هل بدأت الحرب الأمريكية الصينية على كوكب الأرض؟
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
#سواليف
هل بدأت #الحرب_الأمريكية_الصينية على #كوكب_الأرض؟
كتب .. د. #فيصل_القاسم
من السذاجة ابتلاع الرواية الأمريكية التي تبرّر تدخلها في فنزويلا بذريعة ملاحقة رئيس متهم بالاتجار بالمخدرات أو بانتهاك حقوق الإنسان. من يمكنه أن يصدق هذه السخافات فعلاً؟
ومن يتخيّل أن واشنطن فجأة أصبحت حريصة على المتظاهرين في شوارع إيران وتريد حمايتهم من نظام الملالي؟ لا يقتنع بهذه الحكايات إلا المهابيل فقط.
لم يعد الصراع بين واشنطن وبكين قابلاً للفهم من خلال لغة التجارة أو الرسوم الجمركية. ما يجري اليوم هو مواجهة أعمق بكثير، مواجهة حول من يمتلك مفاتيح تشغيل العالم في العقود المقبلة. الطاقة تقف في قلب هذا الصراع، لكنها ليست الهدف النهائي بقدر ما هي وسيلة لضبط ميزان القوة. واشنطن تدرك أن بكين لم تعد مجرد «مصنع كبير»، بل قوة بنيوية قادرة على بناء سلاسل توريد بديلة تجعل خنقها أصعب من أي وقت مضى. لهذا تسعى الولايات المتحدة للسيطرة على كل نقطة ضعف صينية محتملة، وفي مقدمتها اعتماد الصين على استيراد الطاقة والمواد الاستراتيجية. الطاقة ليست مجرد محروقات، بل شرط وجود لأي اقتصاد. الولايات المتحدة لا تحتاج النفط بقدر حاجتها للتحكم بمن يحتاجه. من يملك صمام الطاقة يملك إيقاع النمو العالمي كله. الصين تعتمد على الاستيراد لتغطية الجزء الأكبر من احتياجاتها، وهذه نقطة الضعف التي تعمل واشنطن على ضربها بتشتيت مصادر إمدادها أو وضعها تحت نفوذ مباشر. وهنا يتداخل العامل المالي: فبيع النفط بغير الدولار يهدد أساس القوة الأمريكية. أي محاولة صينية لبناء نظام مدفوعات خارج قبضة الدولار تُعامل كتهديد استراتيجي. لذلك تضغط واشنطن لمنع الصين من شراء الطاقة بعملتها أو توقيع اتفاقيات تقلب معادلة الدولار التي رسخت النفوذ الأمريكي لعقود. مقالات ذات صلة
واشنطن لم تعد تنظر إلى المنافسة الاقتصادية بوصفها لعبة نسب نمو أو حجم صادرات، بل بوصفها معركة لإعادة توزيع الجغرافيا الصناعية
وتزداد الصورة وضوحاً حين ننظر إلى محاولات الولايات المتحدة إعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية للعالم بحيث تصبح حركة السلع والمعادن والطاقة أقل حرية من السابق، وأكثر خضوعاً لاعتبارات النفوذ. واشنطن لا تستهدف تعطيل الصين فحسب، بل إعادة رسم خريطة الإنتاج العالمية كلها. مشاريع مثل الشراكات الجديدة مع الهند، وتوسيع النفوذ في أفريقيا، ومحاولات تطويق الممرات البحرية التي تعتمد عليها بكين، كلها تأتي في سياق واحد: تفكيك الشبكة التي بنتها الصين خلال العقدين الماضيين عبر مبادرة الحزام والطريق.
والفقرة الإضافية هنا تكشف جانباً آخر قلّما يُناقش: وهو أن واشنطن لم تعد تنظر إلى المنافسة الاقتصادية بوصفها لعبة نسب نمو أو حجم صادرات، بل بوصفها معركة لإعادة توزيع الجغرافيا الصناعية نفسها. ما تقوم به الولايات المتحدة ليس مجرد محاولة عزل الصين، بل محاولة نقل الإحساس بالعجز إليها. فبدلاً من أن تنتظر واشنطن أن تستيقظ يوماً وتجد العالم مرتبطاً ببكين عبر ممرات وطاقة ومعادن تُدار من خارج نفوذها، بدأت تفكك هذا الارتباط حيثما وُجد. الضغط على شركات التكنولوجيا كي تغادر الصين، محاولة بناء «سلاسل توريد ديمقراطية»، دعم حكومات مستعدة لتقليص النفوذ الصيني، تشجيع دول جنوب شرق آسيا على استقبال المصانع التي تغادر البر الصيني، خلق بدائل نقل وموانئ جديدة- كل هذا ليس اقتصاداً، بل هندسة نفوذ. الصين ترى ذلك بوضوح، وتحاول مضادته عبر تعميق وجودها في أفريقيا وآسيا الوسطى، وتوسيع نفوذها التكنولوجي بحيث يصبح العالم محتاجاً لها بقدر حاجتها إلى موارده. واشنطن من جهتها تريد أن تجعل صعود الصين مكلفاً، وأن تُبقي مفاصل النظام العالمي مرهونة بقرار أمريكي. كل ممر وكل معدن وكل خط شحن تتحكم به الولايات المتحدة يعني عاماً إضافياً من إبطاء التحول في ميزان القوى. لهذا لا يمكن فهم ما يجري في الشرق الأوسط أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية من دون رؤية هذا السياق الأكبر: صراع على الخريطة قبل أن يكون صراعاً على الأرقام.
ومن هنا نفهم ما حدث في فنزويلا التي كانت مشكلتها الحقيقية أنها بدأت بيع النفط بالصيني وباليوان تحديداً. وكذلك في إيران التي تحاول واشنطن منعها من أن تصبح محطة طاقة بديلة للصين. والشيء نفسه ينطبق على سباق المعادن الاستراتيجية، حيث تحاول الولايات المتحدة إضعاف الوجود الصيني في تشيلي والكونغو وأستراليا، لأن هذه المواد هي عماد الذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية. وحتى غرينلاند لم تكن استثناءً، فهي كنز من المعادن، والصين سبقت إليه، ما جعل واشنطن تعتبر الجزيرة فجأة «قضية أمن قومي». في النهاية نحن أمام صراع طويل، صراع على الطاقة والعملة والمعادن والممرات البحرية وسلاسل الإمداد. واشنطن تحاول تأخير لحظة صعود الصين قدر ما تستطيع، بينما تعمل بكين على بناء عالم لا تستطيع الولايات المتحدة التحكم بمفاتيحه.
كاتب واعلامي سوري
falkasim@gmail.com
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: سواليف الحرب الأمريكية الصينية كوكب الأرض فيصل القاسم الولایات المتحدة التی ت
إقرأ أيضاً:
السعودية تدخل عصر المفاعلات الأمريكية باتفاق نووي يمتد 30 عاما
واشنطن - رويترز
أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية اليوم الأربعاء أن الولايات المتحدة والسعودية توصلتا إلى اتفاق تاريخي بشأن الطاقة النووية المدنية، مما يتيح للمملكة بناء مفاعلات نووية باستخدام التكنولوجيا الأمريكية وتخصيب اليورانيوم.
وجرى العمل على إبرام اتفاق نووي لأغراض مدنية مع السعودية على مدي سنوات خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى وولاية الرئيس السابق جو بايدن.
إلا أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق قبل الآن، ومن أسباب ذلك تحذيرات من جماعات مناهضة للانتشار النووي تقول إن الاتفاق قد يفتح الطريق أمام السعودية لتطوير سلاح نووي.
وبخلاف خطة بايدن، لا تتضمن الاتفاقية الحالية ما يعرف بالبروتوكول الإضافي الذي يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة بإجراء عمليات تفتيش مفاجئة وعميقة.
كما ستسمح الاتفاقية للمملكة بتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة النفايات النووية، وهما مساران محتملان لتصنيع سلاح نووي. وكانت الإمارات قد وافقت على التخلي عن هذين الأمرين عندما وقعت اتفاقية مماثلة مع الولايات المتحدة في عام 2009.
وذكرت وزارة الطاقة الأمريكية في بيان إن الوزير كريس رايت ووزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبد العزيز بن سلمان وقعا على الاتفاقية، المعروفة باسم اتفاقية المادة 123، إلى جانب اتفاقية ضمانات ثنائية.
وأوضحت الإدارة أن الاتفاقية تلتزم أيضا باتفاقيات عدم الانتشار الواردة في قانون الطاقة الذرية الأمريكي، والتي تعد من بين أقوى الاتفاقيات في العالم. وقالت السعودية في السابق إنه في حال عدم التوصل لشراكة مع الولايات المتحدة، فقد تتعاون مع الصين أو روسيا اللتين تطبقان معايير مختلفة فيما يتعلق بالانتشار النووي.
وقالت وزارة الطاقة الأمريكية إن الاتفاقية ستحال الآن إلى الكونجرس. وما لم يجمع الكونجرس الأصوات اللازمة للاعتراض عليها في جلسات متواصلة تمتد 90 يوما، فإن الاتفاق سيدخل حيز التنفيذ. لكن الأمر سيتطلب أغلبية الثلثين لتجاوز حق النقض الرئاسي.
ودعا بعض خبراء الشؤون النووية المشرعين إلى التصويت ضد الاتفاقية.
وقالت كيلسي دافنبورت مديرة سياسة منع الانتشار في جمعية الحد من التسلح "نحث جميع أعضاء الكونجرس من كلا الحزبين على إدراك المخاطر وممارسة سلطتهم لرفض أو تعديل الاتفاق النووي الذي اقترحه ترامب مع السعودية، حتى لا نفتح الباب أمام الانتشار النووي في الشرق الأوسط على نطاق أوسع".
ويمتد الاتفاق لنحو 30 عاما من أجل بناء مفاعلات من طراز (إيه.بي 1000) وتبلغ قيمته عشرات المليارات من الدولارات، وستتولى بناء المفاعلات شركة ويستنجهاوس المملوكة بشكل مشترك لشركتي كاميكو الكندية وبروكفيلد أسيت مانجمنت.
قال مصدر في القطاع إن الاتفاقية تتطلب إجراء دراسة جدوى حول استخدام التكنولوجيا الأمريكية في السعودية. ويشير إجراء هذه الدراسة وبطء وتيرة بناء محطات الطاقة النووية وتخصيب اليورانيوم إلى أن تأسيس البنية التحتية قد يستغرق سنوات عديدة.
وقال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مرارا إنه لا يريد أن تصنع المملكة سلاحا نوويا، لكنها ستقدم على هذه الخطوة إذا فعلت إيران ذلك، مما يثير مخاوف بشأن احتمال انتشار الأسلحة النووية.
وعبر عدد من المشرعين الديمقراطيين عن مخاوفهم من أن الاتفاق قد يؤدي إلى انطلاق سباق تسلح في الشرق الأوسط في ظل استمرار الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
وقال السناتور الديمقراطي إدوارد ماركي "إنهم يسمحون للسعودية، وهي دولة عدائية وسلطوية، بتطوير تقنيات الأسلحة النووية، بينما يشنون حربا على إيران تحت ذريعة منعها من الحصول على قنبلة نووية. هذه الاتفاقية ستجعلنا جميعا أقل أمانا".
في حين قال السناتور جيم ريش، وهو جمهوري، إنه يتفق مع ولي العهد السعودي في أن الاتفاقية ستعود بالنفع على البلدين.