الدولة السورية: من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
يدخل السوريون عام 2026، وهم يقفون عند نقطة فاصلة بين مرحلتين: مرحلة إيقاف التدهور واحتواء الأزمات المتراكمة، ومرحلة الشروع التدريجي في بناء الدولة على أسس جديدة.
الأسئلة المطروحة اليوم لا تتعلق فقط بما أنجزته الحكومة السورية منذ التحرير، بل بما إذا كان العام الجديد يسمح بالانتقال من منطق إدارة الطوارئ إلى منطق التخطيط المنظم للمستقبل.
هذه الأسئلة تعكس حالة عامة لدى السوريين، الذين استقبلوا سقوط نظام الأسد بفرح عارم بعد عقود من الاستبداد والفساد، ثم وجدوا أنفسهم أمام بلد مثقل بالدمار، واقتصاد منهك، وأزمات داخلية وخارجية متشابكة تغذي بعضها بعضا.
وقد شهد عام 2025 بلا شك خطوات ملموسة في تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار الأمني، وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة، وفتح نوافذ محدودة للتعافي الاقتصادي. غير أن هذه الخطوات، على أهميتها، بقيت أقرب إلى إجراءات انتقالية منها إلى تعبير عن رؤية وطنية شاملة قادرة على استعادة الثقة وفتح أفق واضح للمستقبل.
عادة فإن الدول تقوم ببناء رؤى إستراتيجية متوسطة وطويلة المدى، تُفكك إلى مراحل تنفيذية، وتترجم سنويا من خلال خطط وزارية وموازنات عامة تعكس الأولويات الواقعية، إلا أن سوريا تحتاج قبل ذلك لوضع إطار وطني واضح المعالم، يحدد فيه مسار التخطيط لإعادة بناء الدولة على مختلف الصعد.
إن أخطر ما قد تواجهه دولة خارجة من صراع طويل هو الاستمرار في العمل دون بوصلة إستراتيجية جامعة، تماما كما أن التخطيط النظري المنفصل عن الواقع لا يقل خطرا، فالرؤية من دون أدوات تنفيذ تبقى خطابا، والعمل من دون رؤية يتحول إلى استنزاف للموارد وإضاعة للفرص.
إعلانالقرارات الجزئية والإجراءات المؤقتة قد تخفف من حدة بعض الأزمات، لكنها لا تصنع استقرارا دائما ولا تؤسس لدولة قابلة للحياة.
ما تحتاجه سوريا اليوم هو إطار تخطيطي وطني يربط بين ما تحقق وما تعثر، ويحدد بوضوح أولويات المرحلة الانتقالية المقبلة، ويترجم هذه الأولويات إلى سياسات عامة، ثم إلى خطط تنفيذية وزارية، تنعكس بدورها في الموازنة العامة.
إعلان هذا الإطار، ولو بصيغة مبادئ وأولويات مرحلية، ليس ترفا سياسيا، بل شرطا لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحويل المواطن من متلقٍ للوعود إلى شريك في مراقبة التنفيذ ودعمه.
ومن خلال قراءة المشهد السوري، يمكن تحديد خمسة محاور رئيسية ينبغي أن تشكل أساس الأولويات الحكومية لعام 2026، لا بوصفها أهدافا نهائية قابلة للإنجاز خلال عام واحد، بل كمجالات عمل تأسيسية تبنى عليها إستراتيجيات الدولة في السنوات اللاحقة.
الاستقرار الأمني بوصفه سياسة عامةالاستقرار الأمني لا يمكن أن يبقى رهين المعالجات الميدانية الظرفية. المطلوب هو الانتقال إلى التعامل مع الأمن كسياسة عامة، تعالج جذور العنف، وتعيد تنظيم المنظومة الأمنية على أسس مهنية واضحة، وتوحد المرجعيات وتحد من تعدد الجهات الفاعلة.
خلال عام 2026، يمكن التركيز على استكمال الإطار التنظيمي والحوكمي للقطاع الأمني، وتعزيز الشراكة مع المجتمعات المحلية، بما يرسخ الثقة ويحول المواطن إلى عنصر فاعل في حفظ الاستقرار.
الاقتصاد كرافعة للاستقرارلا استقرار سياسيا من دون حد أدنى من التعافي الاقتصادي. غير أن بناء نموذج اقتصادي متكامل لسوريا الجديدة هو مهمة إستراتيجية تتجاوز عاما واحدا.
ما يمكن أن ينجز في 2026 هو تثبيت الاتجاه: دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، تحسين بيئة الاستثمار، وإعادة توجيه الإنفاق العام نحو القطاعات الإنتاجية. هذه خطوات انتقالية ضرورية لتهيئة الأرضية لرؤية اقتصادية أشمل تبنى لاحقا بمشاركة واسعة.
الإدارة العامة واستعادة الثقةإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة تمر عبر الإدارة العامة. خلال عام 2026، يمكن للحكومة أن تركز على إصلاحات عملية قابلة للتنفيذ: توسيع رقمنة الخدمات، ربط التعيينات بالكفاءة، ووضع مؤشرات أداء واضحة للوزارات. هذه الإجراءات لا تعني اكتمال الإصلاح الإداري، لكنها تشكل إشارات جدية على تغيير نمط الحكم.
العدالة الاجتماعية وإعادة اللحمةلا يمكن لأي مسار بناء أن ينجح دون معالجة الجراح الاجتماعية العميقة. الأولويات هنا يجب أن تركز على برامج دعم الفئات الأكثر تضررا، وفتح مسارات وطنية للمصالحة المجتمعية، والتقدم الجاد في ملف المعتقلين والمغيبين. هذه ليست ملفات يمكن إنهاؤها خلال عام، لكنها قضايا يجب أن يظهر فيها تقدم ملموس يعكس التزام الدولة بمسؤوليتها الأخلاقية والوطنية.
السياسة الخارجية كأداة تعافٍالسياسة الخارجية تمثل أحد مفاتيح التعافي السوري. ما يمكن أن ينجز في 2026 هو تعميق نهج دبلوماسي عقلاني يركز على إعادة الاندماج الإقليمي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وتحويل العلاقات الخارجية إلى رافعة للاستثمار ودعم الاستقرار الداخلي، بدل أن تكون ساحة صراع بالوكالة.
نحو عقلية تخطيط جديدةيقف عام 2026 بوصفه عاما مفصليا، ليس لأنه سيشهد اكتمال البناء، بل لأنه يمكن أن يكون عام الانتقال من عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية التخطيط المنظم للمستقبل. ما تحقق في 2025 يشكل قاعدة انطلاق مهمة، لكنه يحتاج إلى إطار وطني واضح، وأولويات معلنة، وأدوات تنفيذ قابلة للمتابعة والمساءلة.
إعلانسوريا اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف مسارها الوطني. التحديات جسيمة، لكن وضوح الاتجاه، وشفافية التخطيط، وربط الأهداف المرحلية برؤية إستراتيجية أوسع، يمكن أن يحول هذه التحديات إلى فرص.
الشعوب لا تنتظر الوعود، بل السياسات التي تمنحها الأمل، والتخطيط الواضح هو الخطوة الأولى لتحويل الأمل إلى مسار عمل مشترك نحو المستقبل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات خلال عام یمکن أن عام 2026
إقرأ أيضاً:
الأمين: اتساع أدوار المركزي مؤشر على ضعف مؤسسات الدولة
اعتبر رئيس مجلس التنمية الاقتصادية السابق فضيل الأمين أن اتساع المهام الملقاة على عاتق مصرف ليبيا المركزي وتجاوزها لاختصاصاته التقليدية يعكس حالة الضعف التي تعانيها مؤسسات الدولة الليبية.
وقال الأمين، في تدوينة نشرها على حسابه بموقع فيسبوك، إن انهيار الدولة وضعف مؤسساتها يؤديان إلى فقدان الأجهزة الحكومية لأدوارها الطبيعية، واختلاط الاختصاصات وتداخل المسؤوليات، ما يدفع مصرف ليبيا المركزي إلى أداء مهام تتجاوز دوره الأساسي في إدارة السياسة النقدية والحفاظ على استقرار العملة ومكافحة التضخم.
وأوضح أن المصرف تحول عملياً إلى مركز لتجميع وتوزيع إيرادات الثروة الطبيعية، في وقت يجد نفسه مضطراً إلى القيام بأدوار تشبه مهام وزارات المالية والاقتصاد والشؤون الاجتماعية، من خلال إدارة الإنفاق العام وتمويل الدعم والتحويلات والإعانات وتنظيم عمليات الاستيراد وتخصيص النقد الأجنبي.
وأضاف أن دور المصرف امتد في بعض الأحيان إلى فرض رسوم وجبايات، وهي اختصاصات ترتبط عادة بالجهات الضريبية والجمركية، مشيراً إلى أن ذلك جاء على حساب المهام الجوهرية للمصرف المركزي المتعلقة بالإشراف على القطاع المصرفي وضمان الاستقرار المالي ومحاسبة المؤسسات المالية عند وقوع الفساد أو التقصير.
وأكد الأمين أن تضخم دور مصرف ليبيا المركزي لا يعد دليلاً على قوته، بل يمثل أحد أبرز مؤشرات غياب المؤسسات وضعف الدولة، لافتاً إلى أن اعتماد الدولة على مؤسسة واحدة لتعويض قصور مؤسسات أخرى يعكس وجود فراغ مؤسسي متزايد داخل منظومة الحكم.