عمليات إسرائيل في رفح.. إعمار أم إعادة هندسة سياسية وإدارية؟
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
غزة- للمرة الأولى منذ بدء الحرب على قطاع غزة، تجاوزت التحركات الإسرائيلية في مدينة رفح (جنوب القطاع) الطابع العسكري، لتتجه نحو خطوات تمهيدية تحمل بعدا عمرانيا وإداريا على المدى الطويل، وفق تقارير إسرائيلية نُشرت الأسبوع الماضي.
فخلال الأسابيع الأخيرة، رُصدت عمليات منظمة لإزالة الأنقاض وتسوية مساحات واسعة من الأراضي في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية داخل رفح.
وقالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إن الحكومة تسعى لإقامة مدينة تتسع لنحو 20 ألف فلسطيني، في حين نقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية خبرا يفيد بموافقة وزارة المالية على تخصيص ميزانية للجيش تقدر بنحو 7 ملايين شيكل (ما يزيد على مليوني دولار)، بهدف إزالة الأنقاض في مدينة رفح.
واقع جديدويرى المحلل السياسي ومدير مركز يبوس للاستشارات والدراسات الإستراتيجية سليمان بشارات أن هذه الخطوات تندرج ضمن مسعى إسرائيلي واضح لتثبيت أمر واقع جديد، ينطلق من محدد أساسي يفيد بأن "إسرائيل باقية داخل القطاع، وليس بصدد انسحاب مؤقت أو إعادة انتشار مرحلية".
ويشير بشارات -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن تسارع إسرائيل في تنفيذ عمليات هدم ممنهجة للمنازل، خاصة في ما تُعرف بمنطقة "الخط الأصفر" بالإضافة لمدينة رفح، إلى جانب إزالة الأنقاض وتسوية الأراضي، يمثل تمهيدا لإعادة بناء وحدات سكنية على هذه الأراضي التي تشكل أكثر من نصف مساحة القطاع، مما يمنح إسرائيل -وفق تقديره- "الشرعية السياسية والأساس الذي يدعم ادعاءها بأنها الجهة القادرة على إدارة هذه المناطق".
ويضيف أن هذا التوجه يهدف إلى خلق واقع جديد وتثبيته على الأرض، بحيث يتحول لاحقا إلى عقبة أمام أي تفاهمات سياسية مستقبلية "لا تمنح إسرائيل الأفضلية"، سواء على مستوى المسار التفاوضي والدبلوماسي، أو في علاقتها مع المجتمع الدولي.
ويحذر بشارات من أن ملف إعادة الإعمار قد يشكّل بوابة لإعادة إنشاء بنية تحتية تمهد لعودة الاستيطان في القطاع، مستحضرا تجربة التسعينيات من القرن الماضي في الضفة الغربية، حين سمحت إسرائيل للفلسطينيين ببناء مناطق سكنية ضمن هيكليات عمرانية محددة، استُخدمت لاحقا كأساس للتوسع الاستيطاني.
إعلانويقول إن إسرائيل قد تسعى لتطبيق السيناريو ذاته في غزة، عبر "البناء للفلسطينيين في المرحلة الراهنة، مع إبقاء العين على المستقبل بهدف التأسيس لعودة الاستيطان".
ويفيد بشارات بأن إسرائيل لا تقدم أي معلومات تفصيلية -حتى الآن- حول طبيعة المشاريع السكنية التي يجري الحديث عنها في رفح، سواء من حيث المساحة، أو القدرة الاستيعابية، أو عدد الوحدات السكنية، أو طبيعة المدينة، معتبرا أن هذا الغموض يعكس رغبة متعمدة في حجب المعلومات وممارسة "نوع من الخداع".
وعن التداعيات المستقبلية لهذه المشاريع، يرى بشارات أن إسرائيل تتعامل مع قطاع غزة من منظور إستراتيجي بعيد المدى، وليس كمرحلة مؤقتة، مستندة إلى مجموعة من الركائز الأساسية:
أولها إعادة بناء جغرافية القطاع بطريقة تضمن ألا يشكل أي خطر على إسرائيل مستقبلا. أما الركيزة الثانية، فتتمثل في خفض عدد السكان إلى الحد الأدنى الممكن، عبر تطبيق مخططات "التهجير الطوعي"، وربط عملية الإسكان بشروط أمنية صارمة تفرض على الفلسطينيين. في حين تقوم الركيزة الثالثة على إعادة تشكيل البنية الإدارية الفلسطينية داخل القطاع، عبر نزع أي صفة سياسية عنها والإبقاء فقط على إدارة خدماتية محدودة الصلاحيات، وهو ما يفسر -برأي بشارات- رفض إسرائيل أي دور للسلطة الفلسطينية أو حركة حماس في إدارة شؤون الحكم في غزة.ويؤكد بشارات أن نجاح إسرائيل في فرض هذا النموذج في رفح قد يفتح الباب أمام توسيعه ليشمل باقي مناطق القطاع.
مخططات التقسيم
من جهته، يقول المحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن التحركات الإسرائيلية في رفح هي جزء من المخططات الساعية لتقسيم قطاع غزة.
وقال إبراهيم -في حديثه للجزيرة نت- إن "فكرة تقسيم قطاع غزة لا تزال قائمة، وإسرائيل تسعى للسيطرة على نحو 60% من مساحة القطاع، إلى جانب فرض سيطرة أمنية شاملة".
ويضيف أن "هذه المشاريع والتوجهات تعكس نيات إسرائيلية واضحة وليست مجرد سيناريوهات نظرية".
كما يرى إبراهيم أن هذه المعطيات تعني عمليا عدم وجود نية إسرائيلية حقيقية للسماح بإعادة إعمار شاملة للقطاع، مشيرا إلى أن أي عملية إعمار محتملة ستتركز في المناطق المسيطر عليه إسرائيليا.
لكنه يشير في الوقت ذاته إلى "غياب الحديث الجدي عن تفاصيل إعادة الإعمار كالتمويل، والدول التي يمكن أن تتحمل كلفته الكبيرة".
ويحذر إبراهيم من أن غزة قد تبقى لفترة طويلة "بلا سياسة وطنية وبلا حكم فلسطيني حقيقي، وقد تستمر مقسمة إلى مناطق نفوذ"، ويصف هذه السيناريوهات بأنها "مخيفة ومقلقة".
كما يلفت إلى أن مخططات التهجير الإسرائيلية لا تزال حاضرة، مشيرا إلى أن الاحتلال يركز حاليا على مسألة "الهجرة الطوعية".
وبخلاف هذا المشهد، يخلص إبراهيم -في ختام حديثه- إلى أن إسرائيل رغم محاولاتها فرض واقع عسكري وإداري شديد الخطورة في قطاع غزة، فإنها تصطدم بحقيقة صمود الفلسطينيين على الأرض، فبالرغم من المخاطر الجسيمة، يواصل السكان محاولاتهم للعودة إلى أراضيهم والتمسك بها، في تعبير واضح عن إصرارهم على البقاء.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات قطاع غزة فی رفح إلى أن
إقرأ أيضاً:
ثلثا سكان غزة يواجهون خطر الجوع الشديد بحلول نهاية العام
قال مرصد عالمي معني بمراقبة الجوع، اليوم الخميس، إن أكثر من ثلثي سكان قطاع غزة قد يتعرضون للجوع الشديد بحلول نهاية العام الجاري، في ظل تخفيض وكالات إغاثة إنسانية تدفقات المساعدات بسبب نقص التمويل.
وأظهر أحدث تقييم أجراه التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن مستويات سوء التغذية الحاد، وخاصة بين الأطفال، انخفضت بشكل ملحوظ بعد زيادة إمدادات الغذاء عقب وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لكنه حذر من أن استهلاك الغذاء لا يزال غير كاف لمعظم الأسر، وأن بعضها يلجأ إلى التسول والبحث عن الطعام في القمامة.
وأوضح أن أكثر من 1.2 مليون شخص، أي نحو 59% من سكان غزة، تعرضوا للجوع الشديد الذي يُعرف بأنه مستوى أزمة أو أسوأ خلال الفترة من منتصف أبريل/نيسان ونهاية يونيو/حزيران الماضيين. وكان من بين هذا العدد نحو 212 ألف شخص في حالة طوارئ.
ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى أكثر من 1.4 مليون شخص، أو 67% من سكان القطاع، بحلول ديسمبر/كانون الأول المقبل.
وبحسب التقييم، من المتوقع أن تشهد 4 محافظات، هي شمال غزة وغزة ودير البلح وخان يونس، مستويات "إنذار" من سوء التغذية، وهي المرحلة الثانية من تصنيف سوء التغذية الحاد.
كما تعذر على المحللين الوصول إلى بعض المناطق القريبة مما بات يُعرف باسم "الخط الأصفر" خلال فترة المسح، مما حال دون توفر بيانات كافية لتصنيفها.
وضع هشوحذر التقرير من أن الحصص الغذائية لا تزال، رغم التحسن جراء وقف إطلاق النار، غير كافية من حيث الكمية والجودة والتنوع الغذائي. ويزيد من تعقيد الوضع عدم انتظام الواردات التجارية من المنتجات الطازجة ومصادر البروتين.
وتوقع التقييم أن يحتاج نحو 74 ألف طفل إلى العلاج من سوء التغذية الحاد خلال العام المقبل، فيما ستحتاج نحو 25 ألف امرأة حامل ومرضع إلى دعم تغذوي خلال الفترة نفسها.
إعلانويعتمد غالبية سكان غزة على إمدادات المساعدات بعد عامين من الحرب وتشريد معظم السكان تقريبا.
وقلصت برامج التغذية التكميلية المخصصة للنساء الحوامل والمرضعات عدد المستفيدات منها إلى النصف ليصل إلى 6 آلاف امرأة بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار هذا العام في القطاع.
ومن المرجح أن تكون التخفيضات الإضافية في المساعدات ناجمة عن نقص التمويل وعدم اليقين بشأن تمكن منظمات الإغاثة من الوصول إلى القطاع.
قدرة على إنتاج الغذاءكذلك، أشار التقييم إلى أن هناك مؤشرات أولية على إمكانية استعادة الإنتاج الغذائي المحلي في المناطق التي يستطيع المزارعون الوصول إليها، إلا أن هذه الجهود تظل محدودة ما لم تُرفع القيود المفروضة على دخول السلع إلى قطاع غزة.
فهناك أكثر من 70% من الأراضي الزراعية في القطاع لا يمكن الوصول إليها حاليا، بغض النظر عن حجم الأضرار أو توفر المدخلات، في حين لا تتجاوز نسبة الأراضي القابلة للاستخدام 3% فقط، بحسب التقييم.
مناشدة المجتمع الدوليكما شددت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) وبرنامج الأغذية العالمي على أهمية استمرار تدفق المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة عبر جميع الممرات القادمة من الأردن وإسرائيل ومصر، ومن خلال المعابر في شمال القطاع وجنوبه، موضحة أن المساعدات تدخل حاليا من معبر كرم أبو سالم فقط.
ودعت الوكالات كذلك إلى توفير مواد الإيواء والوقود وغاز الطهي والمدخلات الزراعية بشكل فوري عبر القطاع الخاص، وإلى توسيع نطاق الوصول التجاري بما يمكّن الأسواق من التعافي والاستقرار، كما ناشدت المجتمع الدولي بزيادة التمويل.
وكان التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أكد انتشار المجاعة في مناطق بقطاع غزة في أغسطس/آب 2025، بينما أكدت وزارة الصحة بغزة أن المجاعة وسوء التغذية أدت إلى وفاة العشرات، جراء منع إسرائيل دخول المساعدات.
وأكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي تراجع المجاعة في ديسمبر/كانون الأول 2025.