رسائل نار وضغوط نفط: واشنطن ترفع السقف مع طهران
تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT
تظهر التطورات الأخيرة أن أي ضربة أميركية محتملة لإيران لا تبدو موجهة نحو إسقاط النظام بقدر ما تهدف إلى تطويعه وإعادة ضبط سلوكه السياسي والاقتصادي بما يخدم المصالح الاستراتيجية لواشنطن في المنطقة. فالإدارة الأميركية، رغم خطابها التصعيدي، تدرك أن زعزعة استقرار دولة بحجم وتأثير إيران قد تفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة يصعب احتواؤها، ولذلك يظل خيار الضغط المنضبط والتفاوض المشروط أكثر انسجاما مع منطق إدارة الصراع لا تفجيره.
إيران، المعروفة تاريخيا ببراغماتيتها وقدرتها على امتصاص الضغوط، تواجه اليوم تحديًا مركبًا يتمثل في اشتداد التناقض بين منطق الدولة ومنطق القوة داخل النظام، حيث يلعب الحرس الثوري دورًا حاسمًا في توجيه السياسات الإقليمية والعسكرية، ما يحد من قدرة القيادة السياسية على المناورة الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن إيران تختلف في بنيتها وقدراتها عن نماذج دول تعرّضت لانهيارات داخلية كبرى مثل سوريا أو فنزويلا، فرغم الأزمة الاقتصادية والعقوبات، لا تزال تمتلك مؤسسات دولة متماسكة وقاعدة اجتماعية واسعة، ما يجعل أي محاولة لإحداث تغيير جذري عبر القوة العسكرية محفوفة بمخاطر تفكك إقليمي يتجاوز حدودها الجغرافية.
تاريخيا، كانت إيران في عهد الشاه ركيزة أساسية في منظومة الأمن الإقليمي ضمن ما عرف بمبدأ "شرطي الخليج" بدعم من الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، لحماية مصالحها، حيث امتلكت جيشا قويا وموقعا استراتيجيا جعلها عنصرا محوريا في التوازنات الأمنية للمنطقة، إلى جانب سعيها لبسط نفوذها على الخليج العربي بضفتيه الشرقية والغربية. وفي السياق الراهن، لا يبدو أن واشنطن تسعى إلى استنساخ ذلك النموذج أو فرض بديل سياسي على غراره، بل إلى دفع إيران نحو سلوك إقليمي أكثر انضباطا ينسجم مع ترتيبات أمنية جديدة، من دون الدخول في مغامرة تغيير النظام وما قد يترتب عليها من فراغات أمنية.
هذا الإدراك يفسر إلى حد بعيد المواقف الخليجية الرافضة للخيار العسكري، إذ قادت السعودية وقطر وعُمان تحركات دبلوماسية مكثفة لإقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم الإقدام على ضربة عسكرية ضد إيران، خشية أن تؤدي إلى ردود فعل غير محسوبة تطال أمن الخليج وممرات الطاقة والاستقرار الاقتصادي. وقد أكدت الرياض بوضوح أنها لا تؤيد العمل العسكري ولن تسمح باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ أي هجوم ضد إيران، في رسالة تعكس قناعة بأن كلفة الحرب ستكون أعلى بكثير من أي مكاسب سياسية محتملة.
أما في تل أبيب، الطرف الأكثر تشددًا تجاه إيران، فتظهر تقديرات مغايرة ينقلها الإعلام العبري عن الدوائر الأمنية وتشير إلى أن إسرائيل قد تكون في موقع حرج في حال اندلاع مواجهة واسعة، نظرًا لحجم الترسانة الصاروخية الإيرانية. وتشير التقارير العبرية إلى وجود آراء داخل إسرائيل تدعو إلى تحييدها عن أي مواجهة مباشرة وترك إدارة الصراع للولايات المتحدة، تفاديا لتداعيات عسكرية وأمنية يصعب التحكم بها.
في العمق، يتجاوز الصراع مع إيران البعد الإقليمي ليصب في إطار المواجهة الاستراتيجية الكبرى بين الولايات المتحدة والصين. فواشنطن تعمل على إعادة الإمساك بخريطة إمدادات النفط والموارد الطبيعية والمعادن النادرة، وتستخدم أدوات العقوبات والضغوط السياسية لإعادة توجيه أسواق الطاقة بما يقلص اعتماد بكين على نفط دول خارجة عن النفوذ الأميركي مثل إيران وفنزويلا. ومن هذا المنطلق، يصبح النفط الإيراني عنصرا تفاوضيا أساسيا في أي تسوية محتملة، لا بوصفه موردا اقتصاديا فحسب، بل كأداة في معركة النفوذ العالمي.
ضمن هذا السياق، جاء قرار ترامب بتأجيل توجيه ضربة عسكرية، وفق ما نقلته وسائل إعلام أميركية، نتيجة مخاوف من ردّ واسع قد يستهدف المصالح الأميركية وحلفاءها، إضافة إلى حالة عدم يقين داخل الإدارة بشأن جدوى الضربة في إحداث تغيير فعلي في سلوك النظام. وفي الوقت نفسه، أبقى ترامب باب التفاوض مفتوحًا، لكنه اشترط التزاما واضحا من المرشد الإيراني علي خامنئي بإمكانية التوصل إلى اتفاق جاد، في إشارة إلى أن واشنطن تريد ضمانات سياسية مباشرة قبل الانتقال إلى مسار تفاوضي شامل.
في المحصلة، تبدو المنطقة عالقة بين مسارين متوازيين: مسار تصعيدي تُستخدم فيه التهديدات العسكرية كأداة ضغط، ومسار تفاوضي يسعى إلى إعادة إدماج إيران ضمن منظومة توازنات جديدة تضبط دورها الإقليمي وتعيد توجيه اقتصادها في اتجاه يخدم الحسابات الأميركية الكبرى، ولا سيما في مواجهة الصين. وبين هذين المسارين، يبقى الاستقرار الإقليمي هشا، مرتبطا بقدرة الأطراف على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم خرائط النفوذ، لكن بثمن باهظ تدفعه شعوب المنطقة قبل أي طرف آخر.
المصدر: لبنان 24 مواضيع ذات صلة طعن شرطي قرب طهران.. الاحتجاجات تتمدّد والسلطات ترفع السقف Lebanon 24 طعن شرطي قرب طهران.. الاحتجاجات تتمدّد والسلطات ترفع السقف
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
إقرأ أيضاً:
لودريان في بيروت: حضور بلا حلول
كتب الان سركيس في" نداء الوطن": لم يعد القرار في باريس. هذه حقيقة تدركها الدبلوماسية الفرنسية قبل غيرها. لذلك يصل الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت من دون مبادرة وبلا أفكار جديدة، ومن دون القدرة على إحداث خرق في الملفات المطروحة، حتى لو دعت باريس مجلس الأمن إلى الانعقاد من أجل مناقشة الحرب في لبنان.
يلتقي لودريان رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وعددًا من المسؤولين. لكن الزيارة، بحسب أوساط سياسية متابعة، ليست زيارة حلول. إنها زيارة حضور.
تقول الأوساط إن فرنسا تعرف جيدًا أن الملف اللبناني انتقل إلى مكان آخر. بعد الحرب الأخيرة، تبدّلت موازين القوى السياسية والدبلوماسية، وأصبحت الولايات المتحدة الأميركية صاحبة الكلمة الأولى في الملفات الأساسية، من مستقبل الجنوب إلى ملف السلاح، وصولا إلى الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري العمل عليها. ظهر هذا الأمر بوضوح من خلال إيقاف الرئيس دونالد ترامب الهجوم الإسرائيلي على الضاحية مساء الاثنين.
لذلك لا يحمل لودريان أي تصور جديد. كما أنه لا يتحرك ضمن إطار اللجنة الخماسية. عمليًا، تراجع دور هذه اللجنة بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة. أما المرحلة الحالية فتُدار عبر قنوات مختلفة، تتصدرها واشنطن التي تمسك مباشرة بالملفات الحساسة
لا يحمل لودريان مبادرة ولا تسوية ولا خريطة طريق. فالمرحلة لم تعد فرنسية، والقرار لم يعد في باريس، والوساطة لم تعد بيد الإدارة الفرنسية. يأتي الموفد الفرنسي لأن باريس لا تريد أن تتحول إلى متفرج في لبنان الذي يُعاد رسمه. فواشنطن تفاوض وتقرر وتمسك بالملفات الأساسية، في ما تحاول فرنسا منع خسارة موقعها بالكامل وحجز مقعد لها على طاولة المرحلة المقبلة.
مواضيع ذات صلة حضور هادئ.. بلا مبالغة Lebanon 24 حضور هادئ.. بلا مبالغة 03/06/2026 06:44:56 03/06/2026 06:44:56 Lebanon 24 Lebanon 24 يوم أسود للعدوان الاسرائيلي يستبيح بيروت بلا ضوابط Lebanon 24 يوم أسود للعدوان الاسرائيلي يستبيح بيروت بلا ضوابط 03/06/2026 06:44:56 03/06/2026 06:44:56 Lebanon 24 Lebanon 24 خطة أمنية حاضرة في بيروت Lebanon 24 خطة أمنية حاضرة في بيروت 03/06/2026 06:44:56 03/06/2026 06:44:56 Lebanon 24 Lebanon 24 حضور لافت لجورج وأمل كلوني في حفل ملكي بلندن Lebanon 24 حضور لافت لجورج وأمل كلوني في حفل ملكي بلندن 03/06/2026 06:44:56 03/06/2026 06:44:56 Lebanon 24 Lebanon 24 رئيس مجلس النواب نبيه بري الولايات المتحدة دونالد ترامب الإسرائيلي الفرنسية نبيه بري الجمهوري إسرائيل تابع قد يعجبك أيضاً الجولة الرابعة للمفاوضات اللبنانية الاسرائيلية تناقش تثبيت وقف النار Lebanon 24 الجولة الرابعة للمفاوضات اللبنانية الاسرائيلية تناقش تثبيت وقف النار 05:37 | 2026-06-03 03/06/2026 05:37:40 Lebanon 24 Lebanon 24 عودة لبنانية إلى مفاوضات واشنطن لـ"تثبيت وقف النار"والتفاوض محكوم بخطوط حمراء Lebanon 24 عودة لبنانية إلى مفاوضات واشنطن لـ"تثبيت وقف النار"والتفاوض محكوم بخطوط حمراء 05:50 | 2026-06-03 03/06/2026 05:50:51 Lebanon 24 Lebanon 24 "هدنة الضاحية" صامدة وتراجع حرب الغارات والمسيَّرات جنوباً.. حزب الله: وقف شامل للحرب وانسحاب الاحتلال Lebanon 24 "هدنة الضاحية" صامدة وتراجع حرب الغارات والمسيَّرات جنوباً.. حزب الله: وقف شامل للحرب وانسحاب الاحتلال 06:02 | 2026-06-03 03/06/2026 06:02:57 Lebanon 24 Lebanon 24 مفاوضات واشنطن: محاولة لإطلاق مسار سياسي متكامل ومتعدد المراحل Lebanon 24 مفاوضات واشنطن: محاولة لإطلاق مسار سياسي متكامل ومتعدد المراحل 06:39 | 2026-06-03 03/06/2026 06:39:17 Lebanon 24 Lebanon 24 غوتيريش يقترح 3 خيارات لإنشاء قوة مراقبة بين لبنان وإسرائيل وفرنسا تمهّد لقوة مُراقبة دوليّة Lebanon 24 غوتيريش يقترح 3 خيارات لإنشاء قوة مراقبة بين لبنان وإسرائيل وفرنسا تمهّد لقوة مُراقبة دوليّة 06:06 | 2026-06-03 03/06/2026 06:06:44 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة السينودس الماروني سيلغي "المناولة الاولى" Lebanon 24 السينودس الماروني سيلغي "المناولة الاولى" 12:48 | 2026-06-02 02/06/2026 12:48:00 Lebanon 24 Lebanon 24 بعد صراع مع مرض السرطان... رحيل مذيعة الـ"أم تي في" باميلا فنّون Lebanon 24 بعد صراع مع مرض السرطان... رحيل مذيعة الـ"أم تي في" باميلا فنّون 18:18 | 2026-06-02 02/06/2026 06:18:00 Lebanon 24 Lebanon 24 دخلت المُستشفى للعلاج ففارقت الحياة.. وفاة مُفاجئة لنجمة شهيرة عن 54 عاماً (صورة) Lebanon 24 دخلت المُستشفى للعلاج ففارقت الحياة.. وفاة مُفاجئة لنجمة شهيرة عن 54 عاماً (صورة) 07:22 | 2026-06-02 02/06/2026 07:22:37 Lebanon 24 Lebanon 24 تهديد إسرائيلي جديد للضاحية الجنوبية: ردنا سيكون قويا Lebanon 24 تهديد إسرائيلي جديد للضاحية الجنوبية: ردنا سيكون قويا 13:38 | 2026-06-02 02/06/2026 01:38:40 Lebanon 24 Lebanon 24 بعد تهديد نتنياهو.. هذا ما فعله قادة "حزب الله" الموجودون في الضاحية الجنوبية Lebanon 24 بعد تهديد نتنياهو.. هذا ما فعله قادة "حزب الله" الموجودون في الضاحية الجنوبية 15:18 | 2026-06-02 02/06/2026 03:18:00 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك أيضاً في لبنان 05:37 | 2026-06-03 الجولة الرابعة للمفاوضات اللبنانية الاسرائيلية تناقش تثبيت وقف النار 05:50 | 2026-06-03 عودة لبنانية إلى مفاوضات واشنطن لـ"تثبيت وقف النار"والتفاوض محكوم بخطوط حمراء 06:02 | 2026-06-03 "هدنة الضاحية" صامدة وتراجع حرب الغارات والمسيَّرات جنوباً.. حزب الله: وقف شامل للحرب وانسحاب الاحتلال 06:39 | 2026-06-03 مفاوضات واشنطن: محاولة لإطلاق مسار سياسي متكامل ومتعدد المراحل 06:06 | 2026-06-03 غوتيريش يقترح 3 خيارات لإنشاء قوة مراقبة بين لبنان وإسرائيل وفرنسا تمهّد لقوة مُراقبة دوليّة 06:37 | 2026-06-03 تمديد العمل بالتعميمين ١٥٨ و١٦٦ أول تموز فيديو انطلاق القمة الروحية في دار الطائفة الدرزية (بث مباشر) Lebanon 24 انطلاق القمة الروحية في دار الطائفة الدرزية (بث مباشر) 11:20 | 2026-06-02 03/06/2026 06:44:56 Lebanon 24 Lebanon 24 "خفت على جسمي".. نجمة عربية شهيرة تكشف سبب عدم إنجابها (فيديو) Lebanon 24 "خفت على جسمي".. نجمة عربية شهيرة تكشف سبب عدم إنجابها (فيديو) 11:23 | 2026-05-30 03/06/2026 06:44:56 Lebanon 24 Lebanon 24 ليفربول يودّع صلاح بفيديو خاص.. 257 هدفاً بقميص "الريدز" Lebanon 24 ليفربول يودّع صلاح بفيديو خاص.. 257 هدفاً بقميص "الريدز" 23:01 | 2026-05-26 03/06/2026 06:44:56 Lebanon 24 Lebanon 24 Download our application مباشر الأبرز لبنان فيديو خاص إقتصاد عربي-دولي مونديال 2026 متفرقات Download our application Follow Us Download our application بريد إلكتروني غير صالح Softimpact Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24