تؤكد مصر موقعها كبوابة أفريقيا للطاقة الكهربائية والطاقة الجديدة والمتجددة، عبر تحركات عملية ومشروعات استراتيجية تعكس عودة قوية لدورها التاريخي في دعم القارة السمراء، وذلك في إطار رؤية شاملة تستهدف تحقيق أمن الطاقة ودفع مسارات التنمية المستدامة في أفريقيا.

يقول الدكتور أحمد الشناوي، خبير الطاقة الجديدة والمتجددة، إن الاهتمام المصري بالتعاون مع الدول الأفريقية ليس وليد اللحظة، بل يمتد إلى ستينات القرن الماضي، عندما أولى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أهمية خاصة لدعم دول القارة، وتعزز هذا الدور مع تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1962.

غير أن هذا الحضور تراجع لاحقًا، قبل أن تشهد العلاقات المصرية-الأفريقية عودة قوية منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في عام 2014، حيث استعادت مصر مكانتها كشريك تنموي موثوق في مختلف القطاعات، وعلى رأسها قطاع الطاقة.

وأوضح الشناوي لـ«الوفد»، أن مشروعات الطاقة الكهربائية والطاقة الجديدة والمتجددة في أفريقيا تمثل فرصة واعدة لتنويع مزيج الطاقة وضمان استدامة الإمدادات، خاصة في قارة تمتلك موارد طبيعية هائلة من الشمس والرياح والمياه. وفي هذا الإطار، حرصت مصر على ترجمة التعاون السياسي إلى مشروعات واقعية تنفذها شركات وطنية مصرية، بما يحقق منفعة متبادلة ويعزز التكامل الإقليمي.
وأشار إلى أن مشروع محطة الطاقة الشمسية في جيبوتي يعد نموذجًا بارزًا لهذا التوجه، حيث أطلقت مصر مشروعًا للطاقة الشمسية بقدرة 300 كيلوواط، مزودًا بنظام تخزين بالبطاريات يتيح تشغيل المحطة على مدار الساعة، وليس فقط خلال فترات سطوع الشمس. وجرى افتتاح المشروع ديسمبر الماضي بحضور الفريق كامل الوزير نائب رئيس الوزراء ووزير الصناعة، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية الجيبوتي. وتُعد هذه المحطة أكبر منشأة شمسية في الوسط الريفي بجيبوتي، وتسهم في كهربة القرى البعيدة عن الشبكة الوطنية، إلى جانب تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري مثل الغاز الطبيعي والمازوت المستخدمين في محطات التوليد التقليدية. كما اعتبر وزير الطاقة الجيبوتي المشروع نموذجًا للتعاون التنموي المثمر، ودفعة لفتح آفاق جديدة لمشروعات إضافية تعزز التكامل الاقتصادي مع مصر.

وانتقل الدكتور أحمد الشناوي إلى أحد أضخم مشروعات الطاقة في القارة الأفريقية، وهو مشروع سد جوليوس نيريري في تنزانيا، الذي تبلغ تكلفته نحو 2.9 مليار دولار، وبقدرة توليد كهربائية تصل إلى 2115 ميجاوات، إلى جانب إنشاء محطة محولات بجهد 400 كيلو فولت وخطوط لنقل الطاقة. ويُنفذ المشروع من خلال شراكة بين شركة تنزانيا للتوريدات الكهربائية واثنتين من كبرى الشركات المصرية، هما شركة المقاولون العرب وشركة السويدي. وقد جرى بالفعل تشغيل ثماني توربينات من أصل تسعة، ومن المتوقع أن ينتج السد نحو 6.3 مليون ميجاوات ساعة سنويًا، ما يضاعف إنتاج تنزانيا من الكهرباء، ويسهم في حل أزمة الطاقة، والتحكم في فيضانات نهر روفيجي، وتوفير المياه للزراعة. ويجسد المشروع
قدرة مصر على تنفيذ المشروعات العملاقة، ونقل خبراتها المتراكمة في مجال إنشاء السدود إلى الدول الأفريقية.

وأكد خبير الطاقة الجديدة والمتجددة أن بناء القدرات البشرية يمثل ركيزة أساسية في التعاون المصري-الأفريقي، مشيرًا إلى قيام وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة بإعداد برنامج تدريبي متكامل في إطار مشروع التعاون مع الدول الأفريقية، يشمل مجالات صيانة محطات الكهرباء، وشبكات التوزيع، وتكنولوجيا الطاقات الجديدة والمتجددة واستخداماتها. وأسفر البرنامج عن تخريج 40 متدربًا من خمس دول أفريقية هي: جيبوتي، وكينيا، وجنوب السودان، والصومال، وتنزانيا.
وفيما يتعلق بالبنية التحتية الإقليمية، أوضح الشناوي أن مشروعات الربط الكهربائي بين مصر ودول الجوار الأفريقي تمثل حجر زاوية في تحقيق التكامل الطاقي، حيث يوجد ربط كهربائي مع السودان بقدرة 80 ميجاوات، مع خطة لزيادتها إلى 300 ميجاوات، إلى جانب الربط مع ليبيا بقدرة 150 ميجاوات، والمخطط زيادتها مستقبلًا إلى 2000 ميجاوات. وتهدف هذه المشروعات إلى تصدير الفائض من الكهرباء، ودعم التنمية الاقتصادية، والاستفادة من الإمكانات الهائلة للقارة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فضلًا عن ترسيخ رؤية مصر لتكون محورًا إقليميًا للطاقة الكهربائية.

واختتم الدكتور أحمد الشناوي بالتأكيد على أن ما تم تنفيذه حتى الآن لا يمثل سوى جزء من خطة مصر الشاملة لدعم الأشقاء في أفريقيا في مجال الطاقة، والتي تقوم على نقل الخبرات، وتوطين التكنولوجيا، وتوسيع الربط الكهربائي، وتقديم الدعم الفني، وتدريب الكوادر، إلى جانب استضافة المؤتمرات القارية، وتطوير مشروعات الهيدروجين الأخضر. وأشار إلى أن تحقيق أمن الطاقة الكهربائية يظل العامل الأهم لتحقيق التنمية الشاملة والرخاء الاقتصادي لدول القارة الأفريقية.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: بوابة أفريقيا مصر التنمية المستدامة الطاقة الجديدة والمتجددة الطاقة الجدیدة والمتجددة إلى جانب

إقرأ أيضاً:

تطوير النظام الإحصائي في الإمارات.. كيف تعزز البيانات الجديدة دقة قراءة الاقتصاد؟

تتجه الإمارات إلى تعزيز جودة بياناتها الاقتصادية باعتمادها البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي، الهادف إلى تحديث منظومة البيانات الاقتصادية ورفع دقتها ومواءمتها مع المعايير الدولية، بما يدعم صناعة القرار، ويعزز قابلية مقارنة المؤشرات الاقتصادية مع فضلى الممارسات العالمية.

ويتضمن البرنامج الذي أقره الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، اليوم الخميس، اعتماد عام 2024 سنة أساس موحدة للحسابات القومية، إلى جانب توحيد المنهجيات الإحصائية، وتوسيع مصادر البيانات، وربط السجلات الإدارية والضريبية بالحسابات القومية، بما يسمح بقياس أكثر شمولاً للأنشطة الاقتصادية الجديدة والمتسارعة النمو.

وتعني "سنة الأساس": السنة المرجعية التي تُستخدم أسعارها وأوزان قطاعاتها عند حساب الناتج المحلي الحقيقي ومقارنة أداء الاقتصاد عبر الزمن. واعتماد 2024 مرجعاً جديداً يعني أن وزن كل قطاع سيُعاد تحديده وفق حجمه ودوره في الاقتصاد خلال تلك السنة، بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على هيكل اقتصادي يعود إلى سنوات سابقة، بحسب سعيد محمد، خبير اقتصاد.

هذا التحديث برأيه يكشف بصورة أدق الأنشطة القائمة، ويمنح القطاعات التي توسعت خلال السنوات الأخيرة وزناً أقرب إلى مساهمتها الحقيقية، موضحاً أن الاقتصاد الإماراتي شهد خلال العقد الماضي تغيرات هيكلية واسعة، مع توسع قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والسياحة والنقل والخدمات المهنية والاستثمار.

ومع استمرار استخدام سنة أساس قديمة، تبقى أوزان بعض القطاعات بحسب سعيد محمد، أقل من حجمها الفعلي، فيما يحتفظ عدد من الأنشطة التقليدية بأوزان لم تعد تعكس موقعها الحالي في الاقتصاد. ويعالج تحديث سنة الأساس هذه الفجوة، من خلال إعادة توزيع الأوزان القطاعية، استناداً إلى بيانات أحدث وأكثر شمولاً.

ويرى أن أهمية القرار داخلياً تكمن في تحسين قدرة الجهات الرسمية على قياس مساهمة القطاعات غير النفطية، وتحديد مصادر النمو، ورصد التحولات في الإنتاج والاستثمار والاستهلاك.

ويتيح ذلك للحكومة بناء السياسات الاقتصادية والموازنات والخطط الاستثمارية على قاعدة أكثر دقة، بدلاً من الاعتماد على مؤشرات قد لا تعكس بصورة كاملة سرعة التحولات التي شهدها الاقتصاد، وفق قراءة سعيد محمد.

البيانات الضريبية تدخل في صلب القياس

يتزامن تحديث سنة الأساس مع توسيع مصادر المعلومات المستخدمة في إعداد الحسابات القومية، ومن أبرزها بيانات ضريبة القيمة المضافة وضريبة الشركات والسجلات الإدارية الحكومية. وتوفر هذه المصادر معلومات أكثر تفصيلاً عن المبيعات والإيرادات والأنشطة المسجلة وعدد المنشآت وحركة التوظيف، ما يرفع مستوى التغطية مقارنة بالاعتماد على المسوح الدورية وحدها، وفقاً لخبير الاقتصاد سعيد محمد.

وأوضح أن "السجلات الإدارية هي البيانات التي تنتج بصورة مستمرة عن عمل المؤسسات الحكومية، مثل التراخيص والإقرارات الضريبية وبيانات التوظيف والمعاملات الرسمية". وإدماجها في النظام الإحصائي يقلل الفجوات، ويوسع نطاق رصد المنشآت، ويرفع دقة تقدير القيمة المضافة في كل قطاع.

وتشير هذه الخطوة برأيه إلى "انتقال النظام الإحصائي من الاعتماد الأكبر على العينات والتقديرات إلى استخدام قواعد بيانات واسعة ومستمرة، بما يسمح برصد أكثر سرعة ودقة للتغيرات الاقتصادية".

 لماذا تعاد حسابات السنوات السابقة؟

ولا يقتصر البرنامج على تطبيق سنة الأساس الجديدة على بيانات 2024 وما بعدها، بل يشمل إعادة بناء السلسلة الزمنية للناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2010 و 2026، ويوضح سعيد محمد، أن السلسلة الزمنية هي مجموعة مترابطة من البيانات الاقتصادية الممتدة عبر سنوات متتالية. وإعادة بنائها تعني احتساب السنوات السابقة وفق المنهجية والأوزان والتصنيفات الجديدة، حتى تبقى المقارنة بين عام وآخر متسقة.

محمد بن راشد يعتمد البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي في الإماراتhttps://t.co/8tOXXSXIMg pic.twitter.com/NtZAys4Vht

— 24.ae | الإمارات (@24emirates24) July 23, 2026

وينتج عن المراجعة تعديل قيمة الناتج المحلي أو مساهمة بعض القطاعات أو معدلات النمو التاريخية. ولا يعني ذلك أن النشاط الاقتصادي في تلك السنوات تغير بأثر رجعي، بل إن المعلومات المتاحة أصبحت أشمل وطريقة القياس أكثر دقة، وفق خبير الاقتصاد.

ممارسة معتمدة في الاقتصادات الكبرى

تحديث سنوات الأساس ومراجعة الحسابات القومية ممارسة دورية تتبعها الأنظمة الإحصائية المتقدمة، بهدف مواكبة التغير في بنية الاقتصادات وإدخال مصادر بيانات ومنهجيات جديدة.

وفي الاتحاد الأوروبي، نفذت الدول الأعضاء ودول رابطة التجارة الحرة الأوروبية مراجعة معيارية منسقة للحسابات القومية عام 2024. ويوضح مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات" أن هذه المراجعات الكبرى تُنفذ بصورة منسقة مرة واحدة على الأقل كل خمس سنوات، لضمان اتساق البيانات وقابليتها للمقارنة بين الدول.

وشملت المراجعة الأوروبية تحديث بيانات الناتج المحلي والتوظيف والحسابات القطاعية، وإدخال مصادر معلومات أكثر اكتمالاً، ما أدى إلى تعديل بعض التقديرات التاريخية من دون أن يعني ذلك وقوع نمو اقتصادي جديد وقت نشر النتائج.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ينفذ مكتب التحليل الاقتصادي مراجعات سنوية للحسابات القومية، إلى جانب تحديثات شاملة تمتد إلى فترات زمنية أطول وتدمج أحدث البيانات النهائية والتصنيفات والمنهجيات.

وتُعاد خلال هذه المراجعات صياغة السلاسل التاريخية لضمان اتساقها، بما يسمح بمقارنة الاتجاهات الاقتصادية عبر عقود من دون حدوث فواصل ناجمة عن تغير طرق القياس.

وفي 2026، أطلقت الهند سلسلة جديدة للناتج المحلي الإجمالي، وغيرت سنة الأساس من السنة المالية 2011-2012 إلى 2022-2023، مع إدخال بيانات ضريبة السلع والخدمات وبيانات الشركات والمالية العامة وسوق العمل.

أثر مباشر في ثقة المستثمرين

على المستوى الدولي يوضح سعيد محمد، أن تحديث الحسابات القومية "يمنح المستثمرين والمؤسسات المالية وبيوت الأبحاث صورة أوضح عن الحجم الحقيقي للاقتصاد الإماراتي ومصادر نموه وتوزع النشاط بين القطاعات". فالمستثمر برأيه لا يقيّم معدل النمو فقط، بل ينظر أيضاً إلى جودة البيانات التي بُني عليها الرقم، ومدى شمول مصادرها، واتساقها مع المعايير الدولية، وقدرتها على إظهار التحولات داخل الاقتصاد.

كما يعزز اعتماد منهجيات متوافقة مع نظام الحسابات القومية الصادر عن الأمم المتحدة قابلية مقارنة بيانات الإمارات مع بيانات الاقتصادات الأخرى، ويقلل الفوارق الناتجة عن اختلاف طرق التصنيف والقياس.

وأوضح أن قابلية المقارنة الدولية تعني استخدام مفاهيم وتعريفات وتصنيفات متقاربة بين الدول، حتى تكون المقارنة بين أحجام الاقتصادات ومعدلات نموها ومساهمة القطاعات فيها أكثر دقة.

البيانات جزء من قوة الاقتصاد

ويخلص سعيد محمد إلى أن "تطوير الأنظمة الإحصائية يُعد عالمياً استثماراً طويل الأجل في دعم جودة المؤشرات الاقتصادية".. "ويضمن مواكبة أدوات القياس للتحولات التي تشهدها الاقتصادات، ويعزز دقة البيانات التي تستند إليها السياسات الاقتصادية وقرارات الاستثمار".

مقالات مشابهة

  • نائب وزير الخارجية يستعرض جهود مصر في مواجهة الأمراض وصناعة اللقاحات بإفريقيا
  • جمس تقدم سييرا 2026 الجديدة.. وهذا سعرها عالميًا
  • المركزي الأوروبي يبقي على أسعار الفائدة دون تغيير
  • يلا ساحل تستقبل أسطورة الجودو تيدي رينر برعاية العاصمة الجديدة
  • تطوير النظام الإحصائي في الإمارات.. كيف تعزز البيانات الجديدة دقة قراءة الاقتصاد؟
  • قيادي بالجبهة: الرئيس السيسي نجح في ترجمة مبادئ ثورة 23 يوليو إلى مشروعات وإنجازات
  • أسعار النفط تتجاوز 100 دولار مع تصاعد هجمات الحوثيين
  • ألواح الطاقة الشمسية تشعل الخلافات في عدن.. صراع جديد على أسطح العمائر
  • برعاية الزيدي وبزشكيان.. العراق وإيران يوقعان 4 اتفاقيات ومذكرات تفاهم بينها الربط السككي
  • عصر يدعو للتوسع في الطاقة الشمسية لإنارة الشوارع والمنازل