الشعبوية العربية والعالمية.. من خطاب الاحتجاج إلى أدوات الهيمنة.. قراءة في كتاب
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
العنوان: الشعبوية أو الخطر الداهم
المؤلف: حسن أوريد
دار النشر: المركز الثقافي للكتاب (الطبعة الأولى)
سنة النشر: 2023
عدد الصفحات: حوالي 349 صفحة
لم تعد الشعبوية مجرّد توصيف عابر لخطاب سياسي تبسيطي أو أسلوب تعبوي يستثمر الغضب الاجتماعي، بل غدت إحدى أخطر الظواهر السياسية والفكرية التي تعيد تشكيل المجال العمومي، وتعيد تعريف العلاقة بين الشعب، والسلطة، والديمقراطية ذاتها.
في هذا السياق يأتي كتاب "الشعبوية أو الخطر الداهم" للمفكر المغربي حسن أوريد بوصفه محاولة فكرية جادة لفهم هذه الظاهرة لا من زاوية التنديد الأخلاقي أو الوصف الصحفي السريع، بل من خلال مساءلتها في جذورها التاريخية، وتمظهراتها السياسية، ومآلاتها الديمقراطية، خاصة في عالم يعيش أزمة معنى وأزمة تمثيل في آن واحد. فالكتاب لا يتعامل مع الشعبوية كعرض جانبي أو انحراف مؤقت، بل باعتبارها أحد الأعراض البنيوية لأزمة الحداثة السياسية المعاصرة.
ينطلق أوريد من فرضية مركزية مفادها أن الشعبوية ليست نقيضًا للديمقراطية من الخارج، بل خطر ينبع من داخلها، ويتغذّى من أعطابها البنيوية: فشل النخب، اتساع الهوة الاجتماعية، تراجع العدالة، وهيمنة التقنية والإدارة على حساب السياسة، وتحول المواطن إلى كائن غاضب يشعر بالإقصاء أكثر مما يشعر بالمشاركة. ومن هنا تصبح الشعبوية، في منطقها الذاتي، خطاب "استعادة الشعب لسيادته"، لكنها في منطقها العملي تؤسس لهيمنة الزعيم، وتختزل الإرادة العامة في صوت واحد، وتحوّل التعدد إلى تهديد.
تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه لا يسقط في الثنائية السهلة التي تقابل بين "شعبوية شريرة" و"ديمقراطية بريئة"، بل يسعى إلى تفكيك العلاقة الملتبسة بين الطرفين، كاشفًا كيف يمكن للشعبوية أن تتغذى من آليات ديمقراطية (الانتخاب، الاستفتاء، الخطاب الشعبي) لتفرغها من مضمونها التحرري. كما يذهب أوريد إلى أن الشعبوية ليست حكرًا على سياق جغرافي أو ثقافي بعينه، بل هي ظاهرة كونية، وإن اختلفت أشكالها بين الديمقراطيات الغربية الراسخة، ودول الجنوب، والعالم العربي الذي عرف خيبات انتقالية عميقة بعد موجات الربيع العربي.
ولا يقل البعد العربي في الكتاب أهمية عن بعده النظري العام، إذ يربط أوريد بين صعود الشعبوية في السياق العربي وبين فشل مشاريع الدولة الوطنية، وانهيار الثقة في النخب السياسية والفكرية، وتآكل الأيديولوجيات الكبرى، ما جعل قطاعات واسعة من المجتمعات العربية قابلة للانجذاب إلى خطاب تبسيطي يعد بالخلاص السريع، ويستثمر المظلومية، ويعيد إنتاج الاستبداد باسم الشعب. وهنا يطرح الكتاب سؤالًا بالغ الحساسية: هل تمثل الشعبوية في السياق العربي شكلًا جديدًا من "الاستبداد المشروع" أو "الاستعباد الطوعي"؟
لشعبوية ليست مفهومًا مستقرًا أو متفقًا عليه في الحقل المعرفي، بل هي من أكثر المفاهيم السياسية التباسًا وتعدّدًا في الدلالات. فالشعبوية تُستعمل بوصفها توصيفًا أكاديميًا، كما تُستعمل سلاحًا سجاليًا في الخطاب السياسي، وأحيانًا تُرفع كشعار إيجابي من قبل الفاعلين أنفسهم. هذا التعدّد في الاستعمالات يجعل من أي مقاربة للشعبوية عرضة للانزلاق نحو التبسيط أو التعميم، وهو ما يدفع أوريد منذ الصفحات الأولى إلى التنبيه إلى ضرورة الحذر المفاهيمي.من هذا المنطلق، لا يقدّم كتاب "الشعبوية أو الخطر الداهم" إجابات نهائية بقدر ما يفتح ورشة فكرية نقدية لمساءلة أحد أخطر تحولات السياسة المعاصرة. وهو ما يجعل مراجعته مراجعة معمقة ضرورة معرفية، لا فقط لفهم أطروحات المؤلف، بل أيضًا لاختبار حدودها، ونقد مسلماتها، وربطها بتجارب واقعية، خاصة في السياق العربي والتونسي، حيث تتقاطع الشعبوية مع أزمات الشرعية، والدولة، والديمقراطية.
وعليه، تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية للكتاب، تتناول بنيته المفاهيمية، ومنهجه التحليلي، وأطروحاته المركزية، مع مساءلة نقاط قوته وحدوده، وفتح نقاش أوسع حول الشعبوية بوصفها خطرًا داهمًا لا على الديمقراطية فحسب، بل على السياسة نفسها بوصفها مجالًا للتعدد والاختلاف والتدبير العقلاني للصراع.
الفصل الأوّل ـ في تحديد مفهوم الشعبوية وإشكاليته النظرية
يفتتح حسن أوريد كتابه "الشعبوية أو الخطر الداهم" من إدراكٍ واعٍ بأن الشعبوية ليست مفهومًا مستقرًا أو متفقًا عليه في الحقل المعرفي، بل هي من أكثر المفاهيم السياسية التباسًا وتعدّدًا في الدلالات. فالشعبوية تُستعمل بوصفها توصيفًا أكاديميًا، كما تُستعمل سلاحًا سجاليًا في الخطاب السياسي، وأحيانًا تُرفع كشعار إيجابي من قبل الفاعلين أنفسهم. هذا التعدّد في الاستعمالات يجعل من أي مقاربة للشعبوية عرضة للانزلاق نحو التبسيط أو التعميم، وهو ما يدفع أوريد منذ الصفحات الأولى إلى التنبيه إلى ضرورة الحذر المفاهيمي.
ينطلق المؤلف من مساءلة جوهرية تتجاوز السؤال التعريفي البسيط: هل الشعبوية أيديولوجيا قائمة بذاتها، أم نمط في الخطاب السياسي، أم منطق لإنتاج الشرعية؟ ويخلص إلى أن الشعبوية لا يمكن اختزالها في أيديولوجيا مكتملة البنية، لأنها تفتقر إلى نسق فكري شامل يقدّم تصورًا متماسكًا للاقتصاد أو المجتمع أو الدولة. إنما هي، في نظره، منطق سياسي يتسلّل إلى أيديولوجيات مختلفة، يمينية كانت أم يسارية، محافظة أو ثورية، ويعيد ترتيب المجال السياسي وفق ثنائية حادّة تقوم على الفصل بين «الشعب» و«النخبة».
يُظهر أوريد أن جوهر المنطق الشعبوي يقوم على بناء صورة متخيّلة للشعب بوصفه كيانًا واحدًا متجانسًا، تُنسب إليه الفضيلة الأخلاقية والنقاء السياسي، في مقابل نخبة تُصوَّر باعتبارها فاسدة، منفصلة، ومتآمرة. هذه الثنائية لا تؤدي فقط وظيفة تعبئة سياسية، بل تؤسس لرؤية تبسيطية للعالم السياسي، تُختزل فيها الصراعات الاجتماعية المعقّدة في مواجهة أخلاقية بين الخير والشر. وهنا تكمن خطورة الشعبوية، لأنها لا تكتفي بنقد النخب أو مساءلتها، بل تنزع عنها الشرعية من حيث المبدأ.
ويؤكد أوريد أن هذا المنطق لا يعمل خارج الديمقراطية، بل يتغذّى من داخلها. فالشعبوية لا ترفض مبدأ السيادة الشعبية، بل تدّعي تجسيده بصورة أكثر أصالة من الديمقراطية التمثيلية. غير أن هذا الادعاء ينطوي على مفارقة مركزية: فبينما تقوم الديمقراطية الحديثة على التعدد، والوساطة، والتداول، تفترض الشعبوية وجود إرادة شعبية واحدة، سابقة على النقاش العمومي، وقابلة للتمثيل المباشر دون مؤسسات وسيطة. وبهذا المعنى، لا تكون الشعبوية نفيًا للديمقراطية من الخارج، بل إعادة تعريف لها من الداخل، على نحو يُفرغها من بعدها التعددي.
ويربط أوريد بين صعود الشعبوية وبين أزمة التمثيل التي تعيشها الديمقراطيات المعاصرة. فحين تفشل الأحزاب في أداء دورها الوسيط، وحين تتحوّل السياسة إلى إدارة تقنية منفصلة عن هموم المواطنين، يتعمّق الإحساس بالاغتراب السياسي، ويصبح خطاب «الشعب الحقيقي» أكثر جاذبية. غير أن المؤلف يحرص على التمييز بين الغضب الاجتماعي المشروع وبين توظيفه الشعبوي، معتبرًا أن الشعبوية لا تحلّ أزمة التمثيل بقدر ما تعيد إنتاجها في شكل أكثر اختزالًا وخطورة.
في هذا السياق، يولي أوريد أهمية خاصة لدور الزعيم في المنظومة الشعبوية. فالزعيم لا يُقدَّم بوصفه ممثلًا قابلًا للمحاسبة، بل بوصفه تجسيدًا حيًا للإرادة الشعبية. وتتحوّل العلاقة بين الزعيم والجمهور إلى علاقة مباشرة، عاطفية، تتجاوز التعاقد السياسي والمؤسساتي. هذا التمركز حول الزعيم يؤدي، في نهاية المطاف، إلى تآكل مبدأ المحاسبة، وإلى تبرير التفرد بالقرار باسم التفويض الشعبي.
ويشدّد أوريد على أن الشعبوية، بهذا المعنى، لا تُبسط السياسة فحسب، بل تُفرغها من جوهرها. فهي تحوّل الاختلاف إلى تهديد، والمعارضة إلى خيانة، والنقاش العمومي إلى صراع هوياتي. ومن هنا، يرى أن الخطر الحقيقي للشعبوية لا يكمن في خطابها الاحتجاجي، بل في قدرتها على تحويل السيادة الشعبية إلى أداة إقصاء وهيمنة.
يخلص الفصل الأوّل إلى نتيجة تأسيسية سترافق الكتاب بأكمله: الشعبوية ليست عرضًا طارئًا يمكن تجاوزه بسهولة، بل هي استجابة مختزلة لأزمة عميقة في السياسة الحديثة. وهي، إذ تدّعي إعادة الاعتبار للشعب، تنتهي إلى اختزاله، وإذ ترفع شعار الديمقراطية، تمهّد لتقويض شروطها الأساسية.
وبهذا، يؤسّس الفصل الأوّل الإطار المفاهيمي والنظري الذي يسمح بفهم الشعبوية لا كخطاب شعبوي فحسب، بل كمنطق سياسي قابل للتحوّل إلى نمط حكم، وهو ما سيجري تفصيله في الفصول اللاحقة من الكتاب.
الفصل الثاني ـ الشعبوية والديمقراطية ـ من التوتر البنيوي إلى الانزلاق السلطوي
ينتقل حسن أوريد في الفصل الثاني من الكتاب من ضبط المفهوم إلى تفكيك العلاقة الإشكالية بين الشعبوية والديمقراطية، وهي علاقة ملتبسة تتراوح بين التداخل والتناقض. فالشعبوية، خلافًا لما قد يُتصوَّر، لا تنشأ خارج الديمقراطية ولا في أنظمة مغلقة بالكامل، بل تظهر غالبًا في سياقات ديمقراطية تعيش أزمة ثقة وتمثيل. ومن هنا، يرفض أوريد المقاربة التي ترى في الشعبوية نقيضًا مباشرًا للديمقراطية، معتبرًا أنها نتاج اختلال داخلي في آلياتها أكثر مما هي تهديد خارجي لها.
جوهر المنطق الشعبوي يقوم على بناء صورة متخيّلة للشعب بوصفه كيانًا واحدًا متجانسًا، تُنسب إليه الفضيلة الأخلاقية والنقاء السياسي، في مقابل نخبة تُصوَّر باعتبارها فاسدة، منفصلة، ومتآمرة. هذه الثنائية لا تؤدي فقط وظيفة تعبئة سياسية، بل تؤسس لرؤية تبسيطية للعالم السياسي، تُختزل فيها الصراعات الاجتماعية المعقّدة في مواجهة أخلاقية بين الخير والشر. وهنا تكمن خطورة الشعبوية، لأنها لا تكتفي بنقد النخب أو مساءلتها، بل تنزع عنها الشرعية من حيث المبدأ.ينطلق المؤلف من ملاحظة مركزية مفادها أن الديمقراطية الحديثة تقوم على وسائط: الأحزاب، البرلمانات، المؤسسات المستقلة، وآليات التوازن والفصل بين السلطات. هذه الوسائط لا تُعدّ مجرد أدوات إجرائية، بل تشكّل جوهر الفعل الديمقراطي باعتباره فعلًا تفاوضيًا وتعدديًا. غير أن الشعبوية تنظر إلى هذه الوسائط بوصفها عوائق أمام التعبير "الصادق" عن إرادة الشعب، وتُحمِّلها مسؤولية الفجوة المتنامية بين الحاكمين والمحكومين. وهكذا، تُقدِّم الشعبوية نفسها كتصحيح لمسار ديمقراطي انحرف عن مقصده الأصلي.
غير أن هذا "التصحيح" يقوم، في تحليل أوريد، على منطق اختزالي. فبدل معالجة أعطاب التمثيل، تسعى الشعبوية إلى تجاوز التمثيل نفسه، عبر استبداله بعلاقة مباشرة بين الزعيم والشعب. هذه العلاقة، التي تبدو في ظاهرها ديمقراطية وأكثر قربًا من الناس، تنطوي في العمق على خطر تقويض البنية المؤسسية التي تحمي التعدد وتضمن التداول. فحين تُلغى الوسائط، لا يُحرَّر الشعب، بل يُجرَّد من أدوات التعبير المتنوعة، ويُختزل في صوت واحد يُنسب إليه زورًا.
ويبيّن أوريد أن الشعبوية تستثمر في مفهوم "الإرادة العامة" استثمارًا انتقائيًا. فهي لا تفهم الإرادة العامة بوصفها نتاج نقاش عمومي وصراع مصالح مشروع، بل بوصفها حقيقة جاهزة، سابقة على السياسة، لا تحتاج إلى تمثيل ولا إلى نقاش. وبهذا المعنى، تتحوّل الديمقراطية من نظام لإدارة الاختلاف إلى أداة لتكريس وحدة متخيَّلة، تُقصى باسمها الأصوات المخالفة.
ويشدّد المؤلف على أن هذا التحوّل لا يحدث فجأة، بل يتم عبر مسار تدريجي. ففي مرحلته الأولى، تتغذّى الشعبوية على خطاب نقدي مشروع يفضح فساد النخب وعجز المؤسسات. غير أن هذا الخطاب، حين يُفصل عن منطق الإصلاح المؤسسي، يتحوّل إلى ذريعة لتفكيك قواعد اللعبة الديمقراطية نفسها. وهنا يبدأ الانزلاق من الديمقراطية التمثيلية إلى ما يشبه "الديمقراطية التفويضية"، حيث يُمنح الزعيم شرعية مفتوحة باسم الشعب، دون ضوابط أو محاسبة فعلية.
ويولي أوريد اهتمامًا خاصًا لمسألة الأغلبية في الخطاب الشعبوي. فالأغلبية، في الديمقراطية الليبرالية، هي أغلبية ظرفية، قابلة للتغيّر، ومقيَّدة بحقوق الأقليات. أما في المنطق الشعبوي، فتتحوّل الأغلبية إلى كيان ثابت، أخلاقي، يُنسب إليه الحق المطلق في الحكم. ويُنظر إلى الأقليات السياسية أو الثقافية لا بوصفها مكوّنًا من مكوّنات المجتمع، بل باعتبارها تهديدًا لوحدته. وهنا يتجلّى البعد الإقصائي للشعبوية، حتى حين تعمل من داخل آليات انتخابية شكلية.
ويخلص أوريد إلى أن أخطر ما في الشعبوية ليس خطابها الاحتجاجي، بل قدرتها على إعادة تعريف الديمقراطية بطريقة تُفرغها من مضمونها التعددي. فالديمقراطية، حين تُختزل في مجرد تعبير لحظي عن إرادة شعبية مُفترضة، تفقد بعدها الدستوري، وتتحوّل إلى أداة لتبرير الهيمنة السياسية. ومن ثم، فإن الشعبوية لا تُلغِي الديمقراطية صراحة، بل تُبقي على اسمها وتغيّر محتواها.
في ضوء ذلك، يرى المؤلف أن مقاومة الشعبوية لا تكون بالعودة إلى نخبوية متعالية، ولا بالاكتفاء بالدفاع الشكلي عن المؤسسات، بل عبر تجديد الديمقراطية من الداخل، أي إعادة وصل السياسة بالمجتمع، وإعادة الاعتبار للوسائط التمثيلية، دون التفريط في التعدد والاختلاف. فالديمقراطية، في نهاية المطاف، لا تُقاس بدرجة القرب من «الشعب»، بل بقدرتها على تنظيم التعايش بين المختلفين.
ويُغلق الفصل الثاني أفق الكتاب على مفارقة مركزية: الشعبوية تولد من رحم الديمقراطية، لكنها قد تنتهي إلى تقويضها إذا لم تُواجَه بإصلاح ديمقراطي عميق. وهذه المفارقة ستشكّل الخلفية النظرية التي سينطلق منها أوريد لاحقًا لتحليل التجارب والسياقات السياسية الملموسة.
يعتمد حسن أوريد في الفصل الثاني مقاربة جينالوجية مرنة تُحسب له من حيث القدرة على الربط بين لحظات تاريخية متباعدة، غير أن هذه المرونة نفسها تُنتج اتساعًا مفاهيميًا قد يُضعف أحيانًا الضبط الصارم للشعبوية كظاهرة متميزة عن القومية الراديكالية أو السلطوية الكلاسيكية. كما أن التركيز الأكبر على التجربة الغربية يجعل الإحالات إلى السياقات غير الغربية ـ ومنها العربية ـ أقرب إلى الاستئناس منها إلى البناء التحليلي المتكامل. ومع ذلك، يظل هذا المنهج ناجحًا في تثبيت الفكرة المركزية: الشعبوية ليست استثناءً تاريخيًا بل عودة متكررة في لحظات أزمة.
الفصل الثالث ـ الشعبوية والديمقراطية الليبرالية ـ من منطق التصحيح إلى آلية التفريغ
يحتلّ هذا الفصل موقعًا محوريًا في كتاب "الشعبوية أو الخطر الداهم"، إذ ينتقل فيه حسن أوريد من توصيف الشعبوية بوصفها ظاهرة سياسية، إلى مساءلتها باعتبارها تحديًا نظريًا وعمليًا للديمقراطية الليبرالية نفسها. فالسؤال الذي يؤطر الفصل لا يتعلق فقط بما إذا كانت الشعبوية خطرًا على الديمقراطية، بل بما إذا كانت الديمقراطية الليبرالية ـ في صيغتها الراهنة ـ قد أنتجت شروط هذا الخطر من داخلها.
ينطلق أوريد من تفكيك الأطروحة الشائعة التي ترى في الشعبوية مجرّد انحراف أو طارئ سياسي يهدد نظامًا ديمقراطيًا سليمًا. وهو يعتبر هذا الطرح تبسيطيًا، لأنه يفترض براءة الديمقراطية الليبرالية من الأعطاب التي تعانيها المجتمعات المعاصرة. في المقابل، يقترح قراءة أكثر تعقيدًا ترى في الشعبوية نتاجًا مباشرًا لأزمة بنيوية في الديمقراطية ذاتها، لا نقيضًا خارجيًا لها. فالشعبوية، في هذا المنظور، لا تنشأ في فراغ، بل تتغذّى من فشل التمثيل، ومن تآكل الوسائط، ومن شعور متنامٍ لدى فئات واسعة بأن الديمقراطية تحوّلت إلى آلية شكلية لا تستجيب لمطالب العدالة والكرامة.
يبيّن أوريد أن الديمقراطية الليبرالية، كما تبلورت في العقود الأخيرة، شهدت تحوّلًا عميقًا في طبيعتها: من مشروع سياسي قائم على المشاركة والتوازن والوساطة، إلى نظام إجرائي تهيمن عليه التكنوقراطية ومنطق السوق. هذا التحوّل أدّى إلى تراجع السياسة بوصفها فضاءً للصراع المنظّم والتفاوض، وصعود الإدارة والخبرة التقنية بوصفهما بديلًا عن الإرادة الشعبية. في هذا السياق، لم يعد المواطن يشعر بأنه فاعل سياسي، بل مجرّد ناخب دوري أو مستهلك للخطاب العام، وهو ما خلق فجوة متزايدة بين المجتمع والمؤسسات.
داخل هذه الفجوة، تجد الشعبوية مجالها الحيوي. فهي تقدّم نفسها بوصفها استعادة للسياسة من قبضة النخب، وإعادة للسيادة إلى «الشعب». غير أن أوريد يلفت النظر إلى أن هذا الادعاء ينطوي على مفارقة خطيرة: فالشعبوية لا تعيد السياسة إلى المجتمع، بل تختزل المجتمع في صورة متخيّلة عن الشعب، وتستبدل التعدد والتعقيد بثنائية حادّة تفصل بين "شعب نقي" و"نخبة فاسدة". وبهذا المعنى، لا تكون الشعبوية توسيعًا للديمقراطية، بل إعادة تعريف لها على نحو يُلغي جوهرها التعددي.
الديمقراطية الليبرالية، كما تبلورت في العقود الأخيرة، شهدت تحوّلًا عميقًا في طبيعتها: من مشروع سياسي قائم على المشاركة والتوازن والوساطة، إلى نظام إجرائي تهيمن عليه التكنوقراطية ومنطق السوق.تكمن نقطة التوتر الأساسية بين الشعبوية والديمقراطية الليبرالية، كما يوضح أوريد، في مسألة الإرادة العامة. فبينما تفترض الديمقراطية الليبرالية أن الإرادة العامة نتاج تفاعل تعددي بين مصالح ورؤى مختلفة، وأنها دائمًا نسبية وقابلة للمراجعة، تفترض الشعبوية أن هناك إرادة واحدة صافية، متجانسة، يمكن تجسيدها مباشرة دون وسائط. هذا الافتراض يفضي بالضرورة إلى نفي الاختلاف، وتجريم المعارضة، وتحويل السياسة من مجال للتنافس المشروع إلى ساحة صراع أخلاقي بين الخير والشر.
ومن هنا ينتقل أوريد إلى تحليل آلية مركزية في المنطق الشعبوي، وهي تفكيك الوسائط الديمقراطية. فالأحزاب السياسية تُصوَّر باعتبارها أدوات فساد لا تمثّل الشعب، والبرلمان يُختزل في كونه عائقًا أمام الإرادة الشعبية، والقضاء يُتَّهم بالانحياز أو التآمر، والإعلام يُشيطَن باعتباره جزءًا من "المنظومة". هذا التفكيك لا يتم دفعة واحدة، بل عبر خطاب تراكمي يُضعف الثقة في المؤسسات، ويمهّد لإقامة علاقة مباشرة بين الزعيم والجمهور.
في هذا المستوى، يبرز دور الزعيم الشعبوي بوصفه حلقة الوصل الوحيدة بين «الشعب» و"القرار". فالزعيم لا يُقدَّم كممثّل قابل للمساءلة، بل كجسد رمزي للإرادة العامة، ما يجعل محاسبته السياسية أو القانونية فعلًا معاديًا للشعب نفسه. وهنا يرى أوريد أن الشعبوية تتحول من خطاب احتجاجي إلى منظومة حكم، تُنتج شكلًا خاصًا من الشرعية يقوم على التفويض العاطفي لا على التعاقد الدستوري.
ويخلص الفصل إلى أن المآل الطبيعي لهذا المسار هو ما يُعرف بـ الديمقراطية غير الليبرالية: نظام يحتفظ بالشكل الانتخابي، لكنه يُفرغ دولة القانون من مضمونها، ويُخضع الحقوق والحريات لمنطق الأغلبية كما يحدده الزعيم. في هذا النموذج، لا تُلغى الانتخابات، لكنها تفقد معناها التنافسي، ولا تُلغى المؤسسات، لكنها تُفرغ من قدرتها على الضبط والمساءلة.
لا ينتهي أوريد إلى دفاع ساذج عن الديمقراطية الليبرالية، ولا إلى تبرئة النخب من مسؤولياتها، بل يقدّم خلاصة أكثر تركيبًا: الشعبوية ليست علاجًا لأزمة الديمقراطية، بل عرضًا لها، وحلًا زائفًا يزيدها تعقيدًا. فهي تعبّر عن غضب اجتماعي مشروع، لكنها توظّفه في اتجاه يقوّض الشروط التي تجعل الديمقراطية ممكنة: التعدد، والحرية، وسيادة القانون.
بهذا المعنى، يشكّل الفصل الثالث قلب الكتاب النظري، لأنه يكشف أن الخطر الداهم الذي تمثله الشعبوية لا يكمن فقط في تهديدها للنظم القائمة، بل في قدرتها على إعادة تعريف الديمقراطية نفسها على نحو يفرغها من بعدها التحرري، ويحوّل السيادة الشعبية من أداة تحرّر إلى أداة هيمنة.
الفصل الرابع ـ الشعبوية في العالم العربي ـ من خيبة الانتقال إلى إعادة إنتاج الاستبداد
ينتقل حسن أوريد في الفصل الرابع من التحليل النظري العام إلى مساءلة الشعبوية في سياقها العربي، لا بوصفها استنساخًا آليًا للتجارب الغربية، بل كظاهرة تتغذّى من شروط تاريخية وسياسية مخصوصة. فالشعبوية في العالم العربي، كما يبيّن أوريد، لا تنشأ داخل ديمقراطيات مستقرة تعاني من إنهاك مؤسساتي فحسب، بل تتكوّن في فضاء سياسي هش، موسوم بتجارب دولة غير مكتملة، وانتقالات ديمقراطية معطوبة، وتراكمات ثقيلة من السلطوية.
ينطلق أوريد من تشخيص عام مفاده أن العالم العربي عاش، منذ الاستقلال، على إيقاع سرديات كبرى: القومية، الاشتراكية، الدولة الوطنية، ثم لاحقًا الإسلام السياسي. هذه السرديات، رغم اختلافاتها، قدّمت وعودًا بالخلاص الجماعي، وبالكرامة، وبالسيادة، لكنها انتهت ـ بدرجات متفاوتة ـ إلى الإخفاق أو الانكسار. ومع تآكل هذه السرديات، لم يظهر بديل فكري أو سياسي متماسك، بل حلّ محلّها فراغ رمزي عميق.
في هذا الفراغ بالذات، تجد الشعبوية العربية مجالها الحيوي. فهي لا تأتي بوصفها مشروعًا سياسيًا جديدًا، بل كـ خطاب تعويضي يستثمر خيبة الأمل، ويعيد إنتاج الوعد بالخلاص، لكن دون أفق مؤسساتي أو تصوّر واضح للدولة. ويشدّد أوريد على أن الشعبوية العربية لا تُبنى فقط ضد النخب السياسية، بل ضد السياسة نفسها، التي تُقدَّم بوصفها مجالًا للفشل، والتآمر، والفساد.
ويُبرز المؤلف أن لحظة ما بعد الثورات العربية شكّلت بيئة مثالية لصعود هذا النمط من الخطاب. فبعد موجة التطلعات العالية التي رافقت الانتفاضات، جاءت خيبات الانتقال، والانقسامات الحادة، والتدهور الاقتصادي، لتُنتج شعورًا جماعيًا بالإنهاك واللاجدوى. في هذا المناخ، يصبح الخطاب الشعبوي جذّابًا لأنه يعد بالبساطة في مواجهة التعقيد، وبالحسم في مواجهة التفاوض، وبالزعيم المنقذ في مواجهة الفاعلين المتعددين.
غير أن أوريد يلفت النظر إلى خصوصية مركزية في الشعبوية العربية، وهي أنها لا تتشكّل دائمًا في مواجهة أنظمة ديمقراطية ليبرالية، بل كثيرًا ما تتحالف ـ صراحة أو ضمنًا ـ مع بنى سلطوية قائمة، أو تعيد إنتاجها بأدوات جديدة. فالشعبوية هنا لا تُسقط الدولة العميقة، بل قد تمنحها شرعية جديدة، عبر خطاب يدّعي القطع مع الماضي، بينما يعيد ترسيخ منطق الحكم الفردي، وتهميش المؤسسات، وتجريم الاختلاف.
في هذا السياق، يبرز مفهوم «الاستعباد الطوعي» الذي يستحضره أوريد بوصفه مفتاحًا لفهم الظاهرة. فالشعبوية لا تقوم على القسر وحده، بل على قبول جماعي بفكرة التفويض المطلق، بدافع الخوف، أو التعب، أو الرغبة في الخلاص السريع. وهنا تتحول الحرية من قيمة مركزية إلى عبء، ويُستبدل الحق في المشاركة بالرغبة في التفويض، وتُستبدل السياسة بالأمل في الحسم.
كما يلاحظ أوريد أن الشعبوية العربية غالبًا ما تستثمر عناصر ثقافية ورمزية عميقة: استدعاء الهوية، تبسيط التاريخ، تحويل الصراع السياسي إلى معركة أخلاقية أو وجودية. وبهذا، لا تُختزل المعارضة بوصفها اختلافًا مشروعًا، بل تُصوَّر كتهديد للهوية أو للوحدة الوطنية، ما يفتح الباب أمام الإقصاء والقمع باسم "الإرادة الشعبية".
ولا يفصل أوريد بين الشعبوية العربية وبين السياق الدولي الأوسع. فالعالم العربي، في نظره، ليس معزولًا عن تحولات النظام العالمي، ولا عن تراجع جاذبية الديمقراطية الليبرالية نفسها. بل إن صعود نماذج «الديمقراطية غير الليبرالية» عالميًا، وتسامح القوى الدولية مع السلطويات المستقرة، يوفّر بيئة خارجية تسمح للشعبوية العربية بالتمدد دون كلفة كبيرة.
ومع ذلك، لا يقع أوريد في فخ التعميم أو الحتمية. فهو لا يعتبر الشعبوية قدرًا عربيًا محتومًا، بل نتيجة لمسار تاريخي وسياسي محدد. ويؤكد أن تجاوزها لا يكون عبر استعادة السلطوية القديمة، ولا عبر شيطنة المجتمع، بل عبر إعادة بناء السياسة: ترميم الوسائط، استعادة الثقة، وتجديد المشروع الديمقراطي على أساس العدالة الاجتماعية والكرامة.
يخلص الفصل الرابع، في نهاية المطاف، إلى أن الشعبوية في العالم العربي تمثل خطرًا مضاعفًا: فهي من جهة تعبير عن أزمة عميقة ومشروعة، لكنها من جهة أخرى آلية لإغلاق الأفق السياسي، لأنها تستبدل سؤال "كيف نحكم؟" بسؤال "من يخلصنا؟". وبهذا، لا تفتح طريقًا نحو ما بعد الاستبداد، بل نحو استبداد جديد بلغة جديدة.
ويمثّل هذا الفصل انتقالًا حاسمًا في الكتاب من التحليل النظري إلى النقد السياسي المباشر، ويمهّد للخلاصة العامة التي سيبني عليها حسن أوريد تحذيره من الشعبوية بوصفها "الخطر الداهم" لا فقط على الديمقراطية، بل على إمكانية السياسة ذاتها في العالم العربي.
لا يدعو أوريد، في نهاية المطاف، إلى رفض الشعب أو الخوف منه، بل إلى إعادة بناء السياسة على أسس مختلفة: ترميم الوسائط، استعادة المعنى، وربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. فبدون ذلك، ستظل الشعبوية تعود في كل مرة، لا لأنها قوية في ذاتها، بل لأن البدائل ضعيفة أو غائبة.و إجمالا يقدّم حسن أوريد في هذا الكتاب عملًا فكريًا رصينًا يندرج ضمن ما يمكن تسميته التشخيص النقدي لأمراض السياسة المعاصرة. والكتاب، في مجمله، لا يكتفي بوصف ظاهرة الشعبوية أو التحذير منها، بل يسعى إلى إدراجها ضمن سياق أوسع من أزمات الحداثة السياسية، والديمقراطية الليبرالية، والانتقالات المعطوبة، خاصة في العالم العربي. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب لا تمنع من مساءلته نقديًا، سواء من حيث المنهج، أو المفاهيم، أو حدود الأطروحة.
ويخلص كتاب "الشعبوية أو الخطر الداهم" إلى أطروحة مركزية تتجاوز التحذير التقليدي من الشعبوية بوصفها تهديدًا للديمقراطية، لتذهب أبعد من ذلك: الشعبوية تهدد السياسة نفسها بوصفها مجالًا للتعدد، والتفاوض، وإدارة الاختلاف.
فالشعبوية، كما يبيّن حسن أوريد، ليست مجرد انحراف في الممارسة، بل إعادة تعريف جذرية لمعنى السيادة الشعبية. إنها تحوّل الشعب من كيان متعدّد إلى كتلة متخيّلة، وتحول الإرادة العامة من نتاج نقاش عمومي إلى حقيقة يدّعي الزعيم احتكارها. وبهذا، لا تُفرغ الديمقراطية من مضمونها فحسب، بل تُفرغ السياسة من معناها.
في السياق العربي، يكتسب هذا الخطر بعدًا مضاعفًا. فالشعبوية لا تأتي بعد ديمقراطيات مستقرة، بل بعد دول لم تُنجز انتقالها، ومجتمعات مُنهكة، ونخب فقدت الثقة. لذلك، فهي لا تمثّل قطيعة مع الاستبداد بقدر ما تمثّل صيغة جديدة له، أكثر نعومة في الخطاب، وأكثر قسوة في المآل.
ولا يدعو أوريد، في نهاية المطاف، إلى رفض الشعب أو الخوف منه، بل إلى إعادة بناء السياسة على أسس مختلفة: ترميم الوسائط، استعادة المعنى، وربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. فبدون ذلك، ستظل الشعبوية تعود في كل مرة، لا لأنها قوية في ذاتها، بل لأن البدائل ضعيفة أو غائبة.
بهذا المعنى، لا يُقرأ هذا الكتاب كتشخيص لحظة سياسية عابرة، بل كتحذير فكري مفتوح: حين تفشل السياسة في أن تكون أفقًا مشتركًا، تتحول الشعبوية من عرض إلى قدر.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير كتب النشر كتاب المغربي عرضة المغرب كتاب عرض نشر كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الدیمقراطیة اللیبرالیة فی العالم العربی السیادة الشعبیة فی نهایة المطاف الإرادة العامة الدیمقراطیة من ا للدیمقراطیة فی هذا السیاق الفصل الثانی الشعبویة فی فی الشعبویة إعادة تعریف إرادة الشعب قدرتها على الشعبویة ا من مضمونها بین الشعب ل السیاسة فی مواجهة فی الخطاب أورید إلى إلى أداة أورید من نسب إلیه ل الشعب ت ستعمل ومن هنا تحو ل ا إلى أن ت ختزل مجال ا وهو ما نتاج ا غیر أن من حیث أن هذا التی ت
إقرأ أيضاً:
من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
أتاح لي مهرجان بغداد الدولي للمسرح في دورته السادسة، ومهرجان الدّن الدولي في دورته الخامسة 2025م فرصة مشاهدة العرض الهندي (نيثي- رقصة النسيج)، الذي يُعدُّ حسب مخرجة العمل ومصممة رقصاته وممثلته Rima Kallaingal (ريما كلينغال) مشروعًا يتصل بقضية تمكين المرأة اجتماعيا واقتصاديا في المجتمع المحلي في ولاية كيرالا، حيث يقف وراء العمل حادثة الفيضانات التي أغرقت الولاية في عام 2018م، ما أدّى إلى تضرر الحرفيين والنسيج والأدوات اليدوية التي تدخل في صناعته.
منذ اللحظات الأولى لمشاهدتي العرض، لم أخفِ إعجابي به، وظللت منشغلة بالتفكير في فكرته وبنيته الجمالية، ورشاقة أجساد الراقصين، وتساءلت هل هناك مشروع ثقافيّ يقف وراء هذا الجهد؟ ما الرسالة التي يود العمل قولها؟ وما القضية التي يريد لفت أنظار المتفرجين في العالم كله إليها؟
حتما كان هناك فريق من الفنانين الذين تعاونوا في إنجاز هذا العرض، وعلى رأسهم المخرجة نفسها، فهي إلى جانب احتراف التمثيل، تعمل منتجة أفلام، ومسؤولة أكاديمية (مامانغام) لتعليم الرقص المعاصر، وهي نقطة تؤشر على قدرة امتلاك الجسد المسرحي عناصر استمراره، ودلالة على أهميّة أن يمتلك الفنان والمؤدي مشروعًا فنيًا جماليًا يعمل على تنميته واستدامته.
ما الذي شدّني إلى رقصة النسيج؟
استقى العرض عناصره من منظور الرقص المعاصر أو الكوريغرافيا (فن تصميم الحركة والرقص) أدى هذا إلى تغييب اللغة واستخدام الحوار بنسب ضئيلة واضحة. إن الدرامية في المسرح الراقص المعاصر تتشكّل تعبيريًا بالأداء الجسدي، والإيماء، والموسيقى، تضافرت العناصر جميعها مع أصوات النول الطبيعية والمطر (الماء) وإيقاع أقدام المؤدين، فنجح العرض في أن يجمع من حوله الجمهور دون أي عناء.
كما لا أخفي إعجابي الشخصي بالعروض المسرحية التي تستند إلى المجاميع الكبيرة، فالعرض يعدّ فرصة جيدة لتعميق الأفكار المسرحية حول هذا الاشتغال؛ حيث الطقوس والرموز العميقة التي تقترن بالمسرح في حضارة الشرق (الصين والهند)، فلا يقدم العرض طقسا هنديا تقليديا يقوم على الرقص والإنشاد والإيماء أو تناول تصورات دينية وفلسفية معينة كما هو الحال في الدراما الهندية الكلاسيكية، لكنّه يوسع دائرة الانشقاق عن تقاليد المسرح الغربي ويمنح فضاء الكوريغرافيا- كما يذكر المعجم المسرحي- "كفن تصميم الرقص في العرض الفني والعرض المسرحي مجالا إبداعيا هامًا مع تداخل الفنون [...] يتشكّل البعد الكوريغرافي للعرض المسرحي عبر العلامات الحركية التي تنتج عن تنوعات شكل الأداء وعن حركة الجسد على الخشبة ووضعه في الفضاء المسرحي، وعن التجانس أو التعارض بين الكلام والحركة"، وقد تجلّت هذه السمات بوضوح في رقصة النسيج؛ إذ مزج العرض بين الكوريغرافيا والفيلم الوثائقي والموسيقى الحية، مستعيضًا عن البناء الحكائي التقليدي بسلسلة من اللوحات الأدائية المستمدة من مراحل صناعة النسيج اليدوي.
قدم لنا العرض رقصا يستند إلى الرقص الحديث، فغاب كما يذكر ضياء الشرقاوي (المسرح الهندي المعاصر) الأداء التقليدي المعروف من إظهار تفاصيل تركز على "الملابس والمناظر إلى حركات الرقبة والحواجب، ومختلف أوضاع الجسم في الرقصات المختلفة".
السؤال الذي يطرح نفسه بحسب باتريس بافيس: كيف انتقل النقاش بعد مشاهدة رقصة النسيج من مساءلة الحكاية والتخييل والشخصيات والطابع المحاكاتي للعرض، إلى الكيفية التي خُلق، ورُكب، ورُتب فيها العرض؟
لا يبدو هذا التحول بعيدًا عن جماليات مسرح ما بعد الدراما؛ فالعرض لا يقدّم شخصيات فردية تخوض صراعًا دراميًا متدرجًا، ولا يعتمد حبكة تنمو وفق منطق السبب والنتيجة، بل يبني معناه من تتابع اللوحات الحركية والإيقاعات الجسدية والصور البصرية. لذلك ينصرف انتباه المتفرج من سؤال: ماذا سيحدث لاحقًا؟ إلى سؤال آخر أكثر اتصالًا ببنية العرض: كيف يُنتج الجسد المعنى؟ وكيف تتجاور الحركة والموسيقى والصورة الوثائقية لتشكيل التجربة المسرحية؟
إن إجابة السؤال السابق تكمن في موضعين، الأول ينبغي لفت الانتباه إلى أن التطور في العروض المسرحية المعاصرة نقلا عن (محمد سيف: قراءات في المشهد المسرحي المغربي) تحت ما يسمى بمسرح ما بعد الدراما، تستأنس إجمالاً بإدخال جماليات أخرى كالسينما، والرقص، والسيرك، والفنون التشكيلية، والتقنيات الجديدة [...] من خلال دمج التصورات السينمائية الخاصة، لتغذية أشكال جديدة بواسطة الوسائل المسرحية التقليدية مثل تأثير المونتاج وتأطير الحدث والتركيز على مقاطع معينة أو توسيع مجال الرؤية واعتماد اللقطات القريبة والمتوسطة والبعيدة البانورامية". والموضع الثاني يتمثّل في انطلاق فكرة العرض من حادثة واقعية جرت أحداثها في قرية "شيندامنغالام" في ولاية كيرالا، ولا مجال فيها للتخييل.
تنهض خلفية العرض على كارثة الفيضان الذي دمر البيوت وأغرق الحياة بالماء، وعمال النسيج اليدوي الذين فقدوا حرفتهم. أما في العمق هناك هيمنة الآلة والمصانع الجاهزة وتعطيل حياة الأسر المنتجة، ينقلنا هذا إلى مساحة أكبر لتوسيع دائرة الحدث المسرحي، فيما تناوله الباحث أرسلان درويش في ورقته المعنونة بـ(مسرحية رقصة النسيج- الهوية الهندية والجسد المعاصر في نول الهُجنة) ضمن إشارات ثقافيّة ناقدة يطرحها حول اشتغال الجسد في فضاءات مختلفة للتعبير عن التاريخ، والثقافة، والهوية، وكأداة للتفاوض مع السلطة، كذلك إشارته بسؤال الاستفهام الاستنكاري الذي طرحته الناقدة الهندية غاياتري سبيفاك: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟
تبدأ رحلة القماش بمرحلة تشافيتو Chavittu) بمعنى الوطء، أو الدُوس، وهي أقدم مراحل إعداد النسيج اليدوي وأكثرها التصاقًا بالحسّ الجسدي، حيث يطأ الحرفيون حزم الخيوط المبللة بأقدامهم الحافيّة في حركة إيقاعية تساعد على توزيع المادة وتقوية الألياف وتليينها بالتساوي. يتبع التشافيتو مرحلة صباغة القماش واكتسابه ألوانًا جديدة فيما يعرف بالتحوّل، يليها مرحلة الغسل فالتجفيف والصبر في انتظار أن تجف الخيوط التي جرى توزيعها في الولاية عبر الساحات متلألئة تحت الشمس، فالمرحلة الخامسة الخاصة بمدّ الخيوط في الشوارع، بعدها يبدأ عمل عجلة الشّركا أو اللف، للوصول إلى المرحلة الأخيرة ممثلة في النسج حيث تحاكي الكوريغرافيا بنية النول في أداء منضبط دقيق.
الناظر إلى تقاليد الثقافة الهندية الكلاسيكية في رقصة النسيج، يشاهدها حاضرة بوضوح في إيقاعات المؤدين، والأزياء التقليدية التي تشير إلى سمات الشخصيات وأوضاعها الاجتماعية، ولا ننسى هنا، صوت الماء المتداخل مع آلة اللف، فجميعها خلقت سينوغرافيا رمزية وجمالية آسرة لفضاء الخشبة، إضافة إلى الدمج بين الرقص والسينما الوثائقية، عندما افتتح العرض بلقطات حقيقية للفيضانات التي دمرت الولاية، وأقدام الحرفيين وحركة الخشب مع إيقاعات الموسيقى الهندية التقليدية، لكن بأسلوب معاصر.
إن الفعل الدرامي الحاصل في رقصة النسيج، شكّل من التغذية المتداخلة للفنون (مسرح، وسينما وثائقية، وموسيقى، وكوريغرافيا) تعمل مجتمعة على التعبير الجسدي لتقديم رؤية بصرية فوق الخشبة للتعبير عن وحدة في الزمان والمكان، فاللوحات السبع نسجت حكاية المسرحية، في خط تتابعي لم يقصِ التراتبية لكنه طورها في أداءات رشيقة وأنيقة.
إذا كنا لا نستطيع الفصل بين اللوحات، فبإمكاننا على سبيل التمثيل الإشارة إلى اللوحة الرابعة، حينما تُترك الخيوط لتجف فيكون وضعها على الحبل أشكال عدة للنساء العاملات، خاصة وهي في بيتها أو في ساحات مدّ الخيوط فنشاهد وضعيات لعُقد المرأة أو ما يشبه طوق الورد الذي يرتديه الرجال والنساء حول الرقبة في الثقافة الهندية العريقة (الجارلاند) (Garland) أو "المالا" (Mala)، ويحمل دلالات عميقة اجتماعية وروحانية ذات أبعاد رمزية غائرة في المعتقد الهندوسي. أما اللوحة السابعة، حيث يلتقي السدى واللحمة؛ الخيوط الطولية والعرضية متشابكة لتصنع النمط والشكل الذي ينتهي إلى وَحدة القماش كله ثوب الساري (Saree / Sari) الهندي التقليدي، نشاهده يملأ فضاء خشبة المسرح. وبهذه النهاية يكتمل العرض، الذي ابتدأ بالممثلات يرتدين الثوب التقليدي ليبدأن في رقصة النسيج، يتخففن من الساري وينطلقن في العمل ثم يعدن إلى ارتدائه ليحققن جمالية استثنائية للخشبة، في عرض أوصل رسالته بالأداء الراقص في سهولة ويسر.
لعل ما يمنح "رقصة النسيج" فرادتها أنها لا تكتفي بتحويل حرفة يدوية إلى موضوع مسرحي، بل تجعل من الجسد نفسه نولًا حيًا تنسج عبره الذاكرة والهوية والعمل الجماعي. وهكذا يغادر المتفرج العرض وهو لا يتذكر حكاية الفيضان فحسب، بل يتأمل أيضًا قدرة الفن على إعادة ترميم ما تهدمه الكوارث، وتحويل الألم الإنساني إلى لغة بصرية تتجاوز الحدود والثقافات.