حرب موارد لا نزاع جنرالات هكذا.. جات زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان كأولِ مسؤولٍ أمميٍّ لم يتردد في تعريف ما يجري بأنه “حربًا بالوكالة للسيطرة على الموارد الطبيعية” ، الرجل واجه العالم بحقيقة طال تجاهلها عمدًا أو مواربةً: ما يحدث ليس فوضى داخلية، بل مأساة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان، لها فاعلوها وشبكات مصالحها وحدودها المفتوحة على الإقليم والعالم.

سياسيًا أعادت الزيارة ترتيب موازين السردية الدولية حول السودان. فحين يقول المفوض السامي إن المجتمع الدولي “يتظاهر بالاهتمام لكنه قليل الفعل”، فهو، يضع القوى الإقليمية والدولية أمام مسؤولية مباشرة، خاصة تلك التي ساهم صمتها أو حساباتها الضيقة في إطالة أمد الحرب.

توصيف الصراع كحرب بالوكالة يضرب في العمق مصالح إقليمية معروفة، ويُخرجها من منطقة الظل و الاختباء خلف الرباعية إلى دائرة المساءلة الأخلاقية، حتى وإن حاولت هذه الأطراف لاحقًا الاحتماء بخطاب الدعوة إلى التهدئة والسلام أو الحلول السياسية غير المشروطة بالعدالة.

سياسيًا تمثل هذه الزيارة كسرًا لحالة الابتزاز الإقليمي والدولي التي كثيرًا ما حاصرت الملف السوداني. فالمفوض السامي لم يأتِ محمّلًا بمواقف ملتبسة أو حسابات مهادنة، بل جاء بخطاب قانوني أخلاقي صارم، يستند إلى توثيق ميداني لانتهاكات مليشيا الدعم السريع وُصفت بأنها “فظائع صادمة ترقي إلى جرائم حرب”، من إعدامات على أساس عرقي، واغتصاب جماعي، واعتقالات تعسفية، وصولًا إلى استهداف المنشآت الطبية والتعليمية. والأهم أنه ربط هذه الجرائم بسياقها السياسي والاقتصادي الذي تحاول القفز فوقه قوى سياسية داخلية ظلت تدعي الحياد.

زيارة تورك لمعسكر العفاض بالولاية الشمالية، ولقاؤه بالنازحين الفارين من دارفور وكردفان، يحمل بعدًا بالغ الأهمية. فهي زيارة تُنزل الخطاب الحقوقي من برج البيانات إلى أرض الشهادات الحية، وتضع الرواية الرسمية والاتهامات – خصوصًا محاولات التشكيك في وقائع الاغتصاب والانتهاكات – تحت مجهر المعاينة المباشرة. هنا، يصبح الجسد وثيقة، وتتحول معاناة النازحين إلى شهادة سياسية لا يمكن الالتفاف عليها.

في المقابل أكدت الحكومة السودانية عبر بيان الخارجية حول الزيارة على أولوية حقوق الإنسان، واستعدادها للتعاون مع الآليات الأممية، سواء من خلال اللجنة الوطنية للتحقيق في الجرائم والانتهاكات، أو عبر آليات حماية المدنيين. هذا التلاقي بين خطاب الحكومة وخطاب المفوضية لا يخلو من حسابات سياسية، لكنه يعكس إدراكًا رسميًا بأن معركة السودان اليوم ليست عسكرية فقط، بل معركة رواية وشرعية ومساءلة.

كذلك اجتماع تورك بممثلي المجتمع المدني في بورتسودان، فيحمل رسالة أخرى لا تقل أهمية: فالمجتمع المدني، رغم إنهاكه وقلة موارده، لا يزال فاعلًا أخلاقيًا وسياسيًا، وشريكًا لا غنى عنه في حماية الذاكرة الحقوقية ومنع طمس الجرائم. إشادة المفوض بدور هذه المجموعات تعيد الاعتبار لصوت المدنيين الوطنيين في زمن تعلو فيه أصوات السلاح.

أما اعتراض مليشيا الدعم السريع، ممثلة في تحالف السودان التأسيسي، على مسار الزيارة وقصرها على مناطق بعينها، فيكشف عن عمق مأزقها السياسي والقانوني أكثر مما يعبّر عن حرص حقيقي على شمولية الرواية.

فالتشكيك المسبق في نتائج الزيارة، واتهامها بالاستماع إلى “رواية واحدة”، لا ينفصل عن الخشية من أن تتحول الشهادات الميدانية للنازحين والناجين إلى وثائق إدانة أممية يصعب نفيها أو تمييعها لاحقًا. هنا، تنتقل المعركة من ميدان السلاح إلى ميدان السرد، حيث تحاول المليشيا تقويض مصداقية الشاهد بدل مواجهة الاتهام.

إقليميًا ودوليًا، يُتوقع أن تُحدث الزيارة أثرًا تراكميًا يتجاوز ردود الأفعال الآنية. بعض القوى ستتعامل معها بحذر، وستسعى إلى احتواء مخرجاتها خشية انكشاف أدوارها أو تهديد مصالحها، بينما ستجد أطراف أخرى في خطاب تورك سندًا قانونيًا وأخلاقيًا لتعزيز مسار المساءلة، سواء عبر مجلس حقوق الإنسان أو من خلال عقوبات تستهدف الأفراد والشبكات التي تغذي آلة الحرب.

الأهم من ذلك أن الزيارة تسهم في إعادة تشكيل النظرة الدولية للصراع، من نزاع داخلي ملتبس إلى حرب موارد وانتهاكات ممنهجة، ما يضعف تدريجيًا سردية “الحياد بين الأطراف” ويعزز الانحياز لحقوق الضحايا.

بحسب #وجه_الحقيقة فإن زيارة فولكر تورك، تمثل لحظة فاصلة في مسار الحرب السودانية، لحظة يُعاد فيها تعريف الصراع بميزان القانون الدولي والأخلاق الإنسانية، لا بحسابات القوة. قد لا توقف هذه الزيارة الحرب، لكنها ترفع كلفة الاستمرار فيها دون مساءلة، وتضع السودان والإقليم والعالم أمام خيارين واضحين: إما سلام هش يُدار بالأزمات ويؤجل العدالة، أو مسار شاق يعترف بالحقيقة ويمهّد لسلام مستدام.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
السبت 17 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/17 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة حين يقترن العجز بالنحس في ناس أمهم ما راضية عنهم2026/01/17 أثر الزلزال السعودي في المشهد السوداني2026/01/17 ???? ترمب قام باصدار قانون يبل كل السودانيين ولم يتطرق للكيزان2026/01/16 الخرطوم ستكون مثل أم العيال2026/01/16 هل كنتم تتوقعون أن يتم تقديم علبة شوكولاتة لوزير الجنجويد خالد بحيري؟2026/01/16 العشم السوداني … بين الدعم المنتظر والركض الواجب2026/01/16شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات اليوم أسلم علي ديدان الروح إلى باريها 2026/01/16

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

إبراهيم ضيف: مصر استطاعت عبر تاريخها أن تتجاوز أصعب التحديات بفضل وحدة شعبها ومؤسساتها الوطنية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال إبراهيم ضيف، نائب رئيس حزب إرادة جيل، إن الاحتفال بذكرى ثورة 23 يوليو يمثل مناسبة وطنية لاستحضار واحدة من أعظم صفحات التاريخ المصري الحديث، والتي نجحت في إقامة الجمهورية، وإعادة صياغة مفهوم الدولة الوطنية القائمة على الاستقلال والكرامة والعدالة.

وهنأ ضيف، خلال تصريحات، الرئيس عبد الفتاح السيسي والشعب المصري بهذه المناسبة الوطنية، مؤكدًا أن مصر استطاعت عبر تاريخها أن تتجاوز أصعب التحديات بفضل وحدة شعبها ومؤسساتها الوطنية، وهو ما يتجدد اليوم في ظل مسيرة البناء والتنمية.

وأضاف أن كلمة الرئيس السيسي بمناسبة ذكرى الثورة حملت رسائل مهمة تؤكد استمرار الدولة في تحقيق التنمية الشاملة، والحفاظ على مقدرات الوطن، وتعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية، مشيرًا إلى أن القيادة السياسية تواصل العمل من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

وأوضح أن ثورة 30 يونيو جاءت امتدادًا طبيعيًا لروح ثورة يوليو، إذ استجابت لإرادة الشعب المصري عندما خرج بالملايين مطالبًا باستعادة الدولة الوطنية، تمامًا كما جاءت ثورة يوليو استجابة لطموحات المصريين في التحرر وبناء الجمهورية.

وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب من جميع أبناء الوطن مواصلة التكاتف والاصطفاف خلف القيادة السياسية، لاستكمال مسيرة بناء الجمهورية الجديدة، حتى يجني الأبناء والأجيال القادمة ثمار ما يُنفذ اليوم من مشروعات قومية وتنموية كبرى، بما ينعكس على تحسين جودة حياة المواطنين، وتعزيز فرص العمل، والارتقاء بمستوى الخدمات، وتحقيق مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا لكل المصريين.

مقالات مشابهة

  • إبراهيم ضيف: مصر استطاعت عبر تاريخها أن تتجاوز أصعب التحديات بفضل وحدة شعبها ومؤسساتها الوطنية
  • منع الهدر وتعزيز الشفافية.. كيف أعاد قانون المالية العامة ضبط الإنفاق الحكومي؟
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • السودان يطلق مبادرة لتوسيع المظلة الضريبية.. و60% من النشاط الاقتصادي خارجها
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
  • اجتماع دولي في نيروبي لتنسيق المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
  • بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار