بوابة الوفد:
2026-07-23@22:42:41 GMT

أمريكا وإيران.. كسر العظام أم عضّ الأصابع

تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT

أحيانا ً لا يكون أخطر ما في السياسة هو القرار بل “النية التي لم تُعلن بعد”.
فالخطابات قد تبدو نارية، والتهديدات قد تُقال بحدّة، لكن ما يحدث خلف الستار يُدار بمنطقٍ مختلف ( ميزان حسابات، لا ميزان انفعالات) ، ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي في المواجهة الأمريكية الإيرانية: 
هل نحن أمام معركة “كسر عظام” تُحسم بضربة واحدة، أم أمام صراع “عضّ أصابع طويل، كل طرفٍ فيه ينتظر لحظة ألم الطرف الآخر ليصرخ أولًا؟

الواقع أن المشهد الإقليمي لا يُظهر استعدادا ً لحرب كاسحة، مهما ارتفع سقف التصريحات.

فالحرب الشاملة تحتاج مقدمات واضحة ( حاملات طائرات تتكدّس في البحر، قواعد تُجهّز لمرحلة ممتدة، وتحالف إقليمي يفتح أراضيه بلا تردد) . . لكن ما نراه هو العكس ضجيجٌ سياسي يتقدّم، وتحرّك عسكري محسوب يتأخر، وكأن الرسالة ليست “سنضرب الآن” بل “نستطيع أن نضرب إن اضطررنا ”.

والسبب ليس خوفا  ًأمريكيًا من إيران كقوة عسكرية تقليدية، فواشنطن تملك تفوقًا ناريًا ساحقًا، لكن المخاوف أكبر من مجرد مقارنة سلاح بسلاح. الخشية هنا من “اليوم التالي”؛ من ارتداد الضربة على أسواق الطاقة، وعلى الممرات البحرية، وعلى القواعد المنتشرة في الإقليم، وعلى الشريان الذي يتنفس منه العالم… النفط والملاحة.
لهذا بدا موقف دول الخليج حاسما ً في كبح اندفاع أي مغامرة؛ هذه الدول تتحفّظ على استضافة أي مواجهةٍ عسكرية قد تجعل من أراضيها هدفا ً مباشرا ً  للرد الإيراني، وتضعها في قلب العاصفة .. فإيران لم تعد تُهدد بالبيانات فقط، بل أثبتت في السنوات الأخيرة أنها تستطيع إحداث ضرر حقيقي، عبر الصواريخ، أو عبر الوكلاء، أو عبر تعطيل الممرات. ومع كل تصعيد، يصبح السؤال الخليجي منطقياً وبسيطا ً : 
لماذا ندفع نحن ثمن رسالة لا تخص أمننا المباشر؟

ثم تأتي العقدة الأهم: إيران ليست فنزويلا… وليست دولة يمكن “قص جناحها” بضربة واحدة ثم انهيار سريع. إيران حالة أكثر تعقيدا ً، بحكم موقعها الجغرافي، وتشابك نفوذها، وتركيبتها الداخلية؛ هي دولة قد تختلف معها، لكنها ليست كيانا ً هشا ً ينتظر اللمسة الأخيرة ليسقط، وحتى لو تضررت، فإن قدرتها على تحويل الضرر إلى موجة اضطراب إقليمي تظل قائمة، وهذا وحده كافٍ لجعل أي قرار حرب قرارا ً مكلفا ً جدا ً .
والأخطر من ذلك أن ضرب إيران قد يمنح النظام ما يحتاجه في لحظة أزمة “الالتفاف القومي”؟.. فحين تتعرض دولة لضربة خارجية، حتى الخصوم الداخليّون قد يؤجلون خلافاتهم لحساب فكرة الوطن، وهذا يعني أن الضربة التي تُصمّم لكسر الهيبة قد تُعيد إنتاجها بشكل أقوى، وأن الهجوم الذي يُفترض أن يدفع للانشقاق قد يدفع للتصلّب والتمسك.
من هنا نفهم لماذا تبدو واشنطن مترددة بين الرغبة في الضغط وبين الخوف من الانزلاق. الضغط له أدوات عديدة أقل تكلفة من الحرب (العقوبات، العزل الدبلوماسي، تحريك الملفات، تعزيز الدفاعات الإقليمية، وتوجيه رسائل ردع محسوبة .. وكلها أدوات “عضّ أصابع” بامتياز؛ تؤلم الخصم لكنها لا تكسر العظم، تُضعفه بالتدريج دون أن تفتح باب الجحيم دفعة واحدة.
أما فكرة “تغيير النظام” فهي – في تقديري – أقل السيناريوهات واقعية، ليس لأن واشنطن لا ترغب، بل لأن ثمن ذلك لا يُحتمل، فإسقاط نظام بحجم إيران يعني فتح احتمال الفوضى داخل دولة كبيرة، وحين تتفكك دولة بهذا الوزن، فإن شظاياها لا تبقى داخل حدودها، بل تتطاير نحو الخليج والعراق وبلاد الشام واليمن، ويصبح الإقليم كله في حالة سيولة مخيفة، وأمريكا – بحسابات الربح والخسارة – لا تريد أن تُمسك بطرف خيط لن تستطيع السيطرة على نهايته.

لذلك نحن أمام مشهد شديد الدلالة: 
رئيس أمريكي قد يتحدث بحدة، لكن المؤسسة العسكرية تتصرف ببرود. 
حلفاء واشنطن لا يبدون حماسا ً، وأسواق الطاقة لا تتحمل مفاجآت، والممرات البحرية على حافة القلق الدائم. كل هذا يجعل قرار “كسر العظام” قرارا ً مستبعدا ً إلا إذا وقعت شرارة ضخمة تُجبر الجميع على القفز في النار.
إذن ما الذي نتوقعه؟
نتوقع حربا ً بلا إعلان، وصراعا ً بلا نهاية واضحة.
نتوقع ضغطا ً متواصلا ً، ورسائل نارية، وتحركات محسوبة، وربما ضربات محدودة لا تهدف للحسم بل للإنذار. 
أتوقع أن تستمر لعبة الأعصاب: 
من يصرخ أولا ً ؟ 
ومن يتراجع أولا ً؟ 
ومن يتحمل الألم أكثر؟
وهنا تأتي خلاصة المشهد:
هذه ليست معركة “سيف ورمح” .. بل معركة “أصابع وأسنان”.
كل طرف يحاول أن يُثبت أنه لا يتألم، وأنه قادر على الاستمرار، وأن الطرف الآخر هو الذي سيطلب التهدئة في النهاية.
لكن الفرق أن كسر العظام يصنع نصرا ً سريعا ً، ثم يفتح باب كارثة طويلة، بينما عضّ الأصابع يصنع ضغطا ً بطيئا ً .. لكنه يحافظ على خطوط العودة قبل أن تحترق.
وفي الشرق الأوسط، لا أحد يربح بالكامل ! لكن الأذكى هو من يعرف كيف يمنع الخسارة الكبرى.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: خلف الستار المخاوف أكبر

إقرأ أيضاً:

الجار الذي لا يخالط جيرانه

أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟

منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".

تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.

أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.

قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.

قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!

لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟

في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.

أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.

وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.

زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.

من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.

مقالات مشابهة

  • سيناريوهات التصعيد بين أمريكا وإيران.. هل تنضم إسرائيل إلى المواجهة أم تبقى خارجها؟
  • إيران تهدد بريطانيا بعد استخدام أمريكا قواعدها.. تلويح بـدييغو غارسيا
  • الكويت تدين هجمات إيران ووكلائها على منفذ العبدلي
  • سنتكوم: تحويل مسار 12 سفينة وتعطيل واحدة منذ استئناف الحصار على إيران
  • مسعود الفلك: المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع إيران ككتلة واحدة
  • أمريكا تتوعد إيران والحوثيين بعد ضرب ناقلات النفط
  • مادة بترميها في الزبالة تحمي من السرطان
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • في ظل التصعيد بين أمريكا وإيران.. سعر النفط يقفز فوق الـ100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ مايو
  • من واشنطن.. أمريكا وإيران نحو مزيد من التصعيد وترمب يواصل استهداف المهاجرين