صحيفة الاتحاد:
2026-06-03@01:12:32 GMT

د. عبدالله الغذامي يكتب: ذاكرة الرادو

تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT

جرت ترجمة كلمة راديو إلى مذياع، لكن الحالة الثقافية العامة ظلّت على كلمة (رادو)، وذاكرتي مع الرادو ابتدأت مع والدي وتعلقه بالأخبار، وقد تصدّرت إذاعة لندن الواجهة الإخبارية، لأن بريطانيا حينذاك كانت ذات صورة حسنة فيها إعجاب من بريطانيا العظمى، وكان ذلك وصفاً مبهراً تعززه قصص المجالس عن الإنجليز وأنظمة سلوكهم وعلمهم وحضارتهم، كما أن إذاعة لندن عُرف عنها أنها تكشف الأخبار بحيادية على عكس إذاعات العرب.


ولم تتغير صورة إذاعة لندن إلا عام 1956 مع العدوان الثلاثي على مصر، مما شوّه صورة بريطانيا، وزاده خبر استقالة المذيعين العرب وترك العمل في تلك الإذاعة بسبب انحياز المحطة في نشر الأخبار وانحيازها لبريطانيا المعتدية. وفي ذلك العام تصنّعت ذاكرتي السياسية مع الحس العروبي ضد العدوان، ومشاركة المملكة رسمياً في الوقوف مع مصر وضد الاستعمار ورموزه، وكنت تبعاً لموقف والدي وأساتذتنا في المدرسة، وهناك تسيس ذوقي وأصبح حسي الأول عروبياً، بكل ما يتبع هذا من ثقافة ومواقف، وكنت حينها في العاشرة من عمري.
وحين وقعت واقعة 1967 اضطررنا لإذاعة لندن ثانية بسبب صدمتنا من إخفاء إذاعة صوت العرب حقيقة وقائع المعارك، وكنّا نصدّق صوت العرب في الأيام الأولى للمعارك، ثم جاءت الطامة الصاعقة حين تكشّفت بوادر هزيمة الأيام الستة، وهنا عُدنا لإذاعة لندن لنسمع ونلعن لندن في آنٍ واحد. وهذه تجربةٌ فارقة أن تستمع لمن تكره، لأنك لا تثق بمن تحب. وهو يمثّل حالة تغيرٍ نوعي في نظام تفكيري، وإن لم أترجمها لمعنى مفاهيمي، حينذاك لكنه خلق عندي رغبات بتنويع مصادري.
وتعزّزت هذه الرغبة حين دخلت في البحث العلمي، كما أفادتني فترة البعثة في مطلع السبعينات إلى بريطانيا التي أحب وأكره في آن. وعشت في بريطانيا سبع سنوات مع هذا المعنى بإتقان تعلمته أيضاّ من سلوك اتحادات الطلاب في بريطانيا، حيث النزاعات السياسية بين شباب الأحزاب المتنوعة في بريطانيا في مواجهات حامية وقت استراحة الغداء، حيث تتلهب قاعة اتحاد الطلاب في النقاشات الحادة والخطيرة، التي تنطلق من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبينهما وسطيات متنوعة ولكن ما إن يغادروا القاعة حتى يتصافوا فيما بينهم وينكتوا ويمضوا بصفاء وتلقائية، وكنت حينها أصف الإنجليز ببرودة الأعصاب بالمعنى السلبي إلى أن اكتشفت أني مثلهم أحب أفكار برتراند راسل وأسلوبه، لكنني أكره سلوكياته التي هي عندي مشينةٌ وممقوتة، وهنا تكشّفت لي مخاتلات الذاكرة حين تضع المحبة والكراهية في خانتين متجاورتين، وتمنحهما القدرة على التحرك معاً باتجاه حدث واحد تحبه وتكرهه في آن، ولا تسمح لإحداهما أن تزحم الأخرى وتخرجها لأن كلتيهما ساكنةٌ في الذاكرة كقدرة قبلة للتحاور والتحرك معاً. وأراني عشت حياتي العملية والفكرية وفق هذه المعادلة التي تصنّعت عندي تلقائياً مع الراديو، ثم تحولت لنظرية فكرية صبغت أنظمة رؤيتي وسيرت سلوكي الواقعي والتفاوضي.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

أخبار ذات صلة د. عبدالله الغذامي يكتب: كلٌّ بعقله راضٍ د. عبدالله الغذامي يكتب: ظاهرة التمثل أو الجنود الثقافية

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: الغذامي عبدالله الغذامي

إقرأ أيضاً:

أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد

​منذ أيام قليلة، انتشرت تقارير بعنوان هل ينجح الذكاء الاصطناعي في هزيمة السرطان؟..  وربما يمنح هذا العنوان، للوهلة الأولى، صورة ذهنية براقة وبصيصاً من الأمل في دحر ذلك الغول المتوغل داخل أجساد ملايين البشر حول العالم. ودار فحوى التقرير حول ثورة الذكاء الاصطناعي كتقنية واعدة، وقدرة الخوارزميات الفائقة على تحليل مليارات البيانات الطبية في فترات قياسية، مما يتيح للعلماء ميزة غير مسبوقة للتنبؤ بطبيعة الخلايا الخبيثة واختصار أمد البحث المخبري الشائك، وهو ما يبشر برسم خارطة طريق مغايرة تماماً للمستقبل العلاجي.

​لكن خلف هذا البريق التكنولوجي الأخاذ، تغيب عن وعي قطاع عريض من المجتمعات حقيقة بيولوجية وتاريخية صارمة؛ وهي أن ولادة أي عقار دوائي جديد، سواء لمقاومة الأورام أو الفيروسات أو الميكروبات، ليست مجرد معادلة رقمية تظهر بضغطة زر، بل رحلة شاقة قد تمتد لأكثر من عقد كامل. تبدأ هذه المسيرة الحتمية داخل المعامل بعزل المركبات الكيميائية وتقييم أمانها الأولي على الخلايا الحية والحيوانات، وهي مرحلة البحوث التي تستغرق وحدها ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، وتمثل الحيز الوحيد الذي تستطيع التقنيات الحديثة تسريع وتيرته الرقمية، دون امتلاك القدرة على تخطي ما يليها من مراحل ومحطات تفرضها الطبيعة البشرية ذاتها.

​ويعود هذا العجز التقني أمام خطوة التطبيق على الإنسان بالأساس إلى أن الطبيعة البشرية تمثل منظومة حيوية فريدة وبالغة التعقيد، لا تزال الخوارزميات الرقمية عاجزة عن فك شفراتها السيكولوجية والبيولوجية؛ فالآلة الصماء، مهما بلغت قدرتها على محاكاة البيانات والتنبؤ بها، لا يمكنها استيعاب التداخلات الغامضة بين الجينات المستقرة، والحالة النفسية للمريض، والتفاوت البيئي، وتنوع آليات الاستجابة المناعية من جسد لآخر، وهي متغيرات لا تخضع لمنطق المعادلات الحسابية الجامدة، مما يجعل رصد تفاعلات الدواء داخل الجسد حكراً على المراقبة الحية الصارمة.

​وهنا تحديداً، يدخل المشروع العلاجي نفق "التجارب السريرية" على البشر، وهو المسار الأكثر حساسية ودقة؛ إذ يتدرج الباحثون على مدار خمس إلى سبع سنوات أخرى في اختبار العقار عبر ثلاثة أطوار متلاحقة؛ تبدأ بحفنة من المتطوعين الأصحاء للتأكد من السلامة، ثم مئات المرضى لتقييم الفعالية، وصولاً إلى آلاف الأشخاص حول العالم لرصد الآثار الجانبية النادرة ومقارنتها بالبدائل السائدة. وحين تنتهي تلك الأعوام الطويلة من المراقبة اللصيقة، يخضع الملف بأكمله لمراجعات وفحوصات دقيقة من الهيئات التنظيمية الرسمية قد تستغرق عامين إضافيين قبل منح رخصة التداول، لتصبح المحصلة النهائية قرابة اثني عشر عاماً من التدقيق والتمحيص؛ وهي المعرفة التي تمثل حجر الزاوية في أمننا الصحي، والدرع الأول في مواجهة التضليل.

​وأمام هذا الغياب التام للحقائق الرقمية والبروتوكولات الصارمة عن وعي البسطاء، يولد فراغ معرفي خطير يمثل الثغرة المثالية التي ينفذ منها سماسرة الطب الزائف ومعدمو الضمير. وهنا تحديداً، يُقحم مرتزقة "شركات بئر السلم للأدوية" أنفسهم؛ تلك الكيانات العشوائية التي تعد الأشد فتكاً بصحة المرضى لعدم استنادها إلى أي معايير تصنيعية عالمية، بل تعتمد بالكامل على فبركة نتائج الأبحاث الجارية، وإقناع الملهوفين على الشفاء بأنها توصلت لصياغة مستحضرات ناجزة تصنع المعجزات في علاج أمراض مزمنة كداء السكري وخشونة الركبة المتقدمة وغيرها من الأمراض العضال.

​ولم تكن هذه التجارة الآثمة بآلام البشر لتدور في معزل عن شركاء آخرين، بل تكتمل فصولها بتحالف مخزٍ يضم أنصاف الأطباء ممن ينتسبون زوراً لتلك المهنة السامية ويتدثرون بردائها لتمرير الوهم، تساندهم منصات فضائية تقبل ببث الأكاذيب لقاء مقابل مادي. ولعل الطعنة الأشد إيلاماً في جسد الوعي المجتمعي تأتي من بعض الفنانين الذين تورطوا في تقديم "إعلانات استشهادية رخيصة" يؤكدون فيها تمام شفائهم بعد استخدام تركيبات دوائية مجهولة؛ في سقطة معرفية وأخلاقية مدوية لا تعكس مطلقاً القيمة الفنية التي أبدعوها على مدار سنوات كقادة رأي كان يُفترض بهم صون وعي الجماهير لا تضليله!

​وفي غمرة هذا الطوفان الإعلاني المزيف، لن تغلق ثغرة الوعي تلك إلا بيقظة المشاهد نفسه، وعدم الانصياع لاستراتيجيات الإغراق الإعلاني المنظم التي يراهن عليها هؤلاء المروجون لتمرير أوهامهم البصرية؛ فحماية الجسد البشري من رواج هذه المنتجات غير المؤثرة، وربما الضارة والمدمرة للصحة، تبدأ من رفض التجاوب معها، والتمسك بالحقائق والمسارات العلمية الصارمة كحصن أول وأوحد لأمننا البشري والصحي. 
 

طباعة شارك الذكاء الاصطناعي السرطان ثورة الذكاء الاصطناعي الخوارزميات

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الخارجية الروسية تتهم بريطانيا بدفع أوروبا نحو مواجهة عسكرية مع موسكو
  • بريطانيا تلتزم بخفض انبعاثاتها المناخية بـ 87% بحلول عام 2040
  • قيادية عمالية بارزة: بريطانيا خذلت الفلسطينيين وتقصّر في مواجهة إسرائيل
  • المقاولون يفتح أبوابه لاكتشاف المواهب .. انطلاق اختبارات قطاع الناشئين السبت
  • بـ «الروبوتات» و«البلاي ستيشن».. الأنبا مينا يفتتح النادي الصيفي بكاتدرائية العذراء ببرج العرب
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • بريطانيا تطالب أطفالا مهاجرين بمغادرة البلاد رغم إقامة أسرهم القانونية