درستُ على يدي محمد بن محمد المختار الشنقيطي أكثر من سنتين ونصف السنة، حيث ابتدأ في بيته، ثم لما ضاق المكان بالطلاب انتقل إلى أحد المساجد القريبة منه، حيث واصل شرح "زاد المستقنع" شرحاً يُعدّ من أهم شروحه المعاصرة، لما امتاز به من قوة التأصيل، ودقة الترجيح، وربط المسائل بأصولها الشرعية. وقد نشأ الشيخ المختار الشنقيطي في المدينة المنورة، وكان أخوه أبو بكر زميلي في كلية الدعوة وأصول الدين، وهو ما قرّبني من أسرته العلمية الكريمة، وعرفتُ عن قرب بيئة نشأته الأولى.



ـ الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي في رحاب المسجد النبوي

نشأ شيخنا محمد بن محمد المختار الشنقيطي  في رحاب المسجد النبوي، وبين حلقات العلم، على يد والده الشيخ محمد المختار الشنقيطي، فتربى في مدرسة الفقه المالكي الأصيلة، واعتنى منذ صغره بعلوم الآلة، وأصول الفقه، والدراسات الحديثية، فترسّخ فيه المنهج الفقهي الدقيق القائم على احترام أقوال العلماء، والترجيح بالدليل، ونبذ التعصب المذهبي. وكان يُربينا عملياً على هذا المنهج، لا نظرياً فحسب، حتى تدرّج في مدارج العلم، وأصبح من كبار علماء الحرمين الشريفين، وممن يُشدّ إليهم الرحال في طلب العلم والفتوى.

إن الحديث عن الشيخ الدكتور العلامة محمد بن محمد المختار الشنقيطي حديثٌ عن العلم إذا اقترن بالعمل، وعن الفقه إذا صاحَبَهُ الزهد، وعن الدعوة إذا تزيَّنت بالإخلاص. وهو نموذجٌ للعالِم الرباني الذي لم يكن علمه حبيس الكتب، ولا فقهه أسير القاعات، بل كان علمًا يُربّي، وفقهًا يُهذّب، ودعوةً تُحْيي القلوب قبل العقول.وفي هذا السياق المنهجي، كان الشيخ يقرر في عدد من دروسه العلمية بالمدينة المنورة قاعدةً كبرى في فهم العلم والدعوة، حيث قال في أحد دروسه المسجلة: "المنهج العلمي الصحيح هو أن ندعو إلى الله بالدليل، وأن نبني منهجنا على الكتاب والسنة، وأن نبتعد عن التعصب والهوى، فالعلم يُبنى ولا يُنتزع" (محمد بن محمد المختار الشنقطي، درس مسجّل، فوائد المختار، 2013).

وهذه العبارة تختصر مدرسة الشيخ العلمية؛ إذ تُبرز التدرج، والبناء، والتأصيل، لا الصدام ولا الانتزاع، وهو ما لمسته واقعاً في طريقته في التدريس والتوجيه.

ولقد اشتهر الشيخ بين طلبة الجامعة الإسلامية، وأحبّوه وتنافسوا على حضور حلقاته، لما وجدوه فيه من جمعٍ بين عمق الفقه، وسلامة المنهج، وحسن الخلق. وكان باراً بوالدته، لطيف المعشر، قريباً من طلابه، حتى اختير عضواً في هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية عام 2009م، وله حضور علمي معروف في الحرمين الشريفين وفي المؤلفات والبحوث الفقهية المعاصرة. وقد كانت اختياراته الفقهية تميل بوضوح إلى الدليل الشرعي، مع سعة أفق في فهم الواقع، وبُعدٍ ظاهر عن التعصب، وهو ما يظهر جلياً في مؤلفه المهم أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، حيث جمع فيه بين التراث الفقهي، والاستنباط المنضبط، والتنزيل المعاصر.

وما يلفت الانتباه هو حديثه عن المدينة المنورة وأثرها في تكوين العلماء، قال الشيخ في أحد دروسه المسجلة بالحرم النبوي: "المدينة المنورة مدرسة العلم الأولى بعد القرآن والسنة، ففي رحابها يتجمع العلماء، ويتربى طلاب العلم على السكينة، والفهم، وحسن التلقي" (محمد بن محمد المختار الشنقيطي، درس فضائل المدينة، 16 سبتمبر 2013).

وهذا يفسّر كثيراً من ملامح شخصيته العلمية؛ إذ لم تكن المدينة عنده مكان إقامة فحسب، بل مدرسة تربية ومنهج.

وكنتُ ـ بفضل الله ـ من الملازمين لدروسه، محافظاً عليها ما استطعت، وقد أجازني في التدريس فيما أخذتُ عنه. ولا أنسى موقفاً بقي حياً في ذاكرتي: ففي أحد مواسم الحج، حين كنت طالبًا بالمملكة، التقيت بشيخي يوم عرفة في مسجد نمِرة، فذكّرني بالإخلاص لله، وبالحرص على هداية الناس، وبالاستعداد للرحيل، ثم قرأ عليّ قول الله تعالى: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ* فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡم وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ* وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ* وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ﴾  [الأعراف: 6–9]. ولا تزال هذه الآيات، مقرونةً بنبرة صوته ومقامها، حاضرة في قلبي إلى اليوم. وكنت في تلك الحلقات رفقة الإخوة الكرام الشيخ الدكتور سالم الشيخي والشيخ الدكتور ناصر عاقوب. وكان أيام مليئة بالخير والمثابرة، وارتباط طلبة العلم بهذه الدروس والحلقات للشيخ الجليل وغيره من علماء المدينة المنورة.

وإن تجربتي مع الشيخ محمد المختار الشنقيطي، فإنه من الشيوخ الزهاد المتواضعين، لا يتكلف في مظهره، ولا تصنّع في علمه، وسَمْته يذكّرك بفقه القدوم على الله عز وجل. وقد كان يؤكد في غير ما مجلس أن العلم بلا أخلاق عبءٌ على صاحبه، حيث قال في أحد دروسه التربوية: "طلب العلم ليس جمعاً للمعلومات، بل تربية للنفس، فمن لم يتخلق بأخلاق العلم، لم ينتفع بعلمه"(محمد بن محمد المختار الشنقيطي، من فضائل المدينة المنورة، 09/05/2021). .

ـ تجربة الشيخ محمد بن محمد مختار الشنقطي في طلب العلم

تحدّث شيخنا العلامة الفقيه محمد بن محمد المختار الشنقيطي عن تجربته في طلب العلم حديثَ الصادق المتحرّج من تزكية النفس، فقال ما معناه: "إن الحديث عن النفس مُحرِج، وقد يُخشى منه أن يُثبِّط طلاب العلم، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، غير أنه ذكر بعض ما مرّ به رجاءَ النفع، وسأل الله ألا يؤاخذه على ذلك".

وبيّن أن الفضل في بداياته العلمية بعد توفيق الله تعالى يرجع إلى والده رحمه الله، الذي كان حريصًا على أخذه منذ الصغر إلى مجالس العلم في الحرم النبوي، وعلى حضور دروسه في البيت، حتى إنه كان ـ لصغر سنه ـ ينام أحيانًا في حجره أثناء الدرس، لكثرة ملازمته له. وكان والده يدرّس بعد أكثر الصلوات، وأحيانًا بعد العصر في البيت.

ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره، أمره والده أن يجلس بين يديه ويقرأ عليه دروس الحرم، فابتدأ بقراءة سنن الترمذي في جمعٍ كبيرٍ من الناس في مسجد النبي ﷺ، وكان ذلك تشجيعًا له وشحذًا لهمته، وحسنَ ظنٍّ من والده به. ثم قرأ عليه الموطأ فختمه، ثم سنن ابن ماجه، ولم يُكمله لوفاة والده، ورجا أن يُكتب له أجر إتمامه.

وكان بعد المغرب يقرأ درس الحديث، ثم يحضر دروس اللغة والفقه التي تُقرأ على والده. وبعد العشاء كان يقرأ عليه صحيح مسلم حتى ختمه، وابتدأ ختمةً ثانيةً، وتوفي والده في آخرها، وكان موضع الوفاة عند باب فضل الموت والدفن في المدينة، في مشهدٍ له دلالته العميقة. وذكر أن والده دعا في آخر مجلسٍ له دعاءً مؤثّرًا، ولم تكن عادته الدعاء في هذا الموضع، فكان تأمين الحاضرين لافتًا لكثرتهم وتأثرهم.

لقد علّم الشيخ طلابه ـ بلسان حاله قبل مقاله ـ أن طريق العلم أمانة ومسؤولية، وأن الفتوى دين يُدان الله به، وأن العالم الحق هو من يحمل همَّ الأمة، ويزن أقواله بميزان الآخرة. فكان مجلسه مدرسةً في السكينة، وكلامه تذكرةً بالوقوف بين يدي الله، ومنهجه شاهدًا على أن الجمع بين الدليل، وحكمة التنزيل، وحسن الخلق، هو السبيل الأمثل لخدمة الإسلام في هذا الزمان.وأما بعد الفجر فكان يقرأ حتى تطلع الشمس، وبعد الظهر كان يقرأ عليه صحيح البخاري حتى ختمه، ثم شرع في ختمة ثانية لم تُستكمل لوفاة والده. وذكر أنه قرأ عليه في الفقه متن الرسالة كاملاً، وجملةً كبيرةً من مسائل بداية المجتهد، وكان يحررها، مع سعة باع والده في علم الخلاف، وورعه عن الترجيح.

وفي علم الأصول، قرأ عليه بعضه، غير أن والده كان لا يحب كثرة الجدل والمنطق، وكان يرى تحريم الاشتغال بالمنطق، وهو قول معمول به عند بعض العلماء، فكان يمنعه من التوسّع فيه، مما دفعه إلى استكمال هذا الفن على مشايخ آخرين. وأما علم المصطلح فقرأ عليه منظومات، منها البيقونية والطلعة، وقرأ تدريب الراوي.

وفي السيرة والتاريخ كان لوالده درسٌ في رمضان في البداية والنهاية، حتى شهد له العلماء بقوة حفظه، ومنهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. وكان لوالده عناية بعلم الأنساب، غير أنه آثر عدم التوسع فيه خشية التبعات، واكتفى بما حصّله في الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية. ومن ثم ختم الشيخ حديثه بالإشارة إلى أنه يشغل اليوم عضوية هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، سائلاً الله القبول والسداد (موقع الشيخ محمد بن محمد المختار، عن الشيخ، شوهد في: 11 يناير 2026م).

ـ أبرز مؤلفات محمد محمد المختار الشنقيطي (حفظه الله)

اشتهر مؤلفه "أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها"، وهو كتاب فقهي معاصر في النوازل الطبية، اعتمدته جهات علمية، ويُدرَّس في بعض الكليات الشرعية والطبية. فضلاً عن عشرات البحوث الفقهية والأصولية المنشورة في مجلات علمية محكَّمة، وفي أعمال مؤتمرات فقهية (خاصةً في فقه النوازل والقضايا الطبية والمالية). وكذلك سلاسل صوتية مطوّلة في شرح زاد المستنقع"، ودروس في أصول الفقه وقواعد الترجيح، ومحاضرات في فقه الواقع والنوازل.

ـ خلاصة القول

لا يزال ـ حفظه الله ـ يُدرّس ويُفتي، ويشارك في المجالس العلمية والدروس والمحاضرات، ويدل الناس على الخير، ويدعوهم إلى صراط الله المستقيم، جامعًا بين فقه النص، وفقه الواقع، وصدق التربية.

وفي ختام هذه الشهادة، فإن الحديث عن الشيخ الدكتور العلامة محمد بن محمد المختار الشنقيطي حديثٌ عن العلم إذا اقترن بالعمل، وعن الفقه إذا صاحَبَهُ الزهد، وعن الدعوة إذا تزيَّنت بالإخلاص. وهو نموذجٌ للعالِم الرباني الذي لم يكن علمه حبيس الكتب، ولا فقهه أسير القاعات، بل كان علمًا يُربّي، وفقهًا يُهذّب، ودعوةً تُحْيي القلوب قبل العقول.

لقد علّم الشيخ طلابه ـ بلسان حاله قبل مقاله ـ أن طريق العلم أمانة ومسؤولية، وأن الفتوى دين يُدان الله به، وأن العالم الحق هو من يحمل همَّ الأمة، ويزن أقواله بميزان الآخرة. فكان مجلسه مدرسةً في السكينة، وكلامه تذكرةً بالوقوف بين يدي الله، ومنهجه شاهدًا على أن الجمع بين الدليل، وحكمة التنزيل، وحسن الخلق، هو السبيل الأمثل لخدمة الإسلام في هذا الزمان.

نسأل الله العظيم أن يبارك في عمر شيخنا الجليل، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وأن ينفع بعلمه الأجيال القادمة، ويُخرِج من مدرسته رجالًا ونساءً يحملون هذا الدين علمًا وعملاً ودعوةً وصبراً. قال تعالى: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوف رَّحِيم﴾، والحمد لله رب العالمين.

المراجع:

1 ـ  القرآن الكريم.
2 ـ سيرة الشيخ محمد بن محمد المختار، وفهارس الدروس الصوتية في المدينة المنورة (الأرشيف الدعوي)، موقع الشيخ، شوهد في: 11 يناير 2026م.
3 ـ علي محمد الصلابي، مسودة كتاب "مذكرات وذكريات في طلب العلم والإصلاح والسياسة"، قيد التأليف، 1447ه/ 2026م. تسجيلات دروس الفقه والأصول – قناة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
4 ـ محمد بن محمد المختار الشنقيطي، أرشيف صوتي "من فضائل المدينة المنورة"، موقع الشيخ الشنقيطي، 09/05/2021م.
5 ـ محمد بن محمد المختار الشنقيطي، المدينة المنورة، موقع فوائد المختار، 16 سبتمبر 2013م.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير الفقه الشهادة مسيرة شهادة فقه سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الشیخ محمد بن محمد المدینة المنورة الشیخ الدکتور فی طلب العلم قرأ علیه م الشیخ فی أحد فی هذا

إقرأ أيضاً:

كمال الدين: مصر لم تهزم في العدوان الثلاثي وانسحاب الجيش من سيناء خطة عسكرية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

كشف اللواء مصطفى كمال الدين حسين، عضو مجلس النواب الأسبق ونجل اللواء الراحل كمال الدين حسين، عضو تنظيم الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة ووزير التربية والتعليم ونائب رئيس الجمهورية الأسبق، تفاصيل جديدة عن حياة والده ودوره في ثورة 23 يوليو، مؤكداً أن والده كان من المشاركين في حرب فلسطين عام 1948، وأنه انضم مبكراً إلى تنظيم الضباط الأحرار.

وأوضح مصطفى كمال الدين حسين أن والده تقدم إلى الكلية الحربية ثلاث مرات، بعد أن رُفض في المرتين الأولى والثانية لصغر سنه، قبل أن يلتحق بها في المحاولة الثالثة، مشيراً إلى أن والده كان مصمماً على دخول الحياة العسكرية والإسهام في الدفاع عن الوطن.

وأضاف، أن والده شارك قبل الثورة في حرب فلسطين عام 1948 ضمن مجموعات الفدائيين بقيادة البطل أحمد عبد العزيز، موضحاً أن القوات وصلت إلى مشارف القدس وحاصرتها، قبل أن تؤدي الهدنة والظروف السياسية إلى تغيير مسار العمليات.

وأشار إلى أن والده كان من الضباط الذين شاركوا في وضع خطة التحرك ليلة ثورة 23 يوليو، إلى جانب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر، موضحاً أن الخطة تضمنت تحديد مهام القوات وتحركاتها والسيطرة على المواقع الحيوية، بالإضافة إلى تأمين مداخل السويس لمنع أي تدخل بريطاني في تحركات الثورة.

وأكد أن الخطة تضمنت أيضاً السيطرة على مبنى الإذاعة ومحاصرة قصر عابدين، مشيراً إلى أن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ووالده كانوا يتحركون في البداية بالملابس المدنية لتجنب إثارة الشبهات.

وكشف أن الضابط يوسف صديق تحرك قبل الموعد المحدد، بعدما وصلت معلومات إلى جمال عبد الناصر تفيد بأن السلطات بدأت تعرف أسماء بعض الضباط المشاركين في التحرك، الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ قرار ببدء التنفيذ، قائلاً إن «العجلة دارت» ولم يعد هناك مجال للتراجع.

وتابع، أن والده ارتدى ملابسه العسكرية عقب بدء التحرك، وأخذ سلاحه، موضحاً أن هذه الصورة ظلت عالقة في ذاكرته منذ طفولته، مؤكداً أن أسرته عاشت تفاصيل تلك المرحلة عن قرب.

ولفت إلى أن والده كان من الضباط المشاركين في التخطيط للتحرك العسكري ليلة الثورة، موضحاً أن القوات تحركت للسيطرة على المواقع المهمة وتأمين مداخل السويس، بينما جرى لاحقاً اتخاذ خطوات للسيطرة على قصر عابدين ومبنى الإذاعة.

وأوضح، أن الضباط الأحرار اختاروا اللواء محمد نجيب ليتولى قيادة الثورة باعتباره ضابطاً كبيراً يتمتع بتاريخ عسكري ومكانة داخل الجيش، مشيراً إلى أن عدداً من أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا يعرفونه من خلال نادي الضباط.

وأضاف، أن الرئيس الراحل أنور السادات أذاع بيان الثورة عبر الإذاعة، بعدما عاد من السينما، بينما تحرك الضباط للسيطرة على الإذاعة ومحاصرة قصر عابدين، مؤكداً أن النقاشات داخل قيادة الثورة انتهت إلى عدم قتل الملك فاروق والسماح له بمغادرة البلاد.

وأشار إلى أن الملك فاروق تنازل عن العرش وغادر مصر في 26 يوليو 1952، موضحاً أن الضباط اختاروا تجنب إراقة الدماء، وأن الملك غادر البلاد متجهاً إلى إيطاليا.

وقال، إن وصف ما حدث في 23 يوليو بأنه «انقلاب» أو «ثورة» يختلف بحسب تعريف المصطلح، موضحاً أن الثورة أدت إلى إنهاء الاحتلال البريطاني، وإلغاء النظام الملكي، واستعادة حقوق الشعب، وتأميم قناة السويس، معتبراً أن هذه النتائج كانت من أهم التحولات التي شهدتها مصر.

وأكد أن الشعب المصري خرج في اليوم التالي للثورة، معتبراً أن هذا الخروج عكس تأييد قطاعات واسعة من المصريين لما حدث، مشيراً إلى أن الشعب لم يكن ليخرج بهذا الشكل لو كان متمسكاً بالنظام الملكي.

وتحدث عن تأثير والده في تكوينه منذ طفولته، موضحاً أنه كان يصطحبه معه خلال عمله في رفح، وأنه شهد في سن الخامسة مناورة ليلية للمدفعية، وهو ما جعله ينشأ على حب الجيش والوطن.

وأضاف، أنه عاش مع والده وأخيه حسام أجواء العدوان الثلاثي عام 1956، موضحاً أن والده كان مسؤولاً عن قطاع من جيش التحرير على خط القناة، وأنهما ذهبا معه إلى السويس خلال إجازة نصف العام، وشاهدا أجواء الحرب والاستعداد للمواجهة.

وأوضح، أن والده لم يُصب خلال العدوان الثلاثي عام 1956 كما يعتقد البعض، وإنما أصيب خلال حرب فلسطين عام 1948، مشيراً إلى أن البطل أحمد عبد العزيز وصل به إلى المستشفى بعد إصابته، وأن والده ظل في غيبوبة لفترة قبل أن يتعافى.

وأكد أن مصر لم تُهزم في حرب 1956، مشيراً إلى أن القوات المصرية واجهت عدواناً ثلاثياً شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وأن انسحاب الجيش المصري من سيناء كان جزءاً من خطة عسكرية لتجنب تعرضه للإبادة بعد بدء العدوان على بورسعيد.

وأشار إلى أن حرب 1956 شهدت العديد من الملاحم والبطولات، خاصة من جانب المقاومة الشعبية والفدائيين وأفراد الدفاع، موضحاً أن المواطنين المصريين شاركوا في الدفاع عن مدنهم خلال العدوان.

وروى أن الرئيس جمال عبد الناصر زار والده برفقة عبد الحكيم عامر وعبد اللطيف البغدادي في مركز القيادة بالإسماعيلية خلال الحرب، وكان يرغب في التوجه إلى بورسعيد لتفقد القوات، إلا أن والده نصحه بالانتظار حتى الصباح بسبب توقع حدوث إنزال عسكري.

وأضاف، أن عبد الناصر عاد إلى الإسماعيلية بعد وقوع الإنزال، وشاهد المواطنين في الشوارع يحملون الأسلحة استعداداً للدفاع عن البلاد، مشيراً إلى أن الأسلحة والذخائر كانت تُوزع على المواطنين باستخدام بطاقات الهوية.

وأكد أن والده كان يرى أن التعليم يمثل الأساس الحقيقي لبناء الدولة، مشيراً إلى أنه عندما تولى وزارة التربية والتعليم عمل على الاستعانة بمجموعة من المتخصصين والاستشاريين لدراسة الملفات التعليمية قبل اتخاذ القرارات.

وأوضح، أن والده اهتم بالتوسع في إنشاء المدارس داخل القرى والنجوع، بعدما كانت مناطق كثيرة تفتقر إلى المدارس، مؤكداً أن انتشار المدارس الحكومية ساهم في إتاحة التعليم لأعداد أكبر من أبناء المصريين.

وأشار إلى أن التعليم الحكومي في تلك الفترة كان يتمتع بمستوى مرتفع، موضحاً أن المعاهد العليا الصناعية كانت تمنح الطلاب تدريباً عملياً، وأن بعض الطلاب كانوا يسافرون إلى ألمانيا للتدريب داخل المصانع، ليجمع الخريج بين الدراسة النظرية والخبرة العملية.

وأضاف، أن منظومة التعليم في تلك الفترة اهتمت بالبعثات العلمية لإعداد كوادر مؤهلة للجامعات والمدارس العليا، مؤكداً أن أي دولة لا يمكن أن تنهض إلا من خلال التعليم.

وأوضح، أن والده اهتم أيضاً بتعزيز الهوية الوطنية داخل المؤسسات التعليمية، مشيراً إلى أن المدارس كانت تقدم للطلاب مواد تتعلق بالتربية القومية والانتماء للوطن.

وأكد أن المدارس في تلك الفترة كانت تقدم تدريبات ذات طابع عسكري للطلاب، تضمنت ارتداء الزي العسكري والتدريب على بعض المهارات، مشيراً إلى أن الهدف كان إعداد جيل يمتلك روحاً وطنية وقادراً على الدفاع عن بلاده عند الحاجة.

واختتم مصطفى كمال الدين حسين حديثه بالتأكيد على أن مرحلة ثورة 23 يوليو شهدت العديد من التحولات المهمة في تاريخ مصر، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو التعليمي، مشيراً إلى أن هذه المرحلة ما زالت بحاجة إلى مزيد من التوثيق والدراسة.

مقالات مشابهة

  • البابا تواضروس يرسم ملامح جيل المستقبل: العلم والانتماء والمعلم أساس بناء شخصية الطفل المصري
  • السفير رياض منصور : قابلت الرئيس السيسي منذ 10 سنوات .. وكان لديه رؤية عميقة
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • المصريين الأحرار: كلمة الرئيس تؤكد أن بناء الجمهورية الجديدة يقوم على العلم ومواجهة الفساد
  • سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
  • متى يجب على الفتاة ارتداء الحجاب؟.. أمين الفتوى يجيب
  • الداخلية تكشف ملابسات الاعتداء على صاحب مقهى ونجله في كفر الشيخ
  •  المدينة تتصدر مدن المملكة في إشغال مرافق الضيافة
  • بطرسبورغ تستضيف الدورة الأولى من مهرجان “أضواء المدينة” السينمائي الدولي
  • كمال الدين: مصر لم تهزم في العدوان الثلاثي وانسحاب الجيش من سيناء خطة عسكرية