الأعداءُ إطفاءَنا، فكان هو “نورَ الله” الذي كشفَ الحقائق، وثبّتَ العقائد، وحوّلَ المستضعفينَ إلى عمالقةٍ عظام، والمستكبرينَ إلى أقزامٍ صغار.
واذا رُمنا أيضاً معرفة قيمة وعظمة ماجاء به،
فلا بدَّ من استنطقِ التاريخِ عما قبلَ بزوغِ مشروعه؛ فقد كانت الأوضاعُ مأساويةً تفتتُ الأكباد، والأمةُ ترسفُ في أغلالِ استضعافٍ مَهين، وخضوعٍ تامٍ لم تسبق له مثيل. كان الجميعُ يدركُ أنه مستهدفٌ في دينه ودنياه، لكنهم استسلموا لانتظارِ حتفهم وكل واحد منتظر لدوره ، حتى جاءت أحداث نيويورك “مسرحيةُ البرجين” في سبتمبر، فخرجَ “بوش الأصغر والأحقر” بصلفهِ المعهود ليُعلنَ منطقَ الغاب ويعلنها :أنها حرب صليبية أي (دينية )و “من ليس معنا فهو ضدنا” وبذريعة مكافحة الإرهاب .
حينها، خيّمَ الصمتُ الجنائزيُّ على الحواضرِ والعواصم؛ صمتَ الزعماءُ هلعاً وذهبوا ليوقعوا وينصبوا أمريكا -أم الإرهاب- لزعامة ما سموه (مكافحة الإرهاب )، وخرسَ المثقفون والنخبُ طوعاً، بل حتى “علماءُ الدين” لم يجرؤوا على صياغةِ بيانِ إدانةٍ واحد وانطلقوا ليحلقوا لحاهم خوفاً ورعبا .
والسرُّ في ذلك الانكسار هو أزمة الثقة بالله وغيابُ الروحِ الجهاديةو القرآنية؛ فقد حوّلوا القرآنَ إلى نقوشٍ صامتةٍ تُزينُ المحاريب، وكلماتٍ ميتةٍ تُزخرفُ المنابر،وشعارات لأحزابهم وتنظيماتهم ، وفصلوهُ عن واقعِ الحياةِ وعن السياسة والاقتصاد وغيرها. استبدلوا “الجهادَ الكبير” الذي أمرَ به اللهُ لمواجهةِ الكافرين – بقوله تعالى ( فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا )، استبدلوه بحلقات “الأورادِ وتكرار السور الف مرة وأكثر بأن الله يهلك الأعداء” فاصبحت تكتفي بالتمنّي، وتنتظرُ المعجزاتِ بقعودٍ واستخذاء، بينما العدوُّ ينتهكُ الحرماتِ جهاراً نهاراً.
لقد انطلقَ الشهيدُ القائدُ ليعيدَ صياغةَ الإنسانِ بالقرآن، فحرّضَ وأحيا وبصّر، فارتعدت فرائصُ قوى الاستكبار العالمي والشر؛ لأنهم يدركونَ أنَّ العبادةَ الصامتةَ لا تُزعجُ عروشهم. وكما كان رسولُ الله ﷺ آمناً في غارِ حراء لا يلقى كيداً، فلما انطلقَ آمراً بالمعروفِ ونااهياً عن المنكرِ ناصباً لواءَ التغيير، رشقتهُ العربُ عن قوسٍ واحدة؛ هكذا كان حالُ الشهيدِ القائد؛ حين حرّكِ الراكدَ وأيقظَ الوسنان، شنوا عليهِ الحروبَ لوأدِ النورِ في مَهده.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
حكم القطيعة والخصام والهجران المنهي عنه شرعًا
جاءت الشريعة الإسلامية بتوطيد العلاقات والروابط الإنسانية بين أفراد المجتمع الواحد؛ بل بين الإنسانية ككل، فدعت لإرساء معاني الإحسان والبر والمحبة بين الناس جميعًا، وحَثَّت على كل ما من شأنه أن يرسِّخَ روح المحبة والمودة، وإشاعة الوئام والتسامح والإخاء بين الناس جميعًا من غير تفرقة بين إنسانٍ وآخر؛ أيًّا كان جنسه أو لونه أو دينه، اتفقنا معه أو اختلفنا.
أقل ما يتحقق به قطع الخصام والخروج من الهجران المنهي عنهراعى الشرع الشريف ما تكون النفس الإنسانية مجبولة عليه من الصفات التي من شأنها أن تُقَرِّبَ الناس من بعضهم أو تُبْعِدَهُم، فأذِن بالهجر لأيامٍ لا تزيد على الثلاثة كأصلٍ عامٍّ؛ وهي وقت كافٍ لتهدأ فيه النفوس من غضبها، ويراجع كلٌّ مِن المتشاحنين نفسه، ويصل مَن هجره، فإن زاد على الأيام الثلاثة بلا مسوِّغٍ شرعيٍّ: حَرُمَ عليهما، وأثما ما داما مشتركَين في الهجر والخصام والقطيعة ولم يبادر أحدهما بالصلح والوصل، وأقل ما يخرج به من الهجر: إلقاء السلام، ويُستحب علاوة على ذلك مبادلته الكلام والعودة إلى ما كانا عليه قبل الهِجران وتدخُّل الشيطان.
والأصل في الإخاء: الإنسانية والآدمية؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» أخرجه الأئمة: أحمد في "المسند"، وأبو داود والترمذي -وصححه- والبيهقي في "السنن" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» أخرجه الشيخان.
قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (6/ 127، ط. أوقاف المغرب): [أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث] اهـ.
أقل ما يتحقق به قطع الخصام والخروج من الهجران المنهي عنه
إذا نوى أحدُ المتخاصمَين الصُّلْحَ وسَعَى فيه جُوزِي على نِيَّتِهِ وسَعْيِهِ في الصلح؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَا تَحِلُّ الْهِجْرَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنِ الْتَقَيَا فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْآخَرُ السَّلَامَ؛ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ أَبَى الْآخَرُ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ؛ بَرِئَ هَذَا مِنَ الْإِثْمِ، وَبَاءَ بِهِ الْآخَرُ» أخرجه الإمامان: الطبراني في "الأوسط"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.
وفي حديث هشام بن عامر رضي الله عنه مرفوعًا: «فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ؛ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، وَرَدَّ عَلَى الْآخَرِ الشَّيْطَانُ» أخرجه الأئمة: عبد الله بن المبارك والطيالسي وابن الجعد وأحمد -واللفظ له- وأبو يعلى في "مسانيدهم"، والبخاري في "الأدب المفرد"، وغيرهم.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ؛ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ»، زَادَ أَحْمَدُ: «وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنَ الْهِجْرَةِ» أخرجه الأئمة: البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو دود -واللفظ له- والبيهقي في "السنن".
قال الإمام البيضاوي في "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" (3/ 264، ط. أوقاف الكويت): [«فَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِهِ» يحتمل أن يكون الضمير المجرور فيه للبايِئِ، فيكون المعنى: أنَّ المُسلِّم خرج من الهجرة، ونُفِيَ مِن الوِزر، وبَقِيَ الإثمُ على الذي لم يردَّ السلامَ، ويحتمل أن يكون للمسلَّم، والمعنى: أنه ضَمَّ إثمَ هِجران المسلِّم إلى إثم هِجرانه، وَبَاءَ بهما؛ لأن التهاجُرَ يُعَدُّ منه وبسببه] اهـ.
وجملة هذه الروايات وغيرها يدُلُّ على أنَّ أقلَّ ما يحصل به الخروج مِن الهِجران هو السلامُ وإن اجتنب مخالطته والكلام معه، وبه تبرأ ذمة المسلِّم من الشحناء والقطيعة والإثم؛ كما هو قول جماهير العلماء، واشترط الإمام أحمد والإمام ابن القاسم من المالكية إضافةً إلى السلام: عدم تأذِّي المسَلَّم عليه من اجتناب الكلام معه؛ لأن السلام يهدف إلى نَفْيِ الأذى، ويُزيل الضغائن، وَيُورث التحابُب، ويَنشر الأُلفة، وهو أدفعُ للضغينة بغير مؤنةٍ، واكتسابُ أخُوَّةٍ بأهوَنِ عطية، وبقاءُ التأذي يعكِّر صفو هذه المعاني؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال بدر الدين العيني الحنفي في "عمدة القاري" (22/ 137، ط. دار إحياء التراث): [واختلفوا: هل يخرج بالسلام وَحْدَهُ مِن الهِجران؟ فقالت البغادِدَةُ: نعم، وكذا قول جمهور العلماء: إن الهِجرة تزول بمجرد السلام وَرَدِّهِ، وبه قال مالكٌ في رواية، وقال أحمد: لا يبرأ من الهِجرة إلا بِعَوْدِهِ إلى الحال التي كان عليها أولًا، وقال أيضًا: إن كان تركُ الكلام يؤذيه لم تنقطع الهِجرة بالسلام، وكذا قال ابن القاسم] اهـ.
وقال الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في "المنتقى شرح الموطأ" (7/ 215، ط. مطبعة السعادة): [أما إذا سَلَّمَ: فقد رَوَى ابنُ وهبٍ عن مالكٍ: إذا سَلَّمَ عليه ولا يكلمه بهذا المقدار الذي نُهِيَ عنه من المهاجرة فقد قطع الهجرة. وقد قال ابن القاسم في "المزنية" في الذي يُسَلِّمُ على أخيه، ولا يكلمه بغير ذلك بل يجتنب كلامَه: إن كان غير مؤذٍ له؛ فقد برئ من الشحناء] اهـ.