أحزاب: المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ تعكس محورية الدور المصري في دعم الدولة الفلسطينية
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
رحبت أحزاب سياسية بانطلاق المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ، وبدء اجتماعات اللجنة الوطنية الفلسطينية في القاهرة تمهيدا لدخولها قطاع غزة، مؤكدة أن ذلك يؤكد الدور المصري في تثبيت أركان الدولة الفلسطينية والتصدي لمخطط تهجير الشعب الفلسطيني والانتصار لحقوق الشعب الفلسطيني .
وأكدت ألأحزاب - في تصريحات خاصة لوكالة أنباء الشرق الأوسط مساء الجمعة- أن المرحلة الثانية تمثل انتقالا من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء المؤسسات، وهو ما تحتاجه القضية الفلسطينية بعد سنوات طويلة من الصراع والدمار.
وقال الدكتور أيمن محسب عضو الهيئة العليا لحزب الوفد وعضو مجلس النواب إن انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ يعكس نجاح الرؤية المصرية في تحويل وقف إطلاق النار من إجراء مؤقت إلى مسار سياسي وإداري متكامل يعزز الاستقرار ويحمي حقوق الشعب الفلسطيني.
وأوضح أن مصر لم تكتف بدور الوسيط لوقف العدوان، وإنما قادت عملية سياسية دقيقة، لتثبيت أركان الدولة الفلسطينية على الأرض، من خلال الجمع بين الأبعاد الجغرافية والسكانية والسيادية، مشيرا إلى أن تفعيل إدارة فلسطينية وطنية للقطاع هو حجر الزاوية في إفشال أي محاولات لعزل غزة أو تفريغها من سكانها.
وأكد أن استضافة القاهرة لاجتماعات اللجنة الوطنية الفلسطينية يعكس الثقة الإقليمية والدولية في الدور المصري، ويؤكد أن مصر كانت ولا تزال الضامن الأساسي لأي اتفاق قابل للاستمرار، لافتا إلى أن المرحلة الثانية تمثل انتقالا من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء المؤسسات، وهو ما تحتاجه القضية الفلسطينية بعد سنوات طويلة من الصراع والدمار.
وتابع: أن إشراف مصر على خطة إعادة إعمار غزة، بالتوازي مع تثبيت السكان وحماية هويتهم الوطنية، يبعث برسالة واضحة مفادها أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن تحقيقهما دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، قائم على حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية.
وأكد أن اتفاق شرم الشيخ يمثل نموذجا للدبلوماسية المصرية الرشيدة، التي توازن بين البعد الإنساني والبعد السياسي، وتحافظ على الثوابت الوطنية والقومية، مشددا على أن المرحلة المقبلة تتطلب دعما دوليا حقيقيا لهذا المسار، وعدم الاكتفاء بوقف إطلاق النار دون استكمال بناء الدولة الفلسطينية المستقلة.
ومن جانبه، أشاد النائب أسامة مدكور عضو مجلس الشيوخ أمين مساعد التنظيم بحزب مستقبل وطن، بالجهود المصرية المتواصلة في إدارة ملف غزة، مؤكدًا أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار يعكس الدور المحوري والمسئول الذي تضطلع به الدولة المصرية من أجل حماية حقوق الشعب الفلسطيني ودعم الاستقرار في المنطقة.
وأكد أن مصر، بقيادتها السياسية، أثبتت مجددًا قدرتها على إدارة الملفات الإقليمية المعقدة بحكمة واتزان، مشيرًا إلى أن التحركات المصرية جاءت انطلاقًا من مسؤولياتها التاريخية والقومية تجاه القضية الفلسطينية، وحرصها الدائم على وقف نزيف الدم وتخفيف المعاناة الإنسانية عن أهالي قطاع غزة.
وأوضح أن القاهرة لعبت دور الوسيط النزيه الذي يحظى بثقة جميع الأطراف، وساهمت بشكل فعال في تهيئة المناخ الملائم للانتقال إلى المرحلة الثانية، بما يفتح الباب أمام تثبيت التهدئة وبدء مسار إعادة الإعمار وعودة الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها داخل القطاع.
وأشار إلى أهمية الجهود الدولية الداعمة لمسار التهدئة، مؤكدًا أن التنسيق بين مصر والقوى الدولية الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، يعزز فرص نجاح الاتفاقات الموقعة ويُسهم في توفير ضمانات حقيقية لحماية حقوق الفلسطينيين المشروعة.
وتابع أن ما تحقق يُعد دليلًا واضحًا على كفاءة الدبلوماسية المصرية وقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص، مؤكدًا أن مصر ستظل حجر الزاوية في أي تسوية عادلة وشاملة تضمن إنهاء المعاناة الإنسانية وتحقيق السلام والاستقرار الإقليمي.
ومن ناحيته، أشاد الدكتور مجدي مرشد نائب رئيس حزب المؤتمر عضو مجلس النواب بإعلان انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ، مؤكدًا أن هذه الخطوة تعكس استمرار الدور المصري المحوري بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في دعم الاستقرار الإقليمي وترسيخ أسس السلام والتنمية في المنطقة.
وقال إن القيادة السياسية المصرية تثبت يومًا بعد يوم قدرتها على إدارة الملفات الإقليمية بحكمة واقتدار، والحفاظ على الأمن القومي المصري والعربي، مؤكدا أن الجهود المصرية المتواصلة تمثل صمام أمان حقيقيًا في مواجهة التحديات والمخططات التي تستهدف المنطقة.
وأكد دعمه الكامل للموقف المصري الثابت في التصدي لمخططات التهجير القسري، مشيرًا إلى أن مصر بقيادتها السياسية كانت ولا تزال تقف في الصف الأول دفاعًا عن حقوق الشعوب ورفض أي محاولات لتصفية القضايا العادلة على حساب استقرار الدول وسيادتها.
وأضاف أن المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ تمثل استكمالًا لنهج مصري وطني مسؤول يهدف إلى حماية الأمن القومي، ودعم مسارات التنمية والسلام، وترسيخ الدور التاريخي لمصر كركيزة أساسية للاستقرار في الشرق الأوسط.
وأكد أن الشعب المصري يقف خلف قيادته السياسية، داعمًا لكل الجهود الوطنية التي تُبذل لحماية مقدرات الوطن ومواجهة كل المخاطر والتحديات
وبدوره، قال محمد أبو العلا رئيس حزب العربي الناصري عضو مجلس الشيوخ، إن الدور المصري في أزمة غزة أكد مجددًا أن القاهرة هي الضامن الحقيقي لأي اتفاق يهدف إلى وقف العدوان وحماية الحقوق الفلسطينية.
وأوضح أن مصر تعاملت مع الأزمة من منطلق قومي وإنساني، حيث لم تكتف بإدارة المفاوضات، بل كانت حاضرة ميدانيًا عبر الدعم الإنساني، واستقبال الجرحى، وتسهيل دخول المساعدات رغم التحديات الأمنية والسياسية
وأضاف أن القاهرة نجحت في توحيد الجهود الدولية حول رؤية واضحة تقوم على وقف إطلاق النار، ورفض تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، مؤكدًا أن هذا الموقف يعكس ثوابت السياسة المصرية.
وأكد أن مصر ستظل الداعم الرئيسي للقضية الفلسطينية، مشددًا على أن ما تحقق في المرحلة الثانية هو نتاج جهد مصري صادق، سيتواصل حتى استعادة الشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة.
ومن جهته، أكد هشام عبد العزيز رئيس حزب الإصلاح والنهضة، أن نجاح الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق الخاص بقطاع غزة يمثل إنجازا سياسيا وإنسانيا يعكس الدور المحوري للدولة المصرية في إدارة الأزمات الإقليمية المعقدة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وأوضح أن التحرك المصري بالتعاون مع الوسطاء الإقليميين والدوليين، خاصة الولايات المتحدة، أسهم في تذليل العقبات أمام استكمال الاتفاق، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة الإعمار وتخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
وأشار إلى أن هذه المرحلة تمثل استكمالا عمليا لاتفاقية شرم الشيخ، التي أكدت أهمية الحلول السياسية الشاملة، بعيدا عن منطق القوة والعنف، لافتا إلى أن مصر لعبت دور الضامن الرئيسي لتنفيذ التفاهمات والوصول إلى نتائج ملموسة على الأرض.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: مصر أحزاب سياسية اتفاق شرم الشيخ المرحلة الثانیة من اتفاق شرم الشیخ القضیة الفلسطینیة الدولة الفلسطینیة الشعب الفلسطینی وقف إطلاق النار الدور المصری أن المرحلة مؤکد ا أن عضو مجلس وأوضح أن ا إلى أن وأکد أن أن مصر
إقرأ أيضاً:
الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
بينما تتخذ روسيا موقعا بين إسرائيل وإيران اليوم، يجد مراقبون صعوبة في فهم سياساتها المتناقضة. فهي تحتفظ بشراكة إستراتيجية مع طهران، وتعمق التعاون العسكري والاقتصادي في السنوات الأخيرة، وتحافظ على علاقات وثيقة بسوريا، وتتحدى باطراد النفوذ الأمريكي بالمنطقة، ورغم ذلك، حافظت موسكو على قنوات اتصال بإسرائيل، وتعرض وساطتها دوريا بين تل أبيب وإيران، وتتجنب اعتبار إسرائيل خصما غربيا آخر.
يقول جون ميرشايمر وبول غرينييه، اللذان فتحا مؤخرا ملف الدور السوفياتي في إقامة إسرائيل، قد يبدو هذا متناقضا للبعض، لكنه ليس كذلك. وتكمن الإجابة في إحدى أكثر حلقات الجغرافيا السياسية غرابة بالقرن العشرين، حين لعب السوفيات دورا حاسما في قيام إسرائيل.
مفارقة جيوسياسية كبرى
تعتبر إسرائيل اليوم أقرب حليف لأمريكا بالشرق الأوسط، لكن في عامي 1947 و1948، كان الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزيف ستالين من أقوى الداعمين لإقامة دولة يهودية. فقد دافع الدبلوماسيون السوفيات عن تقسيم فلسطين بالأمم المتحدة، وقدمت تشيكوسلوفاكيا، الخاضعة للسوفيات آنذاك، الخبراء والأسلحة التي أدت لصمود إسرائيل في حربها الأولى، وكان السوفيات من أوائل الحكومات التي اعترفت بالدولة الجديدة.
يكشف فهم هذا التاريخ المنسي اختلافا جوهريا بين النظامين السياسيين السوفياتي والأمريكي. ففي أمريكا، نشأت خلال عقود منظومة قوية من جماعات المصالح ومنظمات المناصرة وشبكات الضغط، شكلت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. وأصبحت منظمات -مثل "أيباك"– جهات فاعلة مؤثرة في النظام الأمريكي، لتصبح سمة راسخة في السياسة الأمريكية. واليوم، تمارس "أيباك" وأمثالها نفوذا كبيرا في مؤسسات الحكومة الأمريكية.
لم يكن ممكنا ظهور حالة مماثلة في الاتحاد السوفياتي، فالدولة لم تتسامح مع أي مراكز مستقلة للسلطة السياسية. ولم تكن المؤسسات الدينية والمنظمات الإثنية والجمعيات المدنية واللوبيات موجودة إلا في حدود خدمة أهداف الحزب. شغل اليهود السوفيات مناصب بارزة بالحكومة والعلوم والثقافة والجيش، لكن لم يكن ممكنا وجود بنية تحتية سياسية يهودية مستقلة ومؤثرة في سياسة الدولة خارج الحزب الشيوعي.
إعلانأثبت هذا التمايز أهميته. لفترة وجيزة، اعتقد ستالين أن إسرائيل يمكن أن تصبح شريكا جيوسياسيا مفيدا، وربما دولة اشتراكية. لكن عندما أدى قيام إسرائيل لمظاهر هوية يهودية قومية واضحة داخل الاتحاد السوفياتي، سرعان ما انقلبت حماسة موسكو شكا وريبا.
فالدولة السوفياتية التي ساعدت في إنشاء إسرائيل ستبدأ لاحقا بتفكيك المؤسسات اليهودية، واعتقال يهود بارزين، وشن حملات "معادية للسامية" طبعت سنوات حكم ستالين الأخيرة. هذه القصة ليست مجرد تاريخ قيام إسرائيل، بل قصة تنافس القوى العظمى، وسوء تقدير إستراتيجي، ومفارقة جيوسياسية كبرى في بدايات الحرب الباردة.
تعتبر إسرائيل اليوم أقرب حليف لأمريكا بالشرق الأوسط، لكن في عامي 1947 و1948، كان الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزيف ستالين من أقوى الداعمين لإقامة دولة يهودية
الصهيونية سلاح ضد بريطانيا
لفهم أسباب دعم ستالين للتقسيم، يشير ميرشايمر وغرينييه لأهمية فهم تدهور موقف بريطانيا في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية.
بحلول عام 1945، وجدت بريطانيا نفسها في مأزق. فقد بات الانتداب البريطاني على فلسطين متعثرا، وواجهت لندن ضغوطا متزايدة من المجتمعين العربي واليهودي، بينما كانت تعاني استنزافا اقتصاديا حادا عقب الحرب. وتطلب الحفاظ على موقف بريطانيا عشرات آلاف الجنود وموارد مالية هائلة بينما بدأت الإمبراطورية بالانكماش.
جاء التحدي الأبرز من المنظمات اليهودية السرية. فقد باتت الهاغاناه، والإرغون (إتسل)، وليحي (عصابة شتيرن) ترى بريطانيا -وليس العرب- العقبة الرئيسية أمام قيام دولة اليهود. ورغم اختلاف هذه المنظمات الكبير أيديولوجيا وتكتيكيا، فإنها تعهدت معا بشن حملة أوسع لجعل الحكم البريطاني غير قابل للاستمرار.
وقع الهجوم الأشهر في 22 يوليو/تموز 1946، عندما فجر عناصر الإرغون فندق الملك داود بالقدس، حيث مقر الإدارة البريطانية والقيادة العسكرية. وأسفر عن مقتل 91 شخصا. صدم الهجوم بريطانيا، وأظهر تفاقم صعوبة استمرار الانتداب البريطاني.
خلال الفترة بين 1945 و1947، هاجمت جماعات يهودية سرية منشآت عسكرية بريطانية، وسكك حديدية، ومراكز شرطة، ومحطات رادار، وبنية تحتية بأنحاء فلسطين. وتعرض جنود بريطانيون لكمائن، واختطفوا، وأعدموا. لم يكن الأثر التراكمي هزيمة عسكرية، بل استنزافا سياسيا.
لم يغب هذا التطور عن أنظار موسكو. فمن منظور ستالين، باتت الحركة الصهيونية أداة ضد أحد أهم مواقع الإمبراطورية البريطانية بالشرق الأوسط. أدرك القادة السوفيات أن التقسيم سيسرع انسحاب بريطانيا، ويزيل ركنا أساسيا للنفوذ البريطاني.
وكما لاحظ المؤرخ أرنولد كرامر في دراسته للسياسة السوفياتية تجاه التقسيم، نظر القادة السوفيات لفلسطين من منظور تنافس القوى العظمى وليس الأيديولوجيا. وكان إضعاف بريطانيا هو الجائزة الإستراتيجية الأسمى. يرجح أن ستالين توقع أن يكون لانسحاب بريطانيا من فلسطين تداعيات واسعة بالمنطقة.
فقد احتفظت لندن آنذاك بمواقع عسكرية رئيسية بمصر (قناة السويس)، والعراق، والأردن (الفيلق العربي)، والخليج. وساد اعتقاد بأن انسحاب بريطانيا من فلسطين يسرع ترسيخ فكرة تراجع الإمبراطورية بمناطق أخرى.
إعلانهدف ستالين.. إضعاف بريطانيا بالشرق الأوسط
جاء أوضح تعبير علني عن سياسة السوفيات من نائب وزير الخارجية السوفياتي أندريه غروميكو. ففي خطابه أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بفلسطين في 14 مايو/أيار 1947، ألقى غروميكو أحد أهم الخطابات بتاريخ الشرق الأوسط الحديث. وفي إشارة للمحرقة قال:
"إن عجز أي دولة من دول أوروبا الغربية عن ضمان الحقوق الأساسية للشعب اليهودي وتأمينه من عنف الجلادين الفاشيين يفسر تطلع اليهود لإقامة دولتهم الخاصة".
يستشهد كثيرا بهذا التصريح كدليل تعاطف السوفيات مع قيام دولة يهودية. لكن الجانب الأهم للخطاب تمثل بتأييد غروميكو للتقسيم إذا ثبت استحالة تعايش العرب واليهود بدولة واحدة. ومثّل هذا تحولا جذريا عن السياسة السوفياتية السابقة، وأشار لاستعداد موسكو لدعم حل سياسي يعجل برحيل بريطانيا عن فلسطين.
لاحقا، صوت السوفيات لصالح قرار الأمم المتحدة بالتقسيم، رقم (181) في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947. بالنسبة لموسكو، لم يكن التقسيم مجرد استجابة إنسانية لمعاناة اليهود، بل أداة جيوسياسية تهدف لتسريع انسحاب بريطانيا من فلسطين وإضعاف نفوذها بأنحاء الشرق الأوسط.
على المدى القصير، نجح ستالين! أنهت بريطانيا الانتداب وانسحبت. وعلى المدى البعيد، أسفرت هذه الإستراتيجية عن إحدى مفارقات القرن العشرين الجيوسياسية الكبرى، لتصبح الدولة التي سهلت موسكو إقامتها أقرب الحلفاء لأمريكا بالشرق الأوسط.
لاحظ المؤرخ أرنولد كرامر في دراسته للسياسة السوفياتية تجاه التقسيم، نظر القادة السوفيات لفلسطين من منظور تنافس القوى العظمى وليس الأيديولوجيا. وكان إضعاف بريطانيا هو الجائزة الإستراتيجية الأسمى
المفاجأة الأمريكية والسجلات الأرشيفية
يكشف أرشيف العلاقات الخارجية الأمريكية (FRUS) كيف تفاجأ صناع السياسة الأمريكيون بالدعم السوفياتي. فقد افترض مسؤولون بالخارجية الأمريكية أن موسكو تعارض القومية خارج السيطرة الشيوعية. وخشي البعض أن يستخدم الكرملين الدولة اليهودية الجديدة كأداة لتعزيز النفوذ السوفياتي بالمنطقة.
ويظهر الأرشيف نقاشات مستفيضة داخل إدارة ترومان حول نوايا السوفيات. فقد قلق جورج كينان وآخرون من أن الدعم السوفياتي للتقسيم يعكس مسعى أوسع لتعزيز نفوذ موسكو بالشرق الأوسط.
ووجد الباحثان ميرشايمر وغرينييه مفارقة تاريخية أخرى، إذ خشي المسؤولون الأمريكيون عام 1947 من أن تصبح إسرائيل دولة تابعة للسوفيات. لكن تبين أن الواقع مختلف تماما.
واشنطن تحظر الأسلحة وموسكو تسلح إسرائيل
لم يكن الدعم الدبلوماسي وحده كافيا لضمان بقاء إسرائيل. ففي ديسمبر/كانون الأول 1947، فرضت الولايات المتحدة حظرا على توريد الأسلحة لفلسطين. ورغم أن الهدف كان الحياد، فإن الحظر قيد وصول الأسلحة للقوات اليهودية التي تستعد لما بدا حربا حتمية.
في هذه اللحظة بالذات، تقدم المعسكر السوفياتي. فبواسطة تشيكوسلوفاكيا الشيوعية، سمحت موسكو بشحن كميات كبيرة من البنادق والرشاشات والمدفعية والذخيرة والطائرات. ووفقا لدراسات غابرييل غوروديتسكي ومواد أرشيفية درسها لوران روكر بمشروع التاريخ الدولي للحرب الباردة (CWIHP) التابع لمركز ويلسون، مثلت هذه الشحنات أهم المساهمات الخارجية في بقاء إسرائيل خلال حرب 1948.
ومن أشهر هذه الشحنات طائرات "أفيا إس- 199" "Avia S-199" المقاتلة، التي كانت نسخة مرتجلة من طائرة "ميسر شميت" "Mtesserschmit" الألمانية، لكنها أثبتت أهمية بالغة لسلاح الجو الإسرائيلي الناشئ. لاحقا، أقر رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون بأهمية شحنات الأسلحة التشيكية. واستنتج مؤرخون عسكريون إسرائيليون أن هذه الشحنات أدت لتغيير ميزان القوى العسكرية خلال أشهر الصراع الأولى الحاسمة.
إعلانخلق هذا إحدى مفارقات تأسيس إسرائيل. فبينما كانت واشنطن تسعى لمنع التصعيد بفرض حظر، أصبحت تشيكوسلوفاكيا، الخاضعة للسوفيات، المورد الرئيسي لأسلحة القوات اليهودية. ونتج وضع بدا مستحيلا بعد سنوات قليلة فقط. كان ستالين يسلح إسرائيل بينما كانت واشنطن تقيد شحنات الأسلحة.
تقيم موسكو علاقات وثيقة بإيران وسوريا وعدة حكومات عربية، وتتحدى باطراد السياسة الأمريكية بالمنطقة، ومع ذلك، تسعى روسيا لاستمرار قنوات اتصال بإسرائيل، وكثيرا ما تقدم نفسها وسيطا محتملا.
تطلع السوفيات لإسرائيل الاشتراكية
تجاوزت حسابات موسكو طرد بريطانيا، واعتقد مسؤولون سوفيات أن الدولة الجديدة في طريقها نحو الاشتراكية. سادت تيارات عمالية التوجه الحركة الصهيونية، وبدا نظام المزارع الجماعية "الكيبوتس" اشتراكيا مثاليا. بل ينحدر قادة إسرائيليون كثر من أوروبا الشرقية، بروابط ثقافية مع التقاليد الاشتراكية. لذلك، اعتقد الكرملين أن إسرائيل ستكون محايدة أو متعاطفة مع السوفيات.
يرى ميرشايمر وغرينييه هذا الافتراض أحد أكبر أخطاء ستالين الإستراتيجية. فقادة إسرائيل رأوا مصالحهم الاقتصادية والأمنية المديدة مع الغرب. ولكن، قبل اتضاح التحول تماما، غيّر حدث استثنائي بموسكو نظرة ستالين لإسرائيل واليهود السوفيات.
غولدا مائير والمعبد اليهودي الذي أثار قلق ستالين
في سبتمبر/أيلول 1948، وصلت غولدا مائير لموسكو كأول سفيرة لإسرائيل. ما تلا ذلك صدم السلطات السوفياتية. في 3 أكتوبر/تشرين الأول، خلال احتفالات رأس السنة العبرية ويوم الغفران، احتشد اليهود السوفيات بعشرات الآلاف حول كنيس موسكو "الكورالي" لتحيتها، وهتفوا "ناشا غولدا" !Our Golda.
في مذكراتها "حياتي"، استذكرت غولدا مائير قائلة: "شعرت وكأنني غارقة في عذاب حب جارف لدرجة أنه سلب أنفاسي وأبطأ نبضات قلبي".
تقدر روايات أن الحشد قارب 50 ألفا. بالنسبة لليهود السوفيات، مثّل قيام إسرائيل لحظة عاطفية عميقة. لكن بالنسبة لستالين، حمل هذا التجمع معنى مختلفا؛ فالدولة السوفياتية تطالب بولاء مطلق. وأبدى الظهور العفوي لتظاهرة جماهيرية حاشدة، تمحورت حول الهوية اليهودية، وجود ولاءات وانتماءات خارجة الحزب الشيوعي.
وبحسب يعكوف روعي، شكل هذا الحدث نقطة تحول نظرة السوفيات للصهيونية. فلم تعد إسرائيل مجرد أداة سياسة خارجية، بل أصبحت مصدرا محتملا للهوية ومصدر إلهام لليهود السوفيات. وقد أزعج هذا الإدراك ستالين بشدة.
دعم الاتحاد السوفياتي قيام إسرائيل، ولا تزال أصداء ذلك القرار المنسي تشكل سياسات الشرق الأوسط بعد ثمانية عقود
نهاية شهر العسل السوفياتي الإسرائيلي
تقاطعت واقعة غولدا مائير مع إحدى أغرب المآسي الشخصية بالقيادة السوفياتية. كانت بولينا جيمتشوجينا، زوجة وزير الخارجية السوفياتي فياتشيسلاف مولوتوف، أبرز يهودية سوفياتية، وربما اعتبرت سيدة أولى (غير رسمية) لمكانتها المرموقة لدى النخبة السوفياتية.
ووفقا لمذكرات ودراسات تاريخية لاحقة، التقت بولينا بغولدا مائير خلال زيارتها كسفيرة، ويقال إنها تحدثت معها بحرارة باللغة اليديشية. ويبقى التحقق من تفاصيل هذه الروايات موضع نقاش. أما ما تلا ذلك فلا جدال فيه. فبعد فترة وجيزة، أمر ستالين باعتقالها. وطردت من الحزب الشيوعي ونفيت. حتى مولوتوف لم يستطع حمايتها، وكان سقوطها أحد عوامل سرعة انهيار شهر العسل السوفياتي الإسرائيلي القصير.
تغير موقف ستالين جذريا بداية الخمسينيات، وتعرضت المؤسسات اليهودية لضغوط متزايدة، واعتقل أعضاء اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية وأعدموا، واشتدت الحملات ضد ما يسمى بـ"العالميين عديمي الجذور".
ولا يزال المؤرخون يناقشون هل كانت نية ستالين اتخاذ إجراءات أوسع ضد اليهود قبل وفاته في مارس/آذار 1953. لكن الواضح أن قيام إسرائيل، واستقبال غولدا مائير بموسكو، وتزايد مخاوف ستالين من الصهيونية، شكلت مجتمعة جزءا من بيئة سياسية غذت هذه الحملات. فالزعيم ذاته الذي ساعد على قيام إسرائيل بات يرى الصهيونية تهديدا محتملا.
أهمية هذا التاريخ اليوم
في نهاية المطاف، فشلت الإستراتيجية السوفياتية. طردت بريطانيا من فلسطين، لكن إسرائيل لم تصبح شريكا سوفياتيا، بل تطورت كأقرب حليف إقليمي لأمريكا، ومع ذلك، لم يختف إرث هذا التاريخ أبدا.
فقد استقر أكثر من مليون مهاجر من الاتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية بإسرائيل، وانتشرت بها اللغة والثقافة الروسية، وتربط البلدين روابط اقتصادية وثقافية وعائلية وتاريخية متينة. وهذا يفسر اختلاف علاقة روسيا بإسرائيل عن علاقاتها بحلفاء الغرب الآخرين.
إعلانحاليا، تقيم موسكو علاقات وثيقة بإيران وسوريا وعدة حكومات عربية، وتتحدى باطراد السياسة الأمريكية بالمنطقة، ومع ذلك، تسعى روسيا لاستمرار قنوات اتصال بإسرائيل، وكثيرا ما تقدم نفسها وسيطا محتملا.
لا يرى ميرشايمر وغرينييه هذا تناقضا، بل يعكس تقليدا روسيا راسخا يرى الشرق الأوسط من زاوية مصالح الدولة وليس التحالفات الأيديولوجية. ويمكن تتبع جذور هذا النهج مباشرة لعامي 1947 و1948، حين أقدم ستالين على إحدى أخطر المغامرات الجيوسياسية بالقرن العشرين.
فسعيه لطرد بريطانيا من الشرق الأوسط، ساهم في قيام إسرائيل. وبأمله في كسب حليف، فقد عزز المعسكر الغربي، وأدى دعمه لإقامة دولة يهودية بالخارج لإحياء مخاوف هوية سياسية يهودية بالداخل، مما استتبع بعض أحلك فصول سنواته الأخيرة.
قلما خلفت قرارات جيوسياسية مثل هذه العواقب الدائمة. دعم الاتحاد السوفياتي قيام إسرائيل، ولا تزال أصداء ذلك القرار المنسي تشكل سياسات الشرق الأوسط بعد ثمانية عقود.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline