صحيفة الاتحاد:
2026-07-24@22:25:37 GMT

د. عبدالله الغذامي يكتب: ذاكرة الرادو

تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT

جرت ترجمة كلمة راديو إلى مذياع، لكن الحالة الثقافية العامة ظلّت على كلمة (رادو)، وذاكرتي مع الرادو ابتدأت مع والدي وتعلقه بالأخبار، وقد تصدّرت إذاعة لندن الواجهة الإخبارية، لأن بريطانيا حينذاك كانت ذات صورة حسنة فيها إعجاب من بريطانيا العظمى، وكان ذلك وصفاً مبهراً تعززه قصص المجالس عن الإنجليز وأنظمة سلوكهم وعلمهم وحضارتهم، كما أن إذاعة لندن عُرف عنها أنها تكشف الأخبار بحيادية على عكس إذاعات العرب.


ولم تتغير صورة إذاعة لندن إلا عام 1956 مع العدوان الثلاثي على مصر، مما شوّه صورة بريطانيا، وزاده خبر استقالة المذيعين العرب وترك العمل في تلك الإذاعة بسبب انحياز المحطة في نشر الأخبار وانحيازها لبريطانيا المعتدية. وفي ذلك العام تصنّعت ذاكرتي السياسية مع الحس العروبي ضد العدوان، ومشاركة المملكة رسمياً في الوقوف مع مصر وضد الاستعمار ورموزه، وكنت تبعاً لموقف والدي وأساتذتنا في المدرسة، وهناك تسيس ذوقي وأصبح حسي الأول عروبياً، بكل ما يتبع هذا من ثقافة ومواقف، وكنت حينها في العاشرة من عمري.
وحين وقعت واقعة 1967 اضطررنا لإذاعة لندن ثانية بسبب صدمتنا من إخفاء إذاعة صوت العرب حقيقة وقائع المعارك، وكنّا نصدّق صوت العرب في الأيام الأولى للمعارك، ثم جاءت الطامة الصاعقة حين تكشّفت بوادر هزيمة الأيام الستة، وهنا عُدنا لإذاعة لندن لنسمع ونلعن لندن في آنٍ واحد. وهذه تجربةٌ فارقة أن تستمع لمن تكره، لأنك لا تثق بمن تحب. وهو يمثّل حالة تغيرٍ نوعي في نظام تفكيري، وإن لم أترجمها لمعنى مفاهيمي، حينذاك لكنه خلق عندي رغبات بتنويع مصادري.
وتعزّزت هذه الرغبة حين دخلت في البحث العلمي، كما أفادتني فترة البعثة في مطلع السبعينات إلى بريطانيا التي أحب وأكره في آن. وعشت في بريطانيا سبع سنوات مع هذا المعنى بإتقان تعلمته أيضاّ من سلوك اتحادات الطلاب في بريطانيا، حيث النزاعات السياسية بين شباب الأحزاب المتنوعة في بريطانيا في مواجهات حامية وقت استراحة الغداء، حيث تتلهب قاعة اتحاد الطلاب في النقاشات الحادة والخطيرة، التي تنطلق من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبينهما وسطيات متنوعة ولكن ما إن يغادروا القاعة حتى يتصافوا فيما بينهم وينكتوا ويمضوا بصفاء وتلقائية، وكنت حينها أصف الإنجليز ببرودة الأعصاب بالمعنى السلبي إلى أن اكتشفت أني مثلهم أحب أفكار برتراند راسل وأسلوبه، لكنني أكره سلوكياته التي هي عندي مشينةٌ وممقوتة، وهنا تكشّفت لي مخاتلات الذاكرة حين تضع المحبة والكراهية في خانتين متجاورتين، وتمنحهما القدرة على التحرك معاً باتجاه حدث واحد تحبه وتكرهه في آن، ولا تسمح لإحداهما أن تزحم الأخرى وتخرجها لأن كلتيهما ساكنةٌ في الذاكرة كقدرة قبلة للتحاور والتحرك معاً. وأراني عشت حياتي العملية والفكرية وفق هذه المعادلة التي تصنّعت عندي تلقائياً مع الراديو، ثم تحولت لنظرية فكرية صبغت أنظمة رؤيتي وسيرت سلوكي الواقعي والتفاوضي.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

أخبار ذات صلة د. عبدالله الغذامي يكتب: كلٌّ بعقله راضٍ د. عبدالله الغذامي يكتب: ظاهرة التمثل أو الجنود الثقافية

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: الغذامي عبدالله الغذامي

إقرأ أيضاً:

حسني صادق: إذاعة وادي النيل صوت مشترك يجمع القاهرة والخرطوم منذ عام 1984

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال دكتور حسني صادق، مدير عام إذاعة وادي النيل، إن الإذاعة بدأت في نهايات عام 1949 تحت اسم «ركن السودان»، كقسم ملحق بالإذاعة المصرية، وكان بثها في البداية لمدة نصف ساعة أسبوعيًا، بهدف نقل صوت السودان وثقافته وتراثه، قبل أن تتوسع ساعات البث تدريجيًا حتى وصلت عام 1953 إلى نصف ساعة يوميًا.

وأوضح صادق، خلال لقائه عبر شاشة الفضائية المصرية، أن «ركن السودان» استمر في التعبير عن آمال وطموحات وثقافة الشعب السوداني حتى عام 1984، حين جرى الاتفاق خلال اجتماعات اللجنة المصرية السودانية المشتركة في ديسمبر 1983 على تحويله إلى إذاعة مستقلة تحمل اسم «إذاعة وادي النيل من القاهرة والخرطوم»، لتبدأ بثها بهذا الاسم في الأول من يناير عام 1984.

وأشار إلى أن ساعات بث إذاعة وادي النيل ارتفعت بعد تحولها إلى إذاعة مستقلة، لتصل إلى أربع ساعات يوميًا، موزعة بين فترة صباحية وأخرى مسائية، موضحًا أن الخريطة البرامجية كانت تعتمد على شراكة بين القاهرة والخرطوم، حيث تنتج القاهرة البرامج المصرية، بينما تقدم الخرطوم البرامج التي تتناول الشأن السوداني، وفق خطة برامجية يتم الاتفاق عليها خلال اجتماعات دورية بين الجانبين.

وأكد مدير عام إذاعة وادي النيل أن الإذاعة تعد نموذجًا فريدًا للشراكة الإعلامية بين بلدين، موضحًا أن العاملين في مكتب الخرطوم يتبعون إداريًا وماليًا للهيئة الوطنية للإذاعة والتلفزيون في السودان، بينما يتبع العاملون في القاهرة للهيئة الوطنية للإعلام، في حين يجري التنسيق بين الجانبين على المستوى البرامجي والإنتاجي.

ولفت إلى أن هذه الشراكة ساهمت في تعزيز العلاقات الثقافية والإعلامية بين مصر والسودان، من خلال تبادل البرامج والمحتوى، إلى جانب الإنتاج الدرامي السوداني الذي كان يُرسل إلى الإذاعة في القاهرة بشكل دوري، مؤكدًا أن تقديم المحتوى من خلال شراكة مباشرة مع الإعلام السوداني يثري البرامج ويضمن دقة المعلومات ونقل الصورة الحقيقية عن السودان.

وحول تأثير الحرب في السودان على عمل الإذاعة، قال صادق إن الأحداث أدت إلى توقف وصول البرامج والمواد المنتجة من الخرطوم لفترة، ما دفع إدارة إذاعة وادي النيل إلى الاعتماد على التراث والأرشيف الخاص بالإذاعة و«ركن السودان» لسد الفجوة البرامجية، مع استمرار التواصل مع الجانب السوداني عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضاف أن الإذاعة حرصت على استمرار حضور الصوت السوداني، حيث بدأ إعلاميون سودانيون في إنتاج برامجهم باستخدام الهواتف المحمولة وإرسالها عبر تطبيقات التواصل، لتتولى الإذاعة في القاهرة استقبال المواد وإنتاجها وإعدادها للبث، مؤكدًا أن المحتوى الذي وصل في بداية الأزمة عكس حجم المأساة الإنسانية وما خلفته الحرب من حزن وأسى ونزوح وتشرد.

وأوضح أن إذاعة وادي النيل نجحت لاحقًا في استعادة جزء من التواصل مع الإعلام السوداني، من خلال الحصول على «رسالة الخرطوم اليومية»، وهي نشرة إخبارية مدتها نحو 25 دقيقة، تتضمن أحدث الأخبار وتقارير صوتية توثق الأحداث، ويتم إرسالها عبر الإنترنت لإذاعتها ضمن الخريطة البرامجية اليومية.

وأشار صادق إلى أن الإذاعة تعمل حاليًا على تطوير حضورها في الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الأجيال الجديدة، موضحًا أن برامج إذاعة وادي النيل أصبحت متاحة عبر منصات رقمية، من بينها «يوتيوب» وصفحات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن الإقبال الجماهيري كان لافتًا، حيث تلقت الصفحة الرسمية للإذاعة أكثر من ألف طلب صداقة خلال الساعة الأولى من إطلاقها.

وأكد مدير عام إذاعة وادي النيل أن الإذاعة فتحت أبوابها أمام الإعلاميين السودانيين الموجودين في مصر، لتوفير مساحات داخل الاستوديوهات المصرية تمكنهم من تسجيل وإنتاج برامجهم، بما يضمن استمرار بث الصوت السوداني والتعبير عن آمال الشعب السوداني وطموحاته، مشيرًا إلى أن الإذاعة عملت على تذليل العقبات اللوجستية المتعلقة بإنتاج المحتوى الإعلامي.

وحول الأوضاع في السودان، قال صادق إن الأوضاع تسير نحو الأفضل، رغم استمرار وجود تحديات كبيرة، مشيرًا إلى أن الدولة السودانية والجيش السوداني يواصلان استعادة مناطق عدة، معربًا عن أمله في عودة الأمن والاستقرار إلى السودان خلال الفترة المقبلة.

وأشار إلى أن عودة عدد كبير من الإعلاميين السودانيين إلى بلادهم تمثل مؤشرًا على بدء تحسن الأوضاع، موضحًا أن أكثر من 600 أسرة من أسر الإعلاميين السودانيين غادرت القاهرة في إطار مشروع للعودة الطوعية، متجهة إلى السودان، معتبرًا أن هذه الخطوة تعكس بدء عودة الحياة تدريجيًا إلى البلاد.

وتحدث صادق عن طموحاته المستقبلية لإذاعة وادي النيل، مؤكدًا تطلعه إلى أن تعود الإذاعة أقوى مما كانت عليه، وأن تستعيد انتشارها وجمهورها في مصر والسودان والوطن العربي، كاشفًا عن وجود تحركات واتصالات بين القاهرة والخرطوم لبحث إمكانية بث إذاعة وادي النيل عبر موجات الـ«FM» في البلدين، بما يسهم في توسيع نطاق وصولها إلى المستمعين وتعزيز رسالتها الإعلامية والثقافية.

مقالات مشابهة

  • حسني صادق: إذاعة وادي النيل صوت مشترك يجمع القاهرة والخرطوم منذ عام 1984
  • حسني صادق: 600 أسرة إعلامية سودانية عادت إلى بلادها
  • عمدة لندن يهدد بالضغط على الحكومة لاعتقال نتنياهو إذا زار بريطانيا
  • مونديال 2026.. ذاكرة تنزف ووجوه ستغيب !
  • عبدالله ابو عواد يرزق بمولودهِ البكر
  • الاحتلال يقر بعشوائية اقتحام "تل" ويستعد لعملية واسعة في نابلس
  • بعد تراجع ممداني.. عمدة لندن يتعهد باعتقال نتنياهو إذا دخل بريطانيا
  • بريطانيا تؤكد جاهزيتها العسكرية الكاملة وتتمسك بحماية أمنها وسط تصاعد التوتر مع إيران
  • أرض وهوية: ذاكرة فلسطين والفن والطفولة
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج